إسم الكاتب : فضلية الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه الله
بَابُ كِتَابَةِ العِلْمِ
أي: هذا باب في بيان كتابة العلم، اختلف السلف في ذلك عملًا وتركًا، كما تقدم في المقدمة، وإن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم، بل على استحبابه، بل هو واجب في العلم الذي يجب تبليغه ولا يمكن ذلك إلا بالكتابة.
أشار البخاري إلى الجواز بما ساقه من أحاديث.
قال النووي وغيره من أهل العلم: "وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْ كِتَابَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ فَمِنَ السَّلَفِ مَنْ مَنَعَ كِتَابَةَ الْعِلْمِ، وَقَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ بِجَوَازِهِ ثُمَّ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُبَعْدَهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ، وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ بِجَوَابَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَكَانَ النَّهْيُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ اشْتِهَارِ الْقُرْآنِ لِكُلِّ أَحَدٍ، فَنَهَى عَنْ كِتَابَةِ غَيْرِهِ خَوْفًا مِنَ اخْتِلَاطِهِ وَاشْتِبَاهِهِ، فَلَمَّا اشْتُهِرَ وَأُمِنَتْ تِلْكَ الْمَفْسَدَةُ أَذِنَ فِيهِ.
وَالثَّانِي -أي الجواب الثاني عن أحاديث النهي- أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِمَنْ وُثِقَ بِحِفْظِهِ وَخِيفَ اتِّكَالُهُ عَلَى الْكِتَابَةِ، وَالْإِذْنُ لِمَنْ لَمْ يُوثَقْ بِحِفْظِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ". انتهى
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ) بن الفرج البيكندي. ثقة. تقدم.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ) بن الجراح بن مَليحالرؤاسي، أبو سفيان الكوفي، من أتباع التابعين، ثقة حافظ فقيه إمام كبير القدر عند الأئمة.حج سنة ست وتسعين ومائة. ومات في الطريق. روى له الجماعة.
عَنِ القعنبي: كنا عند حماد بن زيد، فجاءه وكيع، فلما قام من عنده، قالوا لحماد: يا أبا إسماعيل هذا راوية سفيان، فَقَالَ حماد: لو شئتُ قلت: هذا أرجحُ من سفيان.
وَقَال علي بن عثمان النفيلي: قلت لأحمد بْن حنبل: إن أبا قتادة يتكلم فِي وكيع بن الجراح، وعيسى بْن يونس، وابن المبارك، فَقَالَ: "من كذَّب أهلَ الصدق فهو الكذاب".
قَال أحمد بن سهل بن بحر النيسابوري: دخلت عَلَى أحمد بن حنبل بعد المحنة فسمعته يقول: كان وكيع بن الجراح إمام المسلمين فِي وقته.
قال ابن سعد: كَانَ ثقة، مأمونا، عاليا، رفيع القدر، كثير الحديث، حجة.
وقال العجلي: " كوفي ثقة عابد صالح أديب من حفاظ الحديث وكان يفتي". انتهى
وكان سميناً رحمه الله، قال سعيد بنُ منصور: قدم وكيع مكَّة، وكان سمينًا، فقال له الفُضيل بن عِياض: ما هذا السِّمَن، وأنت راهب العراق؟ قال: هذا مِن فرحي بالإسلام. فأُفحمَه.
(عَنْ سُفْيَانَ) الثوري، أو ابن عيينة؛ الحديث يرويه السفيانان عن مطرف، والسفيانان يروي عنهما وكيع، ولم يذكر وكيع من هو سفيان هنا، فحمله البعض على أنه الثوري لأن وكيعا مشهور بالرواية عنه، ونص بعض الحفاظ على أنه ابن عيينة، وعلى كل لا يقدح هذا في الإسناد، لأن أيا كان منهما فهما إمامان حافظان.
قال ابن حجر:"قوله عن سفيان هو الثوري لأن وكيعاً مشهور بالرواية عنه. وقال أبو مسعود الدمشقي في الأطراف: "يقال إنه ابن عيينة". قلت: لو كان ابن عيينة لنسبه؛ لأن القاعدة في كل من روى عن متفَقيّ الاسم أن يُحمل مَن أهمل نسبته على من يكون له به خصوصية من إكثار ونحوه، كما قدمناه قبل هذا، وهكذا نقول هنا؛ لأن وكيعاً قليلُ الرواية عن ابن عيينة بخلاف الثوري".
قال العيني بعد أن ذكر بعض من يرجح أنه الثوري بقرينة إكثار وكيع الرواية عن الثوري: "قلت: كل ما ذكره ليس يصلح مرجحاً أن يكون سفيان هذا هو الثوري، بعد أن ثبتت رواية وكيع عن السفيانين كليهما وروايتهما عن مطرف، على أن أبا مسعود الدمشقي قال في (الأطراف) هذا هو سفيان بن عيينة. وقال الغساني في كتابه (تقييد المهمل) هذا الحديث محفوظ عن ابن عيينة). انتهى
وقال ابن الملقن: "قَالَ أبو مسعود الدمشقي: يقال: إن حديث وكيع، عن سفيان هو ابن عيينة، ولم ينبه البخاري عليه قَالَ: وقد رواه يزيد العدني عن الثوري أيضًا". انتهى
الحديث أخرجه البخاري برقم6903و6915من طريق ابن عيينة، قال: حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا مُطَرِّفٌ.. الحديث. والله أعلم
(عَنْ مُطَرِّفٍ) بن طريف الحارثي- ويُقال: الخَارِفي- أَبُو بكر أو أبو عبد الرحمن الكوفي. من أتباع التابعين، ثقة فاضل.
مات سنة ثلاث وثلاثين ومائة أو بعدها. روى له الجماعة.
قال الآجري، عن أبي داود: قلتُ لأحمد: أصحاب الشعبي من أَحَبُّهم إليك؟ قال: ليس عندي فيهم مثلُ إسماعيلَ بنِ أبي خالد قلتُ: ثم مَن؟ قال: مُطَرّف. انتهى
(عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شَراحيل. ثقة حافظ فقيه. تقدم.
(عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ) وهب بن عبد الله- ويقال: وهب بن وهب- السُّوائي. يقال له: وهْب الْخَيْر، مشهور بكنيته،صحابي كَانَ من صغار أصحاب النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، قيل: مات رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ولم يبلغ الحلم، صحب علياً رضي الله عنه؛ نزل الكوفة وابتنى بها داراًفي بَنِي سُواءَة. مات سنة أربع وسبعين. روى له الجماعة.
(قَالَ)أبو جحيفة(قُلْتُ لِعَلِيِّ) في رواية:"ابْنِ أَبِي طَالِبٍ"رضي الله عنه. تقدم
(هَلْ عِنْدَكُمْ)يعنيأهل البيت النبوي (كِتَابٌ)أي: مكتوب خصّكم به رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دون غيركم من أسرار علم الوحي كما يزعم الشيعة (قَالَ) علي:(لاَ)كتاب عندنا (إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ)القرآن، وفي رواية ستأتي: "ما عندنا إلا ما في القرآن"(أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُرَجُلٌ مُسْلِمٌ)يفهمه مما خفي من معاني الأدلة الشرعية غير الظاهرة منها،فتحصل عنده الزيادة بذلك الاعتبار،ومراتب الناس في ذلك متفاوتة (أَوْ مَا)أي الذي (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ)وهي الورقة المكتوبة، وكانت معلقة بقبضة سيفه. وللنسائي: "فأخرج كتابًا من قِرَابِ سَيْفِهِ" (قَالَ)أبو جحيفة (قُلْتُ: فَمَا)أي: أيُّ شيء (فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ)علي: (العَقْلُ)أي: حكم العقل؛ وهو الدّيَة؛ لأنهم كانوا يعقلون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المستحِق للعقل، والمراد: أحكامُها ومقاديرها وأصنافُها وأسنانها (وَفَكَاكُ) بفتح الفاء ويجوز كسرها؛وهو ما يحصل به خلاص (الأَسِيرِ) من الأسر، أي حكمه والترغيب فيه(و) فيها أيضاً أنه(لاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ) أيوفيها حُكم حُرمةِ قصاصِ المسلم بالكافر.
وحرمةُقتل المسلم بالكافر مذهب الشافعي ومالك وأحمد والأوزاعي والليث وغيرهم من العلماء، خلافًا للحنفية،قال الترمذي: "وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ، قَالُوا: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالْمُعَاهِدِ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ. انتهى
استدل الحنفية بأنّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قتل مسلمًا بمعاهد، وقال: "أنا أكرم من وفّى بذمته..." الحديث. وهو حديث ضعيف، أعله الحفاظ.
أخرجه الدارقطني في سننه عَنِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَتَلَ مُسْلِمًا بِمُعَاهَدٍ، وَقَالَ: «أَنَا أَكْرَمُ مَنْ وَفَى بِذِمَّتِهِ».
قال الدارقطني: لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي يَحْيَى وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَالصَّوَابُ عَنْ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيِّ مُرْسَلٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَابْنُ الْبَيْلَمَانِيِّ ضَعِيفٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ إِذَا وَصَلَ الْحَدِيثَ فَكَيْفَ بِمَا يُرْسِلُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. انتهى
وَقَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: هَذَا الحَدِيث يَدُور عَلَى ابْن أبي يَحْيَى لَيْسَ لَهُ وَجه.
وقال الإمام أحمد: ليس له إسناد، وهو من حديث ربيعة عن ابن البيلماني قال: هو مرسل، وحديث على أثبت وعمر، وعثمان.
وقال مرة: من حكم بحديث ابن البيلماني فهو عندي مخطئ وإن حكم به حاكم فرفُع إلى حاكم آخر رده. انتهى وقد استحسن ابن الملقن هذا القول من الإمام أحمد.
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ليس في حديث ابن البَيْلَمَانِيِّ مسند، ولا يُجعلُ مثلُه إمامًا يُسفك به دماءُ المسلمين. انتهى
وقال البيهقي: حديث عمَّار بن مطر هذا خطأٌ من وجهين: أحدهما: وصله بذكر ابن عمر فيه، وإنَّما هو عن ابن البَيْلَمَانِيِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم مرسلاً. والآخر: روايته عن إبراهيم عن ربيعة، وإنَّما يرويه إبراهيم عن ابن المنكدر، والحمل فيه على عمَّار بن مطر الرَّهاويِّ، فقد كان يقلب الأسانيد، ويسرق الأحاديث، حتَّى كثر ذلك في رواياته، وسقط عن حدِّ الاحتجاج به. انتهى
وانظر البدر المنير لابن الملقن (8/367)، و الضعيفة للألباني (460).
قال الشراح: "ووقع عند المصنف ومسلم "قال: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتابَ الله، وهذه الصحيفة فإذا فيها المدينة حرم،ولمسلم وأخرج صحيفة مكتوبة فيها:" لعن الله من ذبح لغير الله"، وللنسائي:" فإذا فيها المؤمنون تتكافأ دماؤهم، يسعى بذمتهم أدناهم.." الحديث، ولأحمد: فيها فرائض الصدقة. والجمع بين هذه أنّ الصحيفة كانت واحدة وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها فنقل كلٌّ من الرواة عنه ما حفظ".
هذا بعد التأكد من صحتها كلِّها.
ومن فوائد الحديث: كتابة الحديث؛ ولذلك ساقه المؤلف.
ومن الفوائد: إبطال قول الشيعة والرافضة أن النبي صلى الله عليه وسلم اختص علياً رضي الله عنه وأهل البيت بأسرار وعلوم من الغيب وبما لم يطلع عليه غيرهم.
الحديثانفرد به البخاري عن مسلم من طريق أبي جحيفة، واتفقا عَلَى حديث إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن علي. وبينهما اختلاف سيأتي في موضعه إن شاء الله.
112 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ - عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ - بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ» - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ كَذَا، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَاجْعَلُوهُ عَلَى الشَّكِّ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ وَغَيْرُهُ يَقُولُ الفِيلَ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، أَلاَ وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، أَلاَ وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ، لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ، وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ القَتِيلِ ". فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لِأَبِي فُلاَنٍ». فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: يُقَالُ: يُقَادُ بِالقَافِ فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ
(حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ) الأحول المُلائيالكوفي. ثقة. تقدم
(قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميمي النَّحْوي، أبو معاوية البصري المؤدب. سكن الكوفة زماناً ثم انتقل إلى بغداد. من أتباع التابعين، ثقة صاحب كتاب.مات سنة أربع وستين ومائة. روى له الجماعة.
لا يوجد في البخاري من اسمه شيبان غيره.
قال أحمد: شيبان ثبت في يحيى بن أبي كثير.
وقَال أبو الْقَاسِمِ البغوي: "شيبان أثبت فِي يحيى بْن أَبي كثير من الأَوزاعِيّ". انتهى.
وهذا الحديث من روايته عنه.
(عَنْ يَحْيَى)بن أبي كثيرالطائي مولاهم. أبو نصر اليمامي.
ثقة حافظ إمام من نظراء الزهري،يرسل ويدلس، ولا يروي إلا عن ثقة.مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. وقيل قبل ذلك. روى له الجماعة
قال أبو حاتم: يحيى إمامٌ، لا يُحَدِّثُ إلا عن ثقة.
وقال: لم يسمع من أحد من الصحابة، روى عن أَنَس مُرْسلاً، وقد رأى أنساً يصلي فِي المسجد الحرام رؤية ولم يسمع منه.
وقال يحيى القطان: مرسلاته شِبْهُ الرِّيح.
وَقَال أَبُو جَعْفَر العقيلي: كَانَ يُذكر بالتدليس.
قال ابن حبان: كان يُدَلِّسُ، فكلَّما روى عن أنس، فقد دلَّسَ عنه، ولم يَسْمَع من أنس، ولا من صَحَابي. انتهى
وقد صرح بالتحديث في بعض طرق هذا الحديث عند البخاري ومسلم.
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف.ثقة إمام. تقدم
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ)رضي الله عنه. تقدم
(أَنَّ خُزَاعَةَ)القبيلة المشهورة: حي من الأزد.
(قَتَلُوا رَجُلًا مِنْ بَنِي لَيْثٍ)قبيلة من العرب من هذيل(عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُم)أي:من خزاعة(قَتَلُوهُ)أي:قتله بنو ليث في الجاهلية؛ فالمقتول من خزاعة كان في الجاهلية، والمقتول به من بني ليث كان عام الفتح.
قال ابن حجر: المقتولانِ هُمَا مُنَبِّهٌ الخُزَاعِيُّ، ذَكَرَهُ ابنُ إِسْحَاقَ، وقتلتهُ بنو لَيْثٍ.
وجُنَيْدِبُ بنُ الأَكْوَعِ، ذَكَرَهُ ابنُ هِشَامٍ، وقتلتهُ بَنو كَعْبٍ وهُمْ خُزَاعَةُ.
وعن ابْنِ إِسْحَاقَ أنَّ خِرَاشَ بْنَ أُمَيَّةَ الخُزَاعِيَّ قتلَ ابنَ الْأَثوعِ الهُذَلِيَّ بقتيلٍ في الجَاهِلِيَّةِ يُقَالُ لَهُ: أَحْمَرُ، فَقالَ النَّبِيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: «يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ، ارْفَعُوْا أَيْدِيَكُمْ عَنْ القَتْلِ» الحَدِيْثُ، روّيْنَا في أواخرِ الجزءِ الثالثِ من "فَوَائِد أبي عليِّ بنِ خُزَيْمَةَ" أَنَّ اسمَ القَاتِلِ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَالله أعلمُ. انتهى
وقال في الفتح: والمقتول في الإسلام من بني ليث لم يسم.
والله أعلم بصحة هذا(فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم، فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ)الراحلة:البعير القوي على الأسفار والأحمال. والذكر والأنثى فيه سواء(فَخَطَبَ)رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ)عز وجل(حَبَسَ)منع (عَنْ مَكَّةَ القَتْلَ، أَوِ الفِيلَ»)الحيوان المشهور (شك أبو عبد الله)
وفي بعض روايات البخاري: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ)أي البخاري نفسه (كَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكين.
وأراد البخاري: أن الشك فيه من شيخه أبي نعيم.
قال ابن الملقن: ""الفيل" هو بالفاء ثمَّ مثناةٍ تحت، وشك أبو نعيم بينه وبين القتل -بالقاف ثم مثناةٍ فوق كما سلف- وصوب الأول، والمراد بحبس الفيل أهلُه، ويجوز أن يكون المرادُ نفسَه كما ورد في قصته كما هي مشهورة في السير والتفاسير".
وقال الشراح: والمراد بحبس الفيل أهل الفيل الذين غزوا مكة؛ فمنعها الله تعالى منهم كما أشار إليه تعالى في القرآن.
وزاد في رواية للبخاري في هذا الموضع: (وَاجْعَلُوهُ عَلَى الشَّكِّ الفِيلَ أَوِ القَتْلَ)أي: اجعلوا اللفظ على الشك؛ الفيل بالفاء أو القتل بالقاف (وَغَيْرُهُ)غير أبي نعيم (يَقُولُ الفِيلَ) بالفاء من غير شك.
وقال البخاري في باب من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين: "وَتَابَعَهُ عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ شَيْبَانَ فِي الفِيلِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ: «القَتْلَ»".
وقال القسطلاني: "وهذا تصريح من المصنف بأن الجمهور على رواية "الفيل" بالفاء، وفي بعض النسخ مما ليس في "اليونينية":إن الله حبس عن مكة القتل أو الفيل، كذا قال أبو نعيم، واجعلوا على الشك: الفيل أو القتل". وفي رواية:""قال محمد" أي البخاري: "وجعلوه" أي الرواة "على الشك، كذا قال أبو نعيم الفيل أو القتل". وقال البِرماويُّ كالكِرمانيُّ:"الفتك" بالفاء والكاف، أي سفك الدم على غفلة، أي بدل القتل، ووجهه ظاهر، لكن لا أعلمه رُوي كذلك، ولا يبعد أن يكون تصحيفًا". انتهى
(وَسَلَّطَ)الله عز وجل(عَلَيْهِمْ) أي: على أهل مكة الكفار.وفي رواية: "إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسولَه والمؤمنين". (رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالمُؤْمِنِينَ، أَلاَ) وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي)من الأنبياء وغيرهم (وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي)والمعنى: إحلال القتل فيها(أَلاَ وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً) وقتاً(مِنْ نَهَارٍ، أَلاَ وَإِنَّهَاسَاعَتِي)أي: في ساعتي(هَذِهِ)التي أتكلم فيها بعد فتح مكة(حَرَامٌ، لاَ يُخْتَلَى)أي: لا يُقطع ولا يُجز (شَوْكُهَا)إلا المؤذي (وَلاَ يُعْضَدُ) أي: لا يقطع(شَجَرُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا)أي ما سقط فيها بغفلة مالكه (إِلَّا لِمُنْشِدٍ)أي: مُعَرِّفٍ؛ فليس لواجدها غير التعريف ولا يملكها (فَمَنْ قُتِلَ)أي: فمن قتل له قتيل كما في الدّيات عند المصنف من طريق أبي نعيم أيضاً،أي منْ قتل له قريبٌ، كَانَ حيّا، فصار قتيلاً بذلك القتل.
قال الحافظ وغيره: "كذا وقع هنا، وفيه حذف، وقع بيانه في رواية المصنف في الديات عن أبي نعيم بهذا الإسناد: " فمن قتل له قتيل". انتهى
(فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ)أي:ولي المقتول مخيّر بين النظرين، يختار منهما ما يشاء، وما يراه خيرًا له (إِمَّا أَنْ يُعْقَلَ) من العقل وهو الدية،أي يُعقل المقتول بالدية، أي تُعطى ديته لوليه(وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ)أي: يُمَكَّنَ (أَهْلُ القَتِيلِ)من قتل القاتل. يقال أقدت القاتل بالمقتول؛ أي: اقتصصته منه.
وستأتي هذه المسألة في محلها إن شاء الله
(فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ) هو أبو شاه،ستأتي الرواية التي فيها ذكر اسمه في هذا الكتاب(فَقَالَ)أبو شاه(اكْتُبْ لِي)أي الخُطبة التي سمعتها منك (يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ («اكْتُبُوا لِأَبِي فُلاَنٍ»)أي لأبي شاه (فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ)هو العباس بن عبد المطلب، كما في رواية متفق عليها(إِلَّا الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) أي:لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها إلا الإذْخر؛وهو نبت معروف طيب الرائحة (فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا)للسقف فوق الخشب أو يخلط بالطين لئلا ينشق إذا بني به (وَقُبُورِنَا)فنسدّ به فرج اللحد المتخللة بين اللبنات (فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ إِلَّا الإِذْخِرَ»)اتفق العلماء على جواز قطع الإذخر خاصة من منبته بمكة.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ)البخاري(يُقَالُ: يُقَادُ بِالقَافِ، فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: أَيُّ شَيْءٍ كَتَبَ لَهُ؟ قَالَ: كَتَبَ لَهُ هَذِهِ الخُطْبَةَ)وليس هذا التفسير عند أبي ذر والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر.
ووجه مطابقة الحديث للترجمة الأمر بالكتابة لأبي شاه.
وستأتي بقية أحكامه وفوائده في موضعها إن شاء الله
الحديث متفق عليه.
113 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، عَنْ أَخِيهِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلاَ أَكْتُبُ» تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) بْن جعفر بن نَجيح السَّعدي مولاهم، أَبُو الحسن بن المَديني البَصْرِيّ، مشهور بعلي بن المديني، صاحب التصانيفِ الواسعة والمعرفةِ الباهرة.، يروي عن أتباع التابعين.ثقةحافظإمام، أعلم أهل عصره بالحديث وعلله. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين، روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه في التفسير.
قال البخاري: ما استصغرت نفسي إلا عند علي بن المديني.
وقال ابن عيينة- وهو شيخ علي-:تَلُوْمُنِيْ عَلَى حُبِّ عَلِيٍّ، وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَتَعَلَّمُ مِنْهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَعَلَّمُ مِنِّي.
وكان ابن عيينة يسميه: "حيةَ الوادي".
وقال يَحْيَى بنَ سَعِيْدٍ: "النَّاسُ يَلُوْمُونَنِي فِي قُعُودِي مَعَ عَلِيٍّ، وَأَنَا أَتَعَلَّمُ مِنْهُ أَكثَرَ مِمَّا يَتَعَلَّمُ مِنِّي".
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: كَانَ ابْنُ المَدِيْنِيِّ عَلَماً فِي النَّاسِ فِي مَعْرِفَةِ الحَدِيْثِ وَالعِلَلِ.
وَكَانَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ لَا يُسَمِّيْهِ؛ إِنَّمَا يَكْنِيهِ تَبْجِيلاً لَهُ، مَا سَمِعْتُ أَحْمَدَ سَمَّاهُ قَطُّ.
وقال النسائي: كأن الله خلقه للحديث.
قال عبد الرحمن بن مهدي:عَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيْثِ رَسُوْلِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَخَاصَّةً بِحَدِيْثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ. انتهى
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الآجُرِّيُّ: قِيْلَ لأَبِي دَاوُدَ: أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أَعْلَمُ أَمْ عَلِيٌّ؟
فَقَالَ: "عَلِيٌّ أَعْلَمُ بِاخْتِلَافِ الحَدِيْثِ مِنْ أَحْمَدَ".
قال أبو عبيد: "انْتَهَى العِلْمُ إِلَى أَرْبَعَةٍ: أَبُو بَكْرٍ بنُ أَبِي شَيْبَةَ أَسْرَدُهُمْ لَهُ، وَأَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ أَفْقَهُهُمْ فِيْهِ، وَعَلِيُّ بنُ المَدِيْنِيِّ أَعْلَمُهُم بِهِ، وَيَحْيَى بنُ مَعِيْنٍ أَكْتَبُهُمْ لَهُ". انتهى
أجاب في محنة القول بخلق القرآن، لكنه اعتذر بأنه لا يطيق العذاب، وتاب".
قال مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْن أَبي شَيْبَة: سمعت علي بْن المديني يقول قبل أن يموت بشهرين: القرآن كلام الله غير مخلوق، ومن قال مخلوق، فهو كافر". انتهى
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِبنُ أَبِي حَاتِمٍ: كَانَ أَبُو زُرْعَةَ تَرَكَ الرِّوَايَةَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ أَجْلِ مَا بَدَا مِنْهُ فِي المِحْنَةِ، وَكَانَ وَالِدِي يَرْوِي عَنْهُ؛ لِنُزُوْعِهِ عَمَّا كَانَ مِنْهُ". انتهى
قال علي بن المديني:" التَّفَقُّةُ فِي مَعَانِي الحَدِيْثِ: نِصْفُ العِلْمِ، وَمَعْرِفَةُ الرِّجَالِ: نِصْفُ العِلْمِ".
وروي عنه أنه قال: "الْبَابُ إِذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَمْ يُتَبَيَّنْ خَطَؤُهُ".
(قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) بن عيينة الهلالي، أبو محمد الكوفي المكي. إمام. تقدم. وهو أثبت الناس في عمرو بن دينار المكي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو) بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم. تابعي، ثقة حافظ فقيه، من أثبت الناس في عطاء.مات سنة ستٍ وعشرين ومائة. وقيل غير ذلك. روى له الجماعة.
(قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ) بن كامل اليماني الصنعاني الذَّمَاري، أَبُو عَبْد اللَّهِ الأبناوي، أخو همام بن منبه. تابعي ثقة، كان على قضاء صنعاء.مات سنة عشرٍ ومائة أو بعدها. روى له الجماعة، سوى ابن ماجه روى له في التفسير.
قال أَحْمَد: كَانَ يتهم بشيءٍ من القدر، ورجع.
ولم يذكر البخاري وهب بن منبه إلا في هذا الموضع كما نبه عليه الباجي. قاله ابن الملقن.
(عَنْ أَخِيهِ) همام بن منبه الصنعاني، أبو عتبة. ثقة. تقدم
(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ)رضي الله عنه.
(يَقُولُ: «مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرَ حَدِيثًا عَنْهُ)عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مِنِّي، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو)بن العاص رضي الله عنهما (فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَ) أنا (لاَ أَكْتُبُ»)
قال ابن عبد البر في جامع العلم وفضله: "قَالَ ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تَحَدَّثْتُ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثٍ فَأَنْكَرَهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ سَمِعْتُهُ مِنْكَ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ سَمِعْتَهُ مِنِّي، فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدِي» ، فَأَخَذَ بِيَدِي إِلَى بَيْتِهِ فَأَرَانَا كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدَ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فَقَالَ: «قَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنِّي إِنْ كُنْتُ قَدْ حَدَّثْتُكَ بِهِ فَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدِي» .
قال ابن عبد البر: هَذَا خِلَافُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَكْتُبُ وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَتَبَ، وَحَدِيثُهُ ذَاكَ أَصَحُّ فِي النَّقْلِ مِنْ هَذَا؛ لِأَنَّهُ أَثْبَتُ إِسْنَادًا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، إِلَّا أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ قَدْ يَسُوغُ التَّأَوُّلُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا". انتهى
وقال ابن حجر: "قال ابن عبد البر: حديث همام أصح، ويمكن الجمع بأنه لم يكن يكتب في العهد النبوي ثم كتب بعده، قلت-الكلام لابن حجر-: وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوبا عنده أن يكون بخطه، وقد ثبت أنه لم يكن يكتب فتعين أن المكتوب عنده بغير خط". انتهى
قلت: الحديث الذي ذكره ابن عبد البر ضعيف، ضعفه غير واحد من أهل الحديث، ومنهم الحافظ نفسه في الفتح عند شرح الحديث رقم 119، الآتي قال فيه: "لَكِنَّ سَنَدَ هَذَا ضَعِيفٌ". انتهى، فلا يخالف هذا الصحيح، فلسنا بحاجة للتأويل والجمع.
أخرجه الحاكم في المستدرك، وقال الذهبي: قلت: هذا منكر لم يصح. انتهى
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة من حيث إن عبد الله بن عمرو كان يكتب العلم والحديث.
(تَابَعَهُ)أي: تابع وهبَ بنَ منبّه في روايته لهذا الحديث عن همام: (مَعْمَرٌ)بن راشد، فرواه هو الآخر(عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) وقد قال الحافظ ابن حجر: والمتابعة المذكورة أخرجها عبد الرزاق عن معمر.
وأخرجها أبو بكر بن علي المروزي في كتاب العلم له عن حجاج بن الشاعر عنه.
وذكر متابعات أخرى لهمام عن أبي هريرة.
وقال هو وغيره من الشراح: "ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان جازماً بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم منه إلا عبد الله.
مع أن الموجود المروي عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة.
فإن قلنا الاستثناء منقطع، فلا إشكال؛ إذ التقدير: لكنْ الذي كان من عبد الله وهو الكتابة لم يكن مني؛ سواء لزم منه كونه أكثر حديثاً لما تقتضيه العادة أم لا.
وإن قلنا الاستثناء متصل فالسبب فيه من جهات:
فذكر أربعاً:
الصحيح منها قوله:
أنه كان أكثرُ مَقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف ولم تكن الرحلة إليهما ممن يَطلبُ العلمَ كالرحلة إلى المدينة، وكان أبو هريرة متصدّياً فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات، ويظهر هذا من كثرة من حَمَل عن أبي هريرة؛ فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمانُمائةِ نفسٍ من التابعين، ولم يقع هذا لغيره. انتهى
وعليها اقتصر جمع من الحفاظ وأهل العلم.
قال ابن الملقن: "وسبب قلة رواية عبد الله بن عمرو: أنه سكن مصر وكان الواردون إليها قليلًا، بخلاف أبي هريرة فإنه توطن المدينة، وهي المقصد من كل جهة، وانتصب للرواية، لا جرم روى فوق الخمسةِ آلاف حديثٍ، ووُجد لعبد الله بن عمرو سبعُمائةِ حديث كما ذكرته في ترجمتهم". انتهى
وهذا الحديث من أفراد البخاري. ولم يخرجه إلا هنا.
(حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ) بن يحيى بن سعيد الجُعفي، أبو سعيد الكوفي المقرئ، نزيل مصر. يروي عن أتباع التابعين، صدوق له مناكير. مات سنة سبعٍ أو ثمانٍ وثلاثين ومائتين. روى له البخاري والترمذي.
اختلفوا فيه البعض ضعفه كالنسائي، والبعض وثقه كالدارقطني، وقال العقيلي: ثقة وله أحاديث مناكير.
ظاهر من كلامهم أن في حفظه شيئاً، ولكن أرجو أنه لا ينزل عن رتبة الاحتجاج مع الحذر من مناكيره.
قال الحافظ ابن حجر: لم يكثر البخاريُّ من تخريج حديثه، وإنما أخرج له أحاديثَ معروفة من حديث ابن وهب خاصة.
وهو في هذا الحديث متابع عند البخاري وغيره من طريق الزهري وغيره.
(قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ) عبد الله بن وهب القرشي أبو محمد المصري. إمام ثقة حافظ صاحب سنة.
(قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ)بن يزيد الأيلي. ثقة له منكرات، من أثبت الناس في الزهري.
(عَنِ ابْنِ شِهَابٍ)محمد بن مسلم بن شهاب الزهري. إمام.
(عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ)بن عتبة بن مسعود. إمام من فقهاء المدينة السبعة.
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)رضي الله عنه.
رجال الإسناد كلهم تقدموا سوى يحيى.
(قَالَ: لَمَّا اشْتَدَّ)أي: حين قوي (بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعُهُ)الألم في مرضهالذي توفي فيه يوم الخميس قبل موته بأربعة أيام. كما عند المصنف من رواية سعيد بن جبير، وفي روايةمتفق عليها: لَمَّا حُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفي أخرى لما حضرت النبي صلى الله عليه وسلم الوفاة(قَالَ: «ائْتُونِي بِكِتَابٍ)أي بأدوات الكتاب.وقد صرح بذلك في رواية لمسلم قال:"ائتوني بالكتف والدواة" والمراد بالكتف عظم الكتف؛ لأنهم كانوا يكتبون فيها، والدواة المحبرة(أَكْتُبْ لَكُمْ) أي آمر من يكتب لكم.
قال ابن حجر: "وفي مسند أحمد من حديث علي: أنه المأمور بذلك، ولفظه: أمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن آتيه بطبق؛ أي: كتف يكتب ما لا تضل أمته من بعده"
(كِتَابًالاَ تَضِلُّوا بَعْدَهُ»)المراد بالضلال الذي علق نفيه على كتابة الكتاب هو الاختلاف في الإمامة لمن هي بعده؛فَلَمَّا رَأَى أَنَّ الشَّكَّ قَدْ وَقَعَ، عَلِمَ أَنَّ الْكِتَابَ لَا يَرْفَعُ الشَّكَّ، فَلَمْ يَبْقَ فِيهِ فَائِدَةٌ، وَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُهُمْ عَلَى مَا عَزَمَ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ: " «وَيَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ» ".
والدليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يكتب في الكتاب الخليفة من بعده؛ ما أخرجه مسلم في صحيحه:عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَرَضِهِ: ادْعِي لِي أَبَا بَكْرٍ أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ كِتَابًا، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ وَيَقُولَ قَائِلٌ أَنَا أَوْلَى، وَيَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ».
ولا يلزم من عدم كتابة الكتاب الضلال، بل هو لتمكين الثبات، ومنع الخلاف بينهم، فهو لم يقل إن لم أكتب ضللتم، وامتنع الضلال بحفظ الله وتثبيته، واجتمعت الأمة على أبي بكر رضي الله عنه.
(قَالَ عُمَرُ)بن الخطاب رضي الله عنه لمن حضره من الصحابة: (إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَلَبَهُ الوَجَعُوَ) الحال أن (عِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ) هو(حَسْبُنَا)أي: كافينا.
قال جمع من أهل العلم: خشي عمر أن يشقَّ على النبي صلى الله عليه وسلم إملاءُ الكتاب، لعله ظن أن الكتاب سيكون طويلاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان مريضاً، ومرضه مؤلم وشديد.
وبعضهم قال خشي عمر أن يجد المنافقون لهم فيه سبيلاً إلى الطعن في ذلك الكتاب؛ لأنه كتبه في حالة المرض.
وقال ابن تيمية: وَأَمَّا عُمَرُ فَاشْتَبَهَ عَلَيْهِ هَلْ كَانَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ شِدَّةِ الْمَرَضِ، أَوْ كَانَ مِنْ أَقْوَالِهِ الْمَعْرُوفَةِ؟ وَالْمَرَضُ جَائِزٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ: " مَا لَهُ؟ أَهَجَرَ؟ " – لم أقف على شيء في طرق الحديث بعد البحث يدل على أن عمر هو الذي قال هذه الكلمة، في الأحاديث فقالوا فالقائل مبهم- فَشَكَّ فِي ذَلِكَ -القائل وليس عمر- وَلَمْ يَجْزِمْ بِأَنَّهُ هَجَرَ، وَالشَّكُّ جَائِزٌ عَلَى عُمَرَ، فَإِنَّهُ لَا مَعْصُومَ إِلَّا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَا سِيَّمَا وَقَدْ شَكَّ بِشُبْهَةٍ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ مَرِيضًا، فَلَمْ يَدْرِ أَكَلَامُهُ كَانَ مِنْ وَهَجِ الْمَرَضِ، كَمَا يَعْرِضُ لِلْمَرِيضِ، أَوْ كَانَ مِنْ كَلَامِهِ الْمَعْرُوفِ الَّذِي يَجِبُ قَبُولُهُ؟ وَكَذَلِكَ ظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يَمُتْ حَتَّى تَبَيَّنَ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ. انتهى
هذا الكلام ينطبق على القائل، ويبعد أن يكون عمر رضي الله عنه، والله أعلم
المهم النبي صلى الله عليه وسلم معصوم في مرضه وصحته عن النطق بالباطل والخطأ، وما توهمه هذا القائل وشك فيه باطل وخطأ منه.
وسيأتي تتمة الكلام على هذا في موضعه إن شاء الله.
(فَاخْتَلَفُوا)أي: الصحابة عند ذلك فقالت طائفة: بل نكتب لما فيه من امتثال أمره وزيادة الإيضاح.
قال القرطبي: "واختلافهم في ذلك كاختلافهم في قوله لهم "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة"، فتخوَّف ناس فوت الوقت فصلوا، وتمسك آخرون بظاهر الأمر فلم يصلوا، فما عَنَّفَ أحداً منهم من أجل الاجتهاد المسوغ والمقصد الصالح. والله أعلم". انتهى
(وَكَثُرَ اللَّغَطُ)أي: الصوت والجلبة بسبب ذلك، فلما رأى ذلك عليه الصلاة والسلام (قَالَ: «قُومُوا عَنِّي)أي: عن جهتي (وَلاَ يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ». فَخَرَجَ ابْنُ عَبَّاسٍ)من المكان الذي كان به عندما تحدث بهذا الحديث.
وفي رواية عند البخاري باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم: (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ، فَكَانَ يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ: «إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ، مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الكِتَابَ، لِاخْتِلاَفِهِمْ وَلَغَطِهِمْ»
قال ابن حجر: "قوله فخرج ابن عباس يقول ظاهره أن ابن عباس كان معهم وأنه في تلك الحالة خرج قائلا هذه المقالة، وليس الأمر في الواقع على ما يقتضيه هذا الظاهر؛ بل قول ابن عباس المذكور إنما كان يقوله عندما يُحدِّث بهذا الحديث؛ ففي رواية معمر عند المصنف في الاعتصام وغيره: قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول".
ثم قال: "ووجه رواية حديث الباب أن ابن عباس لما حدث عبيدَ الله بهذا الحديث خرج من المكان الذي كان به وهو يقول ذلك". انتهى
(يَقُولُ: «إِنَّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرَّزِيَّةِ)أي: المصيبة كل المصيبة (مَا حَالَ) أي: الذي حجز(بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ) أن يكتب لهم(كِتَابِهِ) وهو اختلافهم كما في رواية عند البخاري؛ قال ابن عباس: (لِاخْتِلاَفِهِمْ وَلَغَطِهِمْ)، أي أن الاختلاف كان سببا لترك كتابة الكتاب.قال ابن تيمية: قوله يَقْتَضِي أَنَّ هَذَا الْحَائِلَ كَانَ رَزِيَّةً، وَهُوَ رَزِيَّةٌ فِي حَقِّ مَنْ شَكَّفِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ، أَوِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ كِتَابٌ لَزَالَ هَذَا الشَّكُّ، فَأَمَّا مَنْ عَلِمَ أَنَّ خِلَافَتَهُ حَقٌّ فَلَا رَزِيَّةَ فِي حَقِّهِ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. انتهى
قال البيهقي: "وَإِنَّمَا قَصَدَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِمَا قَالَ التَّخْفِيفَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَآهُ، قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَلَوْ كَانَ مَا يُرِيدُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ شَيْئًا مَفْرُوضًا لَا يَسْتَغْنُونَ عَنْهُ؛ لَمْ يَتْرُكْهُ بِاخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ؛ لِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ {بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] كَمَا لَمْ يَتْرُكْ تَبْلِيغَ غَيْرِهِ بِمُخَالَفَةِ مَنْ خَالَفَهُ، وَمُعَادَاةِ مَنْ عَادَاهُ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ مَا حَكَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلَهُ، أَنْ يَكْتُبَ اسْتِخْلَافَ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ تَرَكَ كِتَابَتَهُ اعْتِمَادًا عَلَى مَا عَلِمَ مِنْ تَقْدِيرِ اللهِ تَعَالَى، ذَلِكَ كَمَا هَمَّ بِهِ فِي ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ حِينَ قَالَ: وَارَأْسَاهْ، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَكْتُبَ، وَقَالَ: يَأْبَى اللهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ نَبَّهَ أُمَّتَهُ عَلَى خِلَافَتِهِ، بِاسْتِخْلَافِهِ إِيَّاهُ فِي الصَّلَاةِ حِينَ عَجَزَ عَنْ حُضُورِهَا..." إلخ ولكلامه تتمة.
وقال ابن تيمية في منهاج السنة (6/ 315): إنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي مَرَضِهِ كَانَ مِنْ أَهْوَنِ الْأَشْيَاءِ وَأَبْيَنِهَا، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ لِعَائِشَةَ فِي مَرَضِهِ: " «ادْعِي لِي أَبَاكِ وَأَخَاكِ حَتَّى أَكْتُبَ لِأَبِي بَكْرٍ كِتَابًا لَا يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي ". ثُمَّ قَالَ: " يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ» "فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَمِيسِ هَمَّ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا، فَقَالَ عُمَرُ: " مَالَهُ أَهَجَرَ؟" فَشَكَّ عُمَرُ هَلْ هَذَا الْقَوْلُ مَنْ هُجْرِ الْحُمَّى أَوْ هُوَ مِمَّا يَقُولُ عَلَى عَادَتِهِ فَخَافَ عُمَرُ أَنَّ يَكُونَ مِنْ هُجْرِ الْحُمَّى، أَوْ هَذَا مِمَّا خَفِيَ عَلَى عُمَرَ كَمَا خَفِيَ عَلَيْهِ مَوْتُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَلْ أَنْكَرَهُ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ هَاتُوا كِتَابًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَأْتُوا بِكِتَابٍ. فَرَأَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنَّ الْكِتَابَ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَمْ يَبْقَ فِيهِ فَائِدَةٌ، لِأَنَّهُمْ يَشُكُّونَ: هَلْ أَمْلَاهُ مَعَ تَغَيُّرِهِ بِالْمَرَضِ؟ أَمْ مَعَ سَلَامَتِهِ مِنْ ذَلِكَ؟ فَلَا يَرْفَعُ النِّزَاعَ فَتَرَكَهُ.
وَلَمْ تَكُنْ كِتَابَةُ الْكِتَابِ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُبَهُ أَوْ يُبَلِّغَهُ فِي ذَلِكَالْوَقْتِ، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا تَرَكَ صلى الله عليه وسلم مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ، لَكِنَّ ذَلِكَ مِمَّا رَآهُ مَصْلَحَةً لِدَفْعِ النِّزَاعِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَرَأَى أَنَّ الْخِلَافَ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ. وَقَدْ سَأَلَ رَبَّهُ لِأُمَّتِهِ ثَلَاثًا، فَأَعْطَاهُ اثْنَتَيْنِ وَمَنَعَهُ وَاحِدَةً. سَأَلَهُ أَنْ لَا يُهْلِكَهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَسَأَلَهُ أَنْ لَا يُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، وَسَأَلَهُ أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَهُ إِيَّاهَا.
وَهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " الرَّزِيَّةُ كُلُّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ الْكِتَابَ ".
فَإِنَّهَا رَزِيَّةٌ، أَيْ مُصِيبَةٌ فِي حَقِّ الَّذِينَ شَكُّوا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه وَطَعَنُوا فِيهَا.
وَابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ ذَلِكَ لَمَّا ظَهَرَ أَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ وَنَحْوِهِمْ. وَإِلَّا فَابْنُ عَبَّاسٍ كَانَ يُفْتِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَبِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّىاللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَبِمَا أَفْتَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. وَهَذَا ثَابِتٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَمَنْ عَرَفَ حَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ يُفَضِّلُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ عَلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه.
ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ كِتَابَةَ الْكِتَابِ بِاخْتِيَارِهِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ نِزَاعٌ، وَلَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى إِرَادَةِ الْكِتَابِ مَا قَدِرَ أَحَدٌ أَنْ يَمْنَعَهُ.
وَمِثْلُ هَذَا النِّزَاعِ قَدْ كَانَ يَقَعُ فِي صِحَّتِهِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ. وَالَّذِي وَقَعَ بَيْنَ أَهْلِ قُبَاءَ وَغَيْرِهِمْ كَانَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا بِكَثِيرٍ، حَتَّى أُنْزِلَ فِيهِ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا}، لَكِنْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ.
وَمِنْ جَهْلِ الرَّافِضَةِ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ كَانَ كِتَابُهُ بِخِلَافَةِ عَلِيٍّ، وَهَذَا لَيْسَ فِي الْقِصَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ. وَلَا [فِي]شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ أَنَّهُ جَعَلَ عَلِيًّا خَلِيفَةً. كَمَا فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ. ثُمَّ يَدَّعُونَ مَعَ هَذَا أَنَّهُ كَانَ قَدْ نَصَّ عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ نَصًّا جَلِيًّا قَاطِعًا لِلْعُذْرِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ أَغْنَى عَنِ الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَ الَّذِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ لَا يُطِيعُونَهُ فَهُمْ أَيْضًا لَا يُطِيعُونَ الْكِتَابَ، فَأَيُّ فَائِدَةٍ لَهُمْ فِي الْكِتَابِ لَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا".
وقال في موضع آخر من الكتاب: وَمَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ كَانَ بِخِلَافَةِ عَلِيٍّ فَهُوَ ضَالٌّ بِاتِّفَاقِ عَامَّةِ النَّاسِ، عُلَمَاءِ السُّنَّةِ وَالشِّيعَةِ، أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَمُتَّفِقُونَ عَلَى تَفْضِيلِ أَبِي بَكْرٍ وَتَقْدِيمِهِ. وَأَمَّا الشِّيعَةُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِلْإِمَامَةِ، فَيَقُولُونَ: إِنَّهُ قَدْ نَصَّ عَلَى إِمَامَتِهِ قَبْلَ ذَلِكَ نَصًّا جَلِيًّا ظَاهِرًا مَعْرُوفًا، وَحِينَئِذٍ فَلَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ إِلَى كِتَابٍ. انتهى
في الحديث دليل على جواز كتابة العلم كما هو ظاهر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم هم بكتابة الكتاب ولا يهم إلا بحق.
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم