إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى
بَابُ غَسْلِ الدَّمِ
227 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ، عَنْ أَسْمَاءَ، قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟ قَالَ: «تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ»
(بَابُ) وجوب (غَسْلِ الدَّمِ) يعني دمَ الحيض وغيرَه من الدماء.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى) أبو موسى العَنَزي، المعروف بالزَّمِن.
(قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى) بن سعيد القطان.
(عَنْ هِشَامٍ) بن عروة.
(قَالَ: حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ) بنت الْمُنْذر بن الزبير، زَوْجَة هِشَام بن عروة.
(عَنْ) جدتهما (أَسْمَاءَ) بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.
رواته كلهم ثقات تقدموا.
(قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ) قال ابن حجر: "قَوْلُهُ: (جَاءَتِ امْرَأَةٌ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ هِشَامٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ أَسْمَاءَ هِيَ السَّائِلَةُ، وَأَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَضَعَّفَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِلَا دَلِيلٍ، وَهِيَ صَحِيحَةُ الْإِسْنَادِ لَا عِلَّةَ لَهَا، وَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يُبْهِمَ الرَّاوِي اسْمَ نَفْسِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي قِصَّةِ الرُّقْيَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ".
بل لها علة، وهي الشذوذ، وإن كان ظاهر الإسناد الصحة.
وسبقه شيخُه ابن الملقن إلى الإنكار على النووي، ثم وقف على كلام البيهقي بعد.
والنووي ضعف الرواية، وسبقه البيهقي وابن الصلاح إلى تضعيفها.
والصواب مع من ضعفها: قال البيهقي: هَكَذَا رِوَايَةُ الرَّبِيعِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ -أي كما ذكرها الحافظ-.
وَرَوَاهُ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى فِي كِتَابِ السُّنَنِ عَنِ الشَّافِعِيِّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَدَّتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
كَذَلِكَ رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، وَوَكِيعٌ، وَغَيْرُهُمْ، عَنْ هِشَامٍ. وَهُوَ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَغَيْرِهِ". انتهى كلامه رحمه الله.
فهذا يبين بشكل واضح نكارةَ روايةِ الربيع. والله أعلم
قالت أسماء جاءت امرأةٌ (النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الله أعلم بهذه المرأة مَن هي (فَقَالَتْ: أَرَأَيْتَ) يا رسول الله (إِحْدَانَا) من النساء (تَحِيضُ فِي الثَّوْبِ) فيصل دمُ الحيض إلى الثوب، ففي رواية عند البخاري: من طريق مالك عن هشام "أَرَأَيْتَ إِحْدانا إذا أَصابَ ثَوْبَها الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ"
(كَيْفَ تَصْنَعُ؟) بالثوب (قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تَحُتُّهُ) الحتُّ: القشر والإزالة بالحك والتقليع.
قال أبو منصور الأزهري: قال الليث: الحتُّ: فَرْكك الشَّيْء الْيَابِس عَن الثَّوْب وَنَحْوه.
وقال: وَقد رُوِيَ عَنهُ عليه الصلاة والسلام أَنه قَالَ لامْرَأَة سَأَلته عَن الدَّم يُصِيب ثوبها فَقَالَ لَهَا: "حُتّيه وَلَو بضِلْع". وَمَعْنَاهُ: حُكِّيه وأزيليه".
وقال: أَبُو الْعَبَّاس عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ: الحَتّ: القَشْر". انتهى
(ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ) القرص بالماء: "الدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء عليه حتى يذهب أثره".
قال الجوهري: "القَرْصُ بالإصبعين. وقد قَرَصَهُ يقرُصُه بالضم قَرصَا. وقَرْصُ البراغيث: لسعها. والقارِصَةُ: الكلمة المؤذية.
وقال: "وفي الحديث أن امرأةً سألته عن دمِ المحيض فقال: " اقْرُصيهِ بماءٍ "، أي اغسليه بأطراف أصابعك. ويروى " قَرِّصيهِ " بالتشديد. قال أبو عبيد: أي قَطِّعيهِ به". انتهى
وقال أبو منصور في الزاهر: " حُتِيه ثم اقرُصِيه "، فالحتُّ: أن يُحَكَّ بطرفِ حجرٍ أو عودٍ، يقال: حَتَتُّهُ أَحُتُّه حَتّاً، وأما قَرْصُه فهو أن يُدلَكَ بأطرافِ الأصابعِ والأظفَارِ دَلكاً شديداً، ويُصبُّ عليه الماءُ، حتى يذهبَ أثرُه وعينُه". انتهى
قال ابن بطَّال: "والحت والقرص ممَّا يتصوَّر في اليابس، ولا تأثير لذلك في الرطب".
(وَتَنْضَحُهُ) أي تغسله.
ولما كان النضح يطلق على الغسل والرش؛ اختلف العلماء في معنى النضح هنا، فقال الخطابي: معناه الغسل، وقال القرطبي، معناه: الرش.
قال ابن حجر: "قَوْلُهُ: (وَتَنْضَحُهُ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ الْحَاءِ أَيْ تَغْسِلَهُ، قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ الرَّشُّ؛ لِأَنَّ غَسْلَ الدَّمِ اسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ:" تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ"، وَأَمَّا النَّضْحُ فَهُوَ لِمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنَ الثَّوْبِ.
قُلْتُ: فَعَلَى هَذَا فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: "تَنْضَحُهُ" يَعُودُ عَلَى الثَّوْبِ، بِخِلَافِ "تَحُتُّهُ" فَإِنَّهُ يَعُودُ عَلَى الدَّمِ، فَيَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الضَّمَائِرِ، وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ.
ثُمَّ إِنَّ الرَّشَّ عَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ طَاهِرًا فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا لَمْ يَطْهُرْ بِذَلِكَ، فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ". انتهى.
قال قوام السنة الأصبهاني: "وَ (النَّضْحُ) فِي هَذَا الحَدِيثِ يُرادُ بِهِ الغَسْلُ، بِدَلِيلِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: "فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي".
قِيلَ: لَمْ يُفَرِّقِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَلَمْ يَحُدَّ فِيهِ مِقْدَارَ دِرْهَمٍ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَا سَأَلَهَا عَنْ مِقْدَارِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَلِيلَهُ كَكَثِيرِهِ". انتهى
(وَتُصَلِّي فِيهِ) ولابن عساكر: "ثم تصلي فيه".
الحديث متفق عليه.
قال جمع من العلماء: حَدِيثُ أَسْماءَ أَصْلٌ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ.
والحديث دليل على نجاسة دم الحيض، وعلى وجوب غسله والمبالغة في إزالته بما ذُكر من الحتّ والقرص والنضح، وظاهره أنه لا يجب غيرُ ذلك، وإن بقي من العين بقية فلا تضر بعد عمل الواجب، لعدم ذكره في الحديث، وهو محل البيان، ولأنه قد ورد في غيره وإن كان فيه ضعف: "ولا يضرك أثره".
أخذ العلماء من هذا الحديث أحكاماً:
الأول: نجاسة دم الحيض، وهو إجماع، وكذا دم النفاس، ونقل البعض الإجماع على نجاسة الدم المسفوح أيضاً أي الكثير.
ثانيها: أخذ بعض أهل العلم من هذا الحديث وجوب غسل قليل الدم وكثيره.
وقال ابن بطال: إنه محمول عند العلماء على الدم الكثير؛ لأن الله تعالى شرط في نجاسته أن يكون مسفوحًا، وعنى به الكثير الجاري.
قال بعض أهل العلم: "وفي الحديث دليل على أن دم الحيض لا يعفى يسيره وإن قل لعمومه، حيث لم يفرق بين قليلة وكثيرة، ولا سألها عن مقداره، ولم يَحُدّ فيه مقدار الدرهم، ولا دونه، وبه قال الشافعي في الجديد، خلافاً للأئمة الثلاثة، فإنهم ذهبوا إلى الفرق بين القليل من الدم والكثير، فاليسير منه معفو عندهم، وإنما الاختلاف بينهم في مقدار اليسير وتحديده، والحديث محمول عندهم على الدم الكثير". انتهى
ثالثها: تعيّن الماء في إزالة النجاسة، وبه قَالَ مالك والشافعي وهو قول في مذهب أحمد، وأكثر الفقهاء، وخالف أبو حنيفة فجوَّز إزالتها بغير الماء، وهو القول الثاني في مذهب مالك وأحمد، والقول الثالث: في مذهب أحمد: أن ذلك يجوز للحاجة.
والشَّاهد قوله: «بالماء»، فهذا دليل على تعيُّن الماء لإزالة النَّجاسة.
ولهم أدلة أخرى تقدم بعضها.
والصَّواب: أنَّه إِذا زالت النَّجاسة بأي مزيل كان؛ طَهُر محلُّها؛ لأنَّ النَّجاسة عينٌ خبيثة، فإذا زالت زال حكمها، فليست وصفاً؛ كالحدث لا يُزال إِلا بما جاء به الشَّرع، وقد قال الفقهاء رحمهم الله: «إذا زال تغيُّر الماء النَّجس الكثير بنفسه صار طَهُوراً، وإِذا تخلَّلت الخمر بنفسها صارت طاهرة»، وهذه طهارة بغير الماء.
وأما ذِكْرُ الماء في التَّطهير في الأدلة السَّابقة فلا يدلُّ تعيينُه على تعيُّنِهِ؛ لأن تعيينَه لكونه أسرعَ في الإِزالة، وأيسرَ على المكلَّف".
هذا قول ابن عثيمين، وهو اختيار ابن تيمية، وهو الصواب إن شاء الله، انظروا مجموع الفتاوى (21/ 474).
رابعها: عدم اشتراط العدد في إزالة النجاسة، والواجب فيها الإنقاء، فإن بقي من أثرها شيء يشق إزالته عفي عنه.
لأنه لم يذكر عدداً في الحديث، والمقام مقامُ بيانٍ؛ لأنه جواب عن سؤال، فلو كان هناك عدد معتَبَر لَبيَّنَه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم
خامسها: الأمر بالحت والقرص، وهو أمر استحباب عند فقهاء الأمصار، وأوجبه بعض أهل الظاهر وبعض الشافعية.
الظاهر الوجوب في حال لم تزل النجاسةُ إلا به.
وبعد غسله وعمل الواجب إذا بقي أثره كلون الدم لا يضر؛ لأن بقاء الأثر بعد الغسل أحيانا أمر معلوم، ومع ذلك لم يفرق النبي صلى الله عليه وسلم بين بقاء الأثر وعدم بقائه.
وجاء في حديث فيه ضعف: " أَنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ يَسَارٍ، قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " أَرَأَيْتَ إِنْ لَمْ يَخْرُجِ الدَّمُ مِنَ الثَّوْبِ. قَالَ: «يَكْفِيكِ الْمَاءُ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ»".
سادسها: جواز الصلاة في الثوب الذي تحيض فيه المرأة.
228 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلاَمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلاَ أَطْهُرُ أَفَأَدَعُ الصَّلاَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاَةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي» - قَالَ: وَقَالَ أَبِي: - «ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاَةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ»
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ) هُوَ ابْنُ سَلاَمٍ البيكَنْدي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم، أبو معاوية الضرير.
(حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ) بن الزبير.
(عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير بن العوام.
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها.
رواته كلهم ثقات تقدموا.
(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ) بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ القرشية الأسدية، واسم أبي حُبيش قيس بن المطلب، صحابية، لها حديث في الاستحاضة. روى لها أبو داود والنسائي.
جاءت (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) أي: يستمر بي الدم بعد أيامي المعتادة؛ إذ الاستحاضة جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه (فَلاَ أَطْهُرُ) لدوامه؛ أي: لا ينقطع الدم (أَفَأَدَعُ) أي أترك؛ أي: أيكون لي حكم الحائض فأترك (الصَّلاَةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ) تدعي الصلاة (إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ) أي الدم دم عرق، يعني: عِرْقًا انفجر دمًا (وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاَةَ) يَتَضَمَّنُ نَهْيَ الْحَائِضِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ لِلتَّحْرِيمِ وَيَقْتَضِي فَسَادَ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ (وَإِذَا أَدْبَرَتْ) أي: انقطعت. قال ابن حجر: "وَالْمُرَادُ بِالْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ هُنَا ابْتِدَاءُ دَمِ الْحَيْضِ وَانْقِطَاعُهُ".
(فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ) أَيْ وَاغْتَسِلِي لانقطاع الحيض، وَالْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ مُسْتَفَادٌ مِنْ أَدِلَّةٍ أُخْرَى (ثُمَّ صَلِّي») فلا يمنعك هذا الدم من الصلاة كدم الحيض.
قال الخطابي: "دليل على أنها كانت تميز دم الاستحاضة من دم الحيض، وفيه دلالة على وجوب تقديم علامة الدم على الأيام".
وستأتي أحكامها في كتاب خاص، وهو كتاب الحيض.
(قَالَ) هشام بن عروة بن الزبير (وَقَالَ أَبِي) عروة بن الزبير: («ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلاَةٍ، حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الوَقْتُ) أي: وقت إقبال الحيض.
ظاهره الوقف، وهو موصول بنفس الإسناد.
قال ابن حجر: "وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مُعَلَّقٌ، وَلَيْسَ بِصَوَابٍ، بَلْ هُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ".
وقال: "وَادَّعَى آخَرُ أَنَّ قَوْلَهُ "ثُمَّ تَوَضَّئِي.." مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَلَامَهُ لَقَالَ:" ثُمَّ تَتَوَضَّأُ" بِصِيغَةِ الْإِخْبَارِ، فَلَمَّا أَتَى بِهِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ شَاكَلَهُ الْأَمْرُ الَّذِي فِي الْمَرْفُوعِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَاغْسِلِي".
وما قاله الحافظ هنا فيه نظر، والصواب أنه موقوف على عروة.
قال العيني: "وَلَا يلْزم من مشاكلة الصيغتين الرّفْع".
قال ابن رجب: والصواب أن لفظة الوضوء مدرجة في الحديث من قول عروة، وكذلك روى مالك عن هشام عن أبيه أنه قال: ليس على المستحاضة إلا أن تغتسل غسلا واحداً ثم تتوضأ بعد ذلك لكل صلاة...".
وقد بينت هذه المسألة في شرحي على بداية المجتهد في الدرس السابع والثلاثين. وستأتي إن شاء الله، ونذكر فوائده وأحكامه في موضعه إن شاء الله.
في الحديث وجوب غسل دم الحيض، وهو المراد من الباب، وألحق به العلماء الدم الكثير، واختلفوا في القليل كما تقدم. والله أعلم.
الحديث متفق عليه.
ذكره الدارقطني في العلل 3484 وذكر الخلاف فيه.
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم