شرح صحيح البخاري ح176

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى


  • باب مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَاّ ‌مِنَ ‌الْمَخْرَجَيْنِ مِنَ الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ لقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}

    وَقَالَ عَطَاءٌ فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ: يُعِيدُ الْوُضُوءَ.

    وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: إِذَا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ وَأَظْفَارِهِ أَوْ خَلَعَ خُفَّيْهِ فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: لَا وُضُوءَ إِلَاّ مِنْ حَدَثٍ. وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَرُمِيَ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَنَزَفَهُ الدَّمُ فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَعَطَاءٌ وَأَهْلُ الْحِجَازِ: لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ. وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.

    وَبَزَعقَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى دَمًا فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ فِيمَنْ يَحْتَجِمُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَاّ غَسْلُ مَحَاجِمِهِ.

    هذا (بابُ مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ) واجبًا (إِلَاّ ‌مِنَ ‌الْمَخْرَجَيْنِ: مِنَ الْقُبُلِ} مخرج البول المعتاد، ويشمل: ذَكرَ الرجل وفرجَ المرأة (وَالدُّبُرِ) مخرج الغائط المعتاد.

    بعض أهل العلم قال مراد البخاري أنه لا ينقض شيءٌ الوضوءَ إلا الخارج من السبيلين.

    وآخرون قالوا ليس هذا مراده؛ لأنه ثابت نقضُ الوضوء بغير ذلك، وأولوا كلامه على معنى: من لم ير الْوضُوء من مخرج من مخارج الْبدن إلَاّ من هذَيْن المخرجين.

    وقالوا: رَدٌّ لمن رأى أَن الْخَارِج من الْبدن بالفصد مثلا نَاقض للوضُوء، فَكَأَنَّهُ قَالَ: منلميرالْوضُوءإلَاّ من المخرجين لَا من مخرج آخر كالفصد والحجامة والقيء. انتهى

    على كل القول بالحصر مطلقا غير صحيح؛ لثبوت نواقضَ للوضوء غيرَ الخارج من السبيلين، ومنها ما نقلوا الإجماع عليه، وأما الحصر بالمخرجين من مخارج البدن فنعم.

    (وقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ})، وآخر الآية: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}.

    أي فأحدث بخروج الخارج من أحد السبيلين القبل والدبر، فهو مأمور بالطهارة بعد قضاء الحاجة.

    الغائط: المكان المطمئن المنخفض من الأرض، وعبر به عن الخارج المستقذر وهو البول والغائط. وقد تقدم هذا.

    يقال: "جاء فلان من الغائط"، يعني به: قضى حاجته التي كانت تقضى في الغائط من الأرض.

    وبعض أهل العلم قال البول غير داخل في هذه الآية؛ لأن العرب لم تكن تستتر من البول كما كانت تستتر في الحاجة الأخرى.

    ولا تكني عنه كما تكني عن غيره، فلم تنطلق التسمية عليه.

    ولأنه قال عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث: " ولكن من غائط وبول ونوم" ففَصَل بين الغائط والبول، فدل على اختصاص كل واحد منهما باسمه.

    وأدخل بعضهم الريح فيها أيضاً

    وعلى كل دلت الأدلة من السنة والإجماع على أن البول والريح ناقضان للوضوء.

    قال ابن المنذر: "وَأَجْمَعَوا عَلَى أَنَّ خُرُوجَ الْغَائِطِ مِنَ الدُّبُرِ، وخروج البول من الذكر، وخروج الريح من الدبر؛ أحداث ينقض كل واحد منها الطهارة، يوجب الوضوء ". انتهى باختصار.

    ونقل ابن حزم الاتفاق أيضا على البول والريح في مراتب الإجماع.

    وقال في المحلى: "وَأَمَّا الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ فَإِجْمَاعٌ مُتَيَقَّنٌ".

    قال الشراح: لكن ليس في هذه الآية ما يدل على الحصر الذي ذكره المؤلف، غاية ما فيها أن الله تعالى أخبر أن الوضوء أو التيمم عند فقد الماء يجب بالخارج من السبيلين، وبملامسة النساء. انتهى

    (وَقَالَ عَطَاءٌ) أي ابن أبي رباح، وصله ابن أبي شيبة في مصنفه وغيره بإسناد صحيح (فِيمَنْ يَخْرُجُ مِنْ دُبُرِهِ الدُّودُ، أَوْ مِنْ ذَكَرِهِ نَحْوُ الْقَمْلَةِ) وغيرُ ذلك من النادر. قال: (يُعِيدُ الْوُضُوءَ).

    الخارج من القبل والدبر منه المعتاد وهو البول والبراز والريح والمذِي والودْي، وهذا ناقض للوضوء إذا خرج على وجه الصحة من غير مرض.

    وهذه نقلوا الإجماع على أنها تنقض الوضوء سوى الودْي.

    ومنه غير معتاد كالدم والحصاة والدود، وهذا فيه خلاف، وسبب الخلاف اختلافهم في صحة بعض الأحاديث وفي دلالتها على ذلك وفي صحة القياس على المنصوص.

    فذهب الجمهور إلى أن النادر ينقض الوضوء، نقلوا ذلك بعض التابعين وأتباع التابعين، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد.

    وقال قتادة ومالك: لا وضوء فيه، وروي ذلك عن النخعي.

    قال مالك لا وضوء في الدم يخرج من الدبر، ونقل الشافعية عن مالك أن النادر لا ينقض، والنادر عنده كالمذي يدوم لا بشهوة؛ فإن كان بشهوة فليس بنادر.

    وقال داود الظاهري: لا ينقض النادر وإن دام إلا المذي للحديث.

    قال ابن بطال: "أما المخرجان فعند أبى حنيفة والشافعي: أن كلَّ ما يخرج منهما حدث ينقض الوضوء، نادرًا أو معتادًا، وعند مالك أن ما يخرج من المخرجين معتادًا أنه ينقض الوضوء، وما خرج نادرًا على وجه المرض لا ينقض الوضوء، كالاستحاضة، وسلس البول، والمذي، والحجر، والدود، والدم". انتهى

    وقال: وقول عطاء: "فيمن خرج من دبره الدودُ، ومِن ذَكَره نحوُ القملة، يعيد الوضوء"، فهو مذهب أبى حنيفة والشافعي، فأما مالك فلا يوجب في شيء من ذلك وضوءًا إلا أن يخرج معهما شيء من حدث". انتهى

    والراجح في هذه المسألة مذهب مالك: أن غير المعتاد غير ناقض للوضوء، فهو غير داخل في الأدلة الواردة في نواقض الوضوء. والله أعلم

    والتفصيل في المطولات.

    (وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله عنه (إذا ضَحِكَ) فظهر منه حرفان أو حرف مفهم (فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ، وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة وأبو يعلى في مسنده والبيهقي وغيرهم بإسناد صحيح عنه.

    وهو في مسند الحارث بلفظ: «مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ وضُوءٌ».

    وأخرجه الدارقطني في سننه: عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَتَوَضَّأْ ثُمَّ لِيُعِدِ الصَّلَاةَ».

    قَالَ لَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّيْسَابُورِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ لَا يَصِحُّ، وَالصَّحِيحُ عَنْ جَابِرٍ خِلَافُهُ.

    قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ: يَزِيدُ بْنُ سِنَانٍ ضَعِيفٌ، وَيُكَنَّى بِأَبِي فَرْوَةَ الرَّهَاوِيِّ، وَابْنُهُ ضَعِيفٌ أَيْضًا، وَقَدْ وَهَمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي مَوْضِعَيْنِ:

    أَحَدُهُمَا: فِي رَفْعِهِ إِيَّاهُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

    وَالْآخَرُ: فِي لَفْظِهِ.

    وَالصَّحِيحُ عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ مِنْ قَوْلِهِ: "مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدِ الْوُضُوءَ".

    وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ جَمَاعَةٌ مِنَ الرُّفَعَاءِ الثِّقَاتُ، مِنْهُمْ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ، وَوَكِيعٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْمُقَدَّمِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.

    وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعْبَةُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ.

    ‌‌قال ابن المنذر: "ذِكْرُ الْوُضُوءِ مِنَالضَّحِكِفِيالصَّلَاةِ.

    أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّالضَّحِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لَا يَنْقُضُ طَهَارَةً وَلَا يُوجِبُ وُضُوءًا.

    وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّالضَّحِكَفِيالصَّلَاةِ يَنْقُضُ الصَّلَاةَ.

    وَاخْتَلَفُوا فِي نَقْضِ الطَّهَارَةِ مِنْ ضَحِكٍفِيالصَّلَاةِ فَأَوْجَبَتْ طَائِفَةٌ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ، وَمِمَّنْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَاحْتَجَّ مُحْتَجٌّ بِحَدِيثٍ مُنْقَطِعٍ لَا يَثْبُتُ".

    فذكر بإسناده عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، أَنَّ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ جَاءَ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَتَرَدَّى فِي حُفْرَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَضَحِكَ طَوَائِفُ مِنَ الْقَوْمِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَنْ ضَحِكَ أَنْ يُعِيدَ الْوُضُوءَ وَيُعِيدَ الصَّلَاةَ.

    وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَيْسَ عَلَى مَنْ ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ وُضُوءٌ، رُوِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالزُّهْرِيِّ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ.

     وَرُوِي ذَلِكَ عَنْ مَكْحُولٍ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ، وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يَقُولُ كَقَوْلِهِمْ ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ كَمَا قَالَ الثَّوْرِيُّ".

    ثم أخرج أثر جابر الذي ذكره البخاري، وأخرج عَنْ حُمَيْدِ بْنِ هِلَالٍ، قَالَ: صَلَّى أَبُو مُوسَى بِأَصْحَابِهِ فَزَادَ شَيْئًا فَضَحِكُوا مِنْهُ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى حَيْثُ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ: مَنْ كَانَ ضَحِكَ مِنْهُمْ فَلْيُعِدِ الصَّلَاةَ.

    قَالَ ابن المنذر: إِذَا تَطَهَّرَ الْمَرْءُ فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ وَلَا يَجُوزُ نَقْضُ طَهَارَةٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهَا إِلَّا بِسُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ وَلَا حُجَّةَ مَعَ مَنْ نَقَضَ طَهَارَتَهُ لَمَّا ضَحِكَ فِي الصَّلَاةِ، وَحَدِيثُ أَبِي الْعَالِيَةِ مُرْسَلٌ، وَالْمُرْسَلُ مِنَ الْحَدِيثِ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ". انتهى

    ثم ناقش المخالفين بكلام طيب يرجع إليه في الأوسط (1/ 332- الفلاح).

    والقول الحق أن الضحك لا ينقض الوضوء لا داخل الصلاة ولا خارجها لعدم الدليل. والله أعلم

    (وَقَالَ الْحَسَنُ) البصري (: إِنْ أَخَذَ مِنْ شَعَرِهِ) أي شعر رأسه أو شاربه (و) مِن (أظفَارِهِ، أو خَلعَ خُفّيهِ) أو أحدهما بعد المسح عليهما (فَلَا وُضُوءَ عَلَيْهِ).

    وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عَنِ الْحَسَنِ البصري، ولفظه: "عن الحسن فِي الرَّجُلِ يَأْخُذُ مِنْ شِعْرِهِ وَمِنْ أَظْفَارِهِ بَعْدَمَا يَتَوَضَّأُ، قَالَ: «لَا شَيْءَ عَلَيْهِ». انتهى، وأخرجه سعيد بن منصور كما في تغليق التعليق.

    وأخرج ابن أبي شيبة في موضع آخر: بإسناد صحيح عنالحسن أنه كان يقول: إذامسحعلىخفيهبعدالحدث، ثم خلعهما: أنه على طهارة؛ فليصل".

    وأخرج عَنْ كَثِيرِ بْنِ شِنْظِيرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ، وَعَطَاءً، عَنْ رَجُلٍ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ثُمَّ خَلَعَهُمَا، قَالَا: «يُصَلِّي، وَلَا يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ».

    قال ابن المنذر: ذِكْرُ الْوُضُوءِ مِنْ قَصِّ الْأَظْفَارِ وَأَخْذِ الشَّارِبِ وَالشَّعْرِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ أَخَذَ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ، هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَالْحَكَمِ وَالزُّهْرِيِّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ، وَالنُّعْمَانُ وَأَصْحَابُهُ. وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْيَوْمَ وُضُوءًا.

    وَقَدْ ذَكَرْتُ فِيمَا مَضَى أَنَّ مَنْ تَطَهَّرَ فَهُوَ عَلَى طَهَارَتِهِ إِلَّا أَنْ يُحْدِثَ حَدَثًا يَدُلُّ عَلَى انْتِقَاضِ طَهَارَتِهِ كِتَابٌ أَوْ سَنَةٌ أَوْ إِجْمَاعٌ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ أَمَرَ بِالْوُضُوءِ مِنْ ذَلِكَ حُجَّةٌ؛ بَلِ الْأَخْبَارُ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ أَخْذَ الشَّارِبِ وَالْأَظْفَارِ مِنَ الْفِطْرَةِ، وَأَنَّهُ أَمَرَ بِقَصِّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءِ اللِّحْيَةِ".

    وقال: وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: قَصُّ الشَّارِبِ مِنَ الدِّينِ. وَرُوِّينَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَلَّمَ أَظْفَارَهُ، فَقِيلَ لَهُ أَلَا تَتَوَضَّأُ، قَالَ: وَمِمَّ أَتَوَضَّأُ لَأَنْتَ أَكْيَسُ مِنَ الَّذِي سَمَّتْهُ أُمُّهُ كَيْسَانَ.

     وَقَالَ طَائِفَةٌ: مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ، أَوْ جَذَّ شَارِبَهُ تَوَضَّأَ.

    رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ.

    وَقَالَ: آخَرُونَ يَمَسُّهُ الْمَاءُ. كَذَلِكَ قَالَ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ". انتهى

    وأما من خلع نعليه بعد المسح عليهما ففيه أربعة أقوال:

    أحدها: استئناف الوضوء من أوله، وبه قَالَ مكحول وابن أبي ليلى والزهري والأوزاعي وأحمد وإسحاق والشافعي في القديم.

    ثانيها: يغسل رجليه مكانه، فإن لم يفعل استأنف الوضوء. وبه قَالَ مالك والليث.

    ثالثها: يغسلهما إذا أراد الوضوء. وبه قَالَ الثوري وأبو حنيفة والشافعي في الجديد والمزني وأبو ثور.

    رابعها: لا شيء عليه يصلي كما هو. وهو قول الحسن وقتادة وابن أبي ليلى، وروي مثله عن النخعي.

    وحكاه ابن المنذر عنسليمان بن حرب، واختاره ابن المنذر وهو الصحيح؛ لأن وُضُوءَه صحيح، فلا يبطل بلا حدث.

    ونزع الخف ليس بحدث؛ فلا يؤثر في الطهارة بعد صحتها؛ كما لو مسح رأسه ثم حلقه.

    قال ابن عبد البر: واختُلِفَ فيمن نزعَخُفَّيهِ وقد مسحَ عليهما، فقال أبو حَنِيفةَ، والشّافعيُّ، وأصحابهما: إذا كان ذلكَ، غسلَ قَدَميهِ.

    وقال مالكٌ واللَّيثُ، مثل ذلكَ، إلّا أنَّهما قالا: إن غَسَلهما مكانَهُ أجزأه، وإن أخَّرَ غَسْلهما، استأنفَ الوضُوءَ.

    وقالالحسنُ بن حَيٍّ: إذا خلَعَخُفَّيهِ، أعادَ الوضُوءَ من أوَّلهِ. ولم يُفرِّق بين تراخي الغَسْلِ وغيره.

    وقال ابن أبي ليلى: إذا نزعَخُفَّيهِ بعد المسح، صلَّى كما هو، وليسَ عليه غَسْلُ رِجْليهِ، ولا استئنافُ الوضُوءِ. ورُوِيَ عنه: أنَّه يغسلُ رِجْليهِ خاصَّةً.

    وعن إبراهيمَ النَّخعيِّ في ذلك ثلاثُ رواياتٍ، إحداها: أنَّهُلاشيءَعليه، مثلُ قول ابن أبي ليلى، والحسنِ البصريِّ. والثّانيةُ: أنَّهُ يُعيدُ الوضُوءَ، والثّالثةُ: أنَّهُ يغسلُ قَدَميهِ.

    وقال: فوجه قول ابن أَبِي لَيْلَى وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ: أَنَّ نَزْعَ الْخُفِّ لَيْسَ بِحَدَثٍ، وَقَدْ كَانَ عَلَى طَهَارَةٍ تَجِبُ لَهُ الصَّلَاةُ بِهَا، ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَلَا يُزِيلُ اخْتِلَافَهُمْ طَهَارَتَهُ وَشَبَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِالْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ ثُمَّ حَلْقِهِ

    وَمَنْ قَالَ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ حُجَّتُهُ أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلْمَسْحِ مَغِيبُ الْقَدَمَيْنِ فِي الْخُفَّيْنِ فَإِذَا ظَهَرَتَا عَادَ الْحُكْمُ إِلَى أَصْلِهِ فَوَجَبَ غَسْلُهُ

    وَمَنْ قَالَ بِغَسْلِهِمَا مَكَانَهُ وَابْتَدَأَ الْوُضُوءَ رَاعَى تَبْعِيضَ الْوُضُوءِ، وَهَذَا الْمَعْنَى رَاعَى مَنْ رَأَى اسْتِئْنَافَ الْوُضُوءِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ". انتهى

     أي يشير هنا إلى وجوب الموالاة في الوضوء، من رأى وجوب الموالاة قال يعيد، ومن لم ير وجوب الموالاة قال يغسل قدميه فقط. والله أعلم

    (وقالَ أبو هريرةَ) رضي الله عنه (لَا وُضُوءَ إِلَاّ مِنْ حَدَثٍ)

    قال ابن حجر: "وَصَلَهُ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْهُ مَوْقُوفًا، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ، عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا، وَزَادَ أَوْ رِيحٍ". انتهى

    والحدث هو: الناقض للطهارة، وهذا متفق عليه، والمراد: لا وضوء واجب، وإلا فالوضوء يشرع من غير حدث.

    (وَيُذْكَرُ) تعليق بصيغة التمريض (عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ) قال ابن القيم في الزاد: ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه غزوةَ ذاتِ الرقاع، وهي غزوة نجد، فخرج في جمادى الأولى من السنة الرابعة ــ وقيل: في المحرم ــ يريد مُحاربَ وبني ثعلبةَ بنِ سعد بن غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاري ــ وقيل: عثمانَ بن عفان ــ، وخرج في أربعِمِائة من أصحابه ــ وقيل: سبعِمِائة ــ، فلقي جمعًا من غطفان، فتواقفوا ولم يكن بينهم قتال..". ثم ذكر صلاة الخوف.

    وسيأتي ذكرها في موضعها إن شاء الله (فَرُمِيَ رَجُلٌ) ذكر في رواية ضعيفة أنه عباد بن بشر (بِسَهْمٍ، فَنَزَفَهُ الدَّمُ) أي خرج منه دم كثير (فَرَكَعَ وَسَجَدَ وَمَضَى فِي صَلَاتِهِ) فلم يقطعها لاشتغاله بها عن مرارة ألم الجرح.

    قال الحافظ: "وأراد المصنف بهذا الحديث الرد على الحنفية في أن الدم السائل ينقض الوضوء".

    الحديث أخرجه ابن المبارك في الجهاد، ومن طريقه أحمد في مسنده، وأخرجه وأبو داود، وأصحاب الصحاح: ابنُ خزيمة وابن حبان والحاكم وغيرهم:

    عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قال: حَدَّثَنِي صَدَقَةُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ عَقِيلِ بْنِجَابِرٍ، عَنْجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَزْوَةِذَاتِالرِّقَاعِ، فَأُصِيبَتْ امْرَأَةٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَافِلًا، وَجَاءَ زَوْجُهَا وَكَانَ غَائِبًا، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَنْتَهِيَ حَتَّى يُهَرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَنْزِلًا فَقَالَ: " مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟ " فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: " فَكُونُوا بِفَمِ الشِّعْبِ " قَالَ: وَكَانُوا نَزَلُوا إِلَى شِعْبٍ مِنَ الْوَادِي.

    فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إِلَى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيَكَهُ، أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟ قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ. فَاضْطَجَعَ الْمُهَاجِرِيُّ، فَنَامَ، وَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ يُصَلِّي، وَأَتَى الرَّجُلُ، فَلَمَّا رَأَى شَخْصَ الرَّجُلِ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ الْقَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ رَمَاهُ بِسَهْمٍ آخَرَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ. فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ وَثَبَتَ قَائِمًا، ثُمَّ عَادَ لَهُ بِثَالِثٍ، فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَنَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمَّ أَهَبَّ صَاحِبَهُ، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَدْ أُتِيتَ. فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذَرُوا بِهِ، فَهَرَبَ، فَلَمَّا رَأَى الْمُهَاجِرِيُّ مَا بِالْأَنْصَارِيِّ مِنَ الدِّمَاءِ، قَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، أَلَا أَنْبَهْتَنِي. قَالَ: كُنْتُ فِي سُورَةٍ أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ الرَّمْيَ رَكَعْتُ فَأَرَيْتُكَ، وَايْمُ اللهِ، لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِحِفْظِهِ، لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا.

    الحديث ضعيف، في سنده عَقيلُ بن جابر بن عبد الله الأنصاري المدني، روى عنه صدقة بن يسار، وذكره ابن حبان في الثقات، ولم يُوثَّق، قال أبو حاتم الرازي: لا أعرفه. قال الذهبي: فيه جهالة، ما روى عنه غير صدقة بن يسار". انتهى فهو مجهول، وقد تفرد بالحديث.

    قال الحافظ: "وَعقيل بن جَابر لم يرو عَنهُ سوى صَدَقَة، وَذكره ابْن حبَان فِي الثِّقَات على عَادَته فِيمَن لم يجرح وروى عَنهُ ثِقَة.

    وَتَعْلِيق أبي عبد الله لَهُ بِصِيغَة التمريض إما لكَونه اخْتَصَرَهُ، وَإما للِاخْتِلَاف فِي ابْن إِسْحَاق، وَمَا انضاف إِلَيْهِ من عدم الْعلم بعدالة عَقيل. وَالله أعلم". انتهى

    وما ذكره في التهذيب من رواية جابر البياضي عنه، فالظاهر أن المقصود أبو جابر البياضي، قال مالك فيه: كنا نتهمه بالكذب". فلا عبرة بروايته.

    وقال في التقريب: " مقبول" أي إذا توبع وإلا فلا.

    ويُذكر عن الدارقطني أنه قال إسناده صالح. كما في التنقيح. وهذا القول لا يلزم منه التقوية عند الأئمة الحفاظ دائماً فلها عندهم استعمالات. وقد أطلقها الدارقطني على إسناد بين الضعف. والله أعلم

    من هذا يتبين لنا أنه مجهول، وأن الذين صححوا حديثه كابن خزيمة وابن حبان والحاكم هم المتساهلون الذين يصححون للمجاهيل عادة فهم وإن كثروا بما أن منهجهم واحد فلا يصير المجهول ثقة بتصحيحهم؛ لأنهم لم يصححوا له لأنهم عرفوا ثقته، بل لأنهم يوثقون من لم يجرح من الرواة.

    وللحديث شاهد عند الواقدي في المغازي، والبيهقي في الدلائل، من حديث خَوَّاتِ بنِ جُبَيْرٍ، وهو شديد الضعف، فيه الواقدي وهو متروك، وشيخه ضعيف.

    قال الخَطَّابيُّ: "وقد يَحتجُّ بهذا الحديثِ مَن لا يَرى خروج الدم وسيلانه من غير السبيلين ناقضًا للطهارة، ويقول: لو كان ناقضًا للطهارة، لكانت صلاة الأنصاري تَفسدُ بسيلانِ الدمِ أول ما أصابته الرمية، ولم يكن يجوز له بعد ذلك أن يركع ويسجد وهو مُحْدِث". انتهى

    قال ابن حجر: "وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ يَرَى أَنَّ خُرُوجَ الدَّمَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ ذَكَرَ عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَثَرَ الْحَسَنِ وَهُوَ الْبَصْرِيُّ، قال: مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ، وَقَدْ صَحَّ أَنَّ عُمَرَ صَلَّى وَجُرْحُهُ يَنْبُعُ دَمًا". انتهى

    (وَقَالَ الْحَسَنُ) البصري: (مَا زَالَ الْمُسْلِمُونَ يُصَلُّونَ فِي جِرَاحَاتِهِمْ)

    لم أقف عليه موصولا، ولم يخرجه الحافظ.

    قال الإثيوبي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: "وصله سعيد بن منصور بإسناد صحيح". فالله أعلم

    (وَقَالَ طَاوُسٌ) بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحِميري مولاهم، الفارسي، تابعي ثقة فقيه عابد فاضل، روى عن العبادلة الأربعة، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير. مات سنة ست ومائة، وقيل غير ذلك، روى له الجماعة.

    قال ابن حبان: "كَانَ من عباد أهل الْيمن وَمن فقهائهم وَمن سَادَات التَّابِعين.

    رَوَى عَنْهُ عَمْرو بْن دِينَار وَالنَّاسُ.

    مرض بمنى، مَاتَ بِمَكَّة سنة إِحْدَى وَمِائَة، قبل التَّرويَة بِيَوْم، قبل مُجَاهِد بِسنتَيْنِ، وَصلى عَلَيْهِ هِشَام بْن عَبْد الْملك بَين الرُّكْن وَالْمقَام، وَقد قِيلَ إِنَّه مَاتَ سنة سِتّ وَمِائَة.

    وَكَانَطَاوس قد حج أَرْبَعِينَ حجَّة، وَكَانَ مستجاب الدعْوَة فِيمَا قيل". انتهى

    قال عَبْد الرَّحْمَن بن زَيْد بن أَسْلَم: لَمَّا مَاتَالْعَبَادِلَةُ - عَبْد اللَّهِ بْنُ العَبَّاس، وعَبْد اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْر، وعَبْد اللَّهِ بْن عُمر، وعَبْد اللَّه بْن عَمْرو: صَارَ الْفِقْهُ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ إِلَى الْمَوَالِي، فَصَارَ فَقِيهَ أَهْلِ مَكَّة: عَطَاء بْنُ أَبِي رَبَاح، وفقيه أهل اليمن: ‌طاووس، وفقيه أَهْلِ الْيَمَامَةِ: يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، وَفَقِيهَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: الْحَسَنُ، وَفَقِيهَ أَهْلِ الْكُوفَةِ: إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ، وَفَقِيهَ أَهْلِ الشَّامِ: مَكْحُولٌ، وَفَقِيهَ أَهْلِ خُرَاسَان: عَطَاء الخُرَاسَاني، إِلا الْمَدِيْنَة فإنَّ اللَّهَ خصَّها بقرشيٍّ فَكَانَ فَقِيهَ أَهْلِ الْمَدِيْنَة غَيْرَ مدافعٍ: سعيدُ بْنُ الْمُسَيِّب". انتهى

    (وَ) قال (مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ) هو محمد بنُ علي بنِ الحسين بنِ علي بن أبي طالب الهاشمي المدني، أبو جعفر الباقر.

    تابعي، ثقة فقيه فاضل. مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمائَةٍ بِالمَدِيْنَةِ، وقيل غير ذلك، روى له الجماعة.

    وَهُوَ أَحَدُ الأَئِمَّةِ الاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِيْنَ تُبَجِّلُهُمُ الشِّيْعَةُ الإِمَامِيَّةُ، وَتَقُوْلُ بِعِصْمَتِهِمْ وَبِمَعْرِفَتِهِمْ بِجَمِيْعِ الدِّيْنِ، بل أحدُ من يعبدهم الرافضة اليوم مع الله.

    وهو بريء من كل هذا.

    قال الذهبي: وَلَيْسَ هُوَ بِالمُكْثِرِ، وَهُوَ فِي الرِّوَايَة كَأَبِيْهِ وَابْنِهِ جَعْفَرٍ، ثَلَاثتُهُمْ لَا يَبْلُغُ حَدِيْثُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم جُزْءاً ضَخْماً، وَلَكِنْ لَهُم مَسَائِلُ وَفَتَاوٍ".

    وقال: وَكَانَ أَحَدَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ، وَالسُّؤْدُدِ وَالشَّرَفِ، وَالثِّقَةِ وَالرَّزَانَةِ، وَكَانَ أَهْلاً لِلْخِلَافَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الأَئِمَّةِ الاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِيْنَ تُبَجِّلُهُمُ الشِّيْعَةُ الإِمَامِيَّةُ، وَتَقُوْلُ بِعِصْمَتِهِمْ وَبِمَعْرِفَتِهِمْ بِجَمِيْعِ الدِّيْنِ.

    فَلَا عِصْمَةَ إِلَاّ لِلْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّيْنَ، وَكلُّ أَحَدٍ يُصِيْبُ وَيُخْطِئُ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ، سِوَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَإِنَّهُ مَعْصُوْمٌ، مُؤَيَّدٌ بِالوَحْيِ.

    وَشُهِرَ أَبُو جَعْفَرٍ: بِالبَاقِرِ، مِنْ: بَقَرَ العِلْمَ، أَيْ: شَقَّهُ، فَعَرَفَ أَصْلَهُ وَخَفِيَّهُ.

    وَلَقَدْ كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ إِمَاماً مُجْتَهِداً، تَالِياً لِكِتَابِ اللهِ، كَبِيْرَ الشَّأْنِ، وَلَكِنْ لَا يَبْلُغُ فِي القُرْآنِ دَرَجَةَ ابْنِ كَثِيْرٍ وَنَحْوِهُ، وَلَا فِي الفِقْهِ دَرَجَةَ أَبِي الزِّنَادِ وَرَبِيْعَةَ، وَلَا فِي الحِفْظِ وَمَعْرِفَةِ السُّنَنِ دَرَجَةَ قَتَادَةَ وَابْنِ شِهَابٍ، فَلَا نُحَابِيْهِ وَلَا نَحِيْفُ عَلَيْهِ، وَنُحِبُّهُ فِي اللهِ؛ لِمَا تَجَمَّعَ فِيْهِ مِنْ صِفَاتِ الكَمَالِ".

    وقال: "وَقَدْ عَدَّهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ فِي فُقَهَاءِ التَّابِعِيْنَ بِالمَدِيْنَةِ، وَاتَّفَقَ الحُفَّاظُ عَلَى الاحْتِجَاجِ بِأَبِي جَعْفَرٍ". انتهى

    وذكر من توليه لأبي بكر وعمر وثنائه على الصحابة ما هو حجة على الرافضة.

    (وَ) قال (عطاءٌ) أي ابن أبي رباح (وَ) قال (أهلُ الحجازِ) كسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والفقهاءِ السبعة ومالكٍ والشافعي وغيرِهم: وهو من باب عطف العام على الخاص؛ لأن الثلاثة الذين ذكرهم: طاوس ومحمد بن علي وعطاء؛ حجازيون، والآثار عنهم في مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة والسنن الكبرى للبيهقي، وغيرها، كلهم قالوا: (لَيْسَ فِي الدَّمِ وُضُوءٌ) سواء سال أو لم يسل.

    خبر طاوس وصله ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد اللَّه بن موسى عن حنظلة عنطاوس: أنه كان لا يرى فيالدم السائل وضوءا؛ يَغسلُ عنهالدمَ، ثم حَسبه. انتهى

    وحنظلة هو ابن أبي سفيان الجمحي، ثقة سمع من طاوس فالإسناد صحيح.

    وخبر أبي جعفر الباقر قال الحافظ ابن حجر: رُوِّينَاهُ مَوْصُولًا فِي فَوَائِدِ الْحَافِظِ أَبِي بِشْرٍ الْمَعْرُوفُ بِسَمُّويَهْ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ، قال: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ الْبَاقِرَ عَنِ الرُّعَافِ، فَقَالَ: "لَوْ سَالَ نَهَرٌ مِنْ دَمٍ مَا أَعَدْتُ مِنْهُ الْوُضُوءَ".

    وقال في التغليق: فَقَالَ سمويه فِي فَوَائده ثَنَا أَبُو جَعْفَر النُّفَيْلِي ثَنَا خطاب بن الْقَاسِم عَن الْأَعْمَش". فذكره.

    وخبر عطاء وصله عبيد الله العيشي، ومن طريقه وصله الحافظ ابن حجر في التغليق.

    قال البغوي: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ الْعَيْشِيُّ إِمْلاءً مِنْ كِتَابِهِ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ أَنا حَمَّادٌ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ "أَنَّ عَطَاءً كَانَ لَا يري فِي الرعاف وضُوءًا".

    وَبِه إِلَى حَمَّاد عَن حبيب الْمعلم عَن عَطاء مثل ذَلِك. انتهى من تغليق التعليق.

    والكثير من الروايات عن عطاء فيها التفريق بين ما سال منه ففيه الوضوء وما لم يسل فلا وضوء فيه، انظروها في المصنف لعبد الرزاق.

    وهذا روي عن غير واحد من السلف أيضاً، وهو مذهب أبي حنيفة.

    (وَعَصَرَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (بَثْرَةً) خُرّاجًا صغيرًا في وجهه (فَخَرَجَ مِنْهَا الدَّمُ) فحكه بين أصبعيه وصلى (وَلَمْ يَتَوَضَّأْ) وهذا الأثر وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو بكر بن الأثرم في سننه والبيهقي بإسناد صحيح، عن بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ قال: رَأَيْتُابْنَعُمَرَ عَصَرَبَثْرَةً فِي وَجْهِهِ فَخَرَجَ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ فَحَكَّهُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.

    (وَبَزَقَ) بالزاي، والسين والصاد بمعنى واحد، وهو إخراج ماءِ الفم، قال الجوهري: التفل شبيه بالبزق وهو أقل منه، -يعني التفل أقل من البزق-، وقال: أوله البزق ثم التفل ثم النفث ثم النفخ (ابْنُ أَبِي أَوْفَى) هو عبد الله بن علقمة بن خالد بن الحارث الأسلمي، عبد الله بن أبي أوفى، صحابي ابن صحابي، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة سنة سبع وثمانين. روى له الجماعة، بزق (دَمًا) وهو يصلي (فَمَضَى فِي صَلَاتِهِ) ولم يتوضأ كما في رواية.

    والأثر وصله سفيان الثوري في جامعه والسري بن يحيى، وعبد الرزاق في مصنفه وابن أبي شيبة في مصنفه وأبو بكر بن الأثرم وابن المنذر عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، قَالَ: رَأَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَأَبِيأَوْفَى‌‌بَزَقَدَمًا ثُمَّ لَمْ يَتَوَضَّأْ.

    وفي رواية: "فمضى في صلاته".

    وإسناده صحيح؛ فعطاء ثقة إلا أنه اختلط، ومن الرواة عنه سفيان الثوري وابن عيينة، وهما سمعا منه قبل اختلاطه.

    (وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنهما (وَالْحَسَنُ) البصري (فِيمَنْ يَحْتَجِمُ) أي فيمن احتجم (لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَاّ غَسْلُ مَحَاجِمِهِ) لا الوضوء.

    والمحاجم: موضعُ الحجامة.

    قال ابن حجر: "(تَنْبِيهٌ): وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَسْلُ مَحَاجِمِهِ بِإِسْقَاطِ أَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: ثَبَتَتْ إِلَّا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي دُونَ رَفِيقَيْهِ، انْتَهَى.

    وَهِيَ فِي نُسْخَتِي ثَابِتَةٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ الثَّلَاثَةِ، وَتَخْرِيجُ التَّعْلِيقِ الْمَذْكُورِ يُؤَيِّدُ ثُبُوتَهَا، وَقَدْ حَكَى عَنِ اللَّيْثِ أَنَّهُ قال: يُجْزِئُ الْمُحْتَجِمَ أَنْ يَمْسَحَ مَوْضِعَ الْحِجَامَةِ وَيُصَلِّيَ وَلَا يَغْسِلَهُ". انتهى

    وقال القسطلاني: "وفي رواية الكشميهني "ليس عليه غسل محاجمه" بإسقاط "إلا" وهو الذي ذكره الإسماعيلي. وقال ابن بطال: ثبتت في رواية المستملي دون رفيقيه انتهى.

    وكذا هي ثابتة في فرع اليونينية عنه وعن الهروي". انتهى

     

    وأثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي، بلفظ: كان إذا احتجم غسل محاجمه. وهو صحيح.

    وأما أثر الحسن فوصله ابن أبي شيبة أيضًا بلفظ: إنه سئل عن الرجل يحتجم ماذا عليه قال: يغسل أثر محاجمه. وهو صحيح.

    قال البيهقي: ورُوِّينَا فِي مَعْنَى هَذَا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، ثُمَّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَالْحَسَنِ، وَطَاوُسٍ، وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ: لَيْسَ عَلَى الْمُحْتَجِمِ وُضُوءٌ. انتهى

    خروج الدم هل هو ناقض للوضوء أم لا؟

    قال النووي: ومذهبنا أنه لا ينتقض الوضوء بخروج شيء من غير

    السبيلين كدم الفصد والحجامة والقيء والرعاف، سواء قل ذلك أو كثر.

    وبهذا قال ابن عمر وابن عباس وابن أبي أوفى وجابر وأبو هريرة وعائشة وابن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر والقاسم بن محمد وطاوس وعطاء ومكحول وربيعة ومالك وأبو ثور وداود.

    قال البغوي: وهو قول أكثر الصحابة والتابعين.

    وقالت طائفة: يجب الوضوء بكل ذلك، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق.

    قال الخطابي: وهو قول أكثر الفقهاء. وحكاه غيره عن عمر بن الخطاب وعلي رضي الله عنهما، وعن عطاء وابن سيرين وابن أبي ليلى وزفر.

    ثم اختلف هؤلاء في الفرق بين القليل والكثير". انتهى

    أما من حيث الأدلة فقال النووي: "وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ فِي نقض الْوضُوء بالقيء وَالدَّم والضحك فِي الصَّلَاة، وَلَا عدم ذَلِك؛ حَدِيث صَحِيح". انتهى

    وإذا لم يصح شيء في ذلك لم يبق إلا القياس، والقياس في هذا البا ضعيف لا يعمل به، فأحسن قول قيل في المسألة ما قاله النووي رحمه الله تبعاً لغيره، قال: "وأحسن ما أعتقده في المسألة أن الأصل أن لانقض حتى يثبت بالشرع، ولم يثبت، والقياس ممتنع في هذا الباب؛ لأن علة النقض غيرُ معقولة". انتهى

    وقد بين ابن المنذر رحمه الله في الأوسط (1/ 281) ضعف القياس في هذا الباب، بكلام نفيس جيد، يراجع هناك، فلولا الطول لذكرته لكم.

    وللفائدة قال ابن المنذر رحمه الله: ذِكْرُ أَحَدِ النَّوْعَيْنِ الْخَارِجِ مِنَ الْجَسَدِ المجتمع عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ طَهَارَةً

    أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ خُرُوجَ اللَّبَنِ مِنْ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، وَكَذَلِكَ الْبُزَاقُ وَالْمُخَاطُ وَالدَّمْعُ الَّذِي يَسِيلُ مِنَ الْعَيْنِ، وَالْعَرَقُ يَخْرُجُ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ، وَالْجُشَاءُ الْمُتَغَيِّرُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ، وَالنَّفَسُ الْخَارِجُ مِنَ الْأَنْفِ، وَالدُّودُ السَّاقِطُ مِنَ الْقَرْحِ؛ كُلُّ هَذَا لَا يَنْقُضُ طَهَارَةً وَلَا يُوجِبُ وُضُوءًا. انتهى

    ثم اختلفوا في الخارج من الجسد غير ما أجمعوا عليه، ونظروا فيه إلى:

    محل الخروج من السبيلين أو من غيرهما من الجسد.

    ونوع الخارج هل هو نجس أم لا؟

    وحالة خروجه، هل خرج على وجه الصحة أم على وجه المرض.

    والأصل أن لا شيء ناقض إلا بدليل.

    وفصلنا القول في شرح بداية المجتهد. والله أعلم.

     

    176 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ قال: عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ مَا لَمْ يُحْدِثْ». فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: الصَّوْتُ (يَعْنِي الضَّرْطَةَ).

    (حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) العسقلاني، ثقة.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، ثقة.

    (عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ) سعيد بن أبي سعيد المقبري ثقة، اختلط، وابن أبي ذئب من أثبت الناس فيه.

    وهؤلاء كلهم تقدموا.

    (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ: قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: لا يَزالُ العبدُ في) ثواب (صَلاةٍ) وله أجرها، لا فيها حقيقة، وإلاّ لامتنع عليه الكلام ونحوه (مَا كَانَ) وفي نسخة: "ما دام" (فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ) قال ابن رجب:" لَهُ أجرُ المصلي وثوابُه بحبس نفسه فِي المسجد للصلاة" (مَا لَمْ يُحْدِثْ) ما لم يَبطل وُضوءُه بناقض من نواقضه (فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ) هو مَن لا يُفصِحُ ولا يُبِينُ كلامَه ولو كانَ من العَرَب، أما العَجَمِيُّ: فنسبةً للعَجَمِ، وهو خلافُ العَرَب (مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ) أبو هريرة رضي الله عنه: (الصَّوْتُ. يَعْنِي الضَّرْطَةَ) يعني خروج الريح، ففي رواية عند مسلم: "لَا يَزَالُ الْعَبْدُ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَ فِي مُصَلَّاهُ. يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، وَتَقُولُ الْمَلَائِكَةُ: اللَّهُمَّ! اغْفِرْ لَهُ. اللَّهُمَّ! ارْحَمْهُ حَتَّى يَنْصَرِفَ أَوْ يُحْدِثَ" قُلْتُ: مَا يُحْدِثُ؟ قَالَ: يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ".

    وإنما خصّه بالذكر دون ما هو أشد منه لكونه لا يخرج من المرء غالبًا في المسجد غيرُه، فالظاهر أن السؤال وقع عن الحدث الخاص، وهو المعهود وقوعه غالبًا في الصلاة، فالاتفاق حاصل والأدلة دلت كما تقدم على أن نواقض الوضوء غيرُ محصورة بخروج الريح.

    استدلوا بهذا على أَنَّهُ لَا وُضُوءَ مِنْ غَيْرِ الْمَخْرَجَيْنِ.

    وجه استدلال البخاري به على مسألة الباب: قالوا: أجابه أبو هريرة بأن الحدث الموجب للوضوء هو ما خرج من أحد السبيلين، ومثل له بالريح، فلا يجب الوضوء إلاّ فيما خرج من أحد السبيلين القبل أو الدبر خاصة. والله أعلم.

    قال ابن الملقن: "وفيه: فضل انتظار الصلاة فإنه في صلاة، وأن من تعاطى أسباب الصلاة يسمى مصليًّا". انتهى الحديث متفق عليه.

     

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم