شرح صحيح البخاري ح(238,239)

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى


  • بَابُ البَوْلِ فِي المَاءِ الدَّائِمِ

    238 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ، حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ»

    (المَاءُ الدَّائِم) هو الراكد الساكن الذي لا يجري، جاء تفسيره في حديث الباب، فقال: "الذي لا يجري".

    قال أبو عبيد في غريب الحديث: "فِي حَدِيثه عليه السلام أَنه نهى أَن يبال فِي المَاء الدَّائِم ثُمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ. قَالَ الْأَصْمَعِي- وَبَعضُه عَن أَبِي عُبَيْدَة-: الدَّائِم هُوَ السَّاكِن، وَقد دَامَ المَاء يَدُوم وأَدَمتُه أَنَا إدامةً إِذا سَكَّنتُه، وكلُّ شَيْءٍ سكَّنتَه فقد أَدمتَه". انتهى

    وقال إبراهيم الحربي: وَقَوْلُهُ: «لَا تَبُولَنَّ فِيالْمَاءِالدَّائِمِ» سَمِعْتُ ابْنَ الْأَعْرَابِيِّ يَقُولُ: ‌الْمَاءُالدَّائِمُ الَّذِي لَا يَجْرِي، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا".

    وروى عن الأصمعي: "لَا تَبُلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ"، دَامَ الْمَاءُ يَدُومُ دَوْمًا: إِذَا ثَبَتَ لَا يَجْرِي". انتهى

    (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع البهراني الحمصي.

    (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة الحمصي.

    (قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان.

    (أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ) رجاله كلهم ثقات تقدموا.

    (أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «نَحْنُ) يعني نفسه وأمتَه صلى الله عليه وسلم (الآخِرُونَ) يعني: في الزمان؛ فإنه صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، آخرُهم، فلا يبعث نبي بعده، وأمته آخر الأمم وجوداً في الدنيا (السَّابِقُونَ) أي المتقدمون في الآخرة، أول الأمم ندخل الجنة. وقال ابن رجب وغيره: "يعني: في الفضل والكرامة على الله".

    الحديث متفق عليه، وسيأتي شرحه في موضعه عند ذكره تاماً إن شاء الله.

    وليس في هذا الحديث مناسبةٌ للباب، وتكلف بعض أهل العلم ذكرَ مناسبة له بما لا معنى له ولا طائل تحته.

    والصحيح ما قاله الحافظ ابن حجر، وهو قول مبني على استقراء فعل الإمام البخاري.

    رد عليهم تأويلاتِهم المتكلفة. ثم قال: " وَالظَّاهِرُ أَنَّ نُسْخَةَ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَنُسْخَةِ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامٍ عَنْهُ، وَلِهَذَا قَلَّ حَدِيثٌ يوجَدُ فِي هَذِهِ إِلَّا وَهُوَ فِي الْأُخْرَى، وَقَدِ اشْتَمَلَتَا عَلَى أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ غَالِبَهَا، وَابْتِدَاءُ كُلِّ نُسْخَةٍ مِنْهُمَا حَدِيثُ: "نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ"، فَلِهَذَا صَدَّرَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِيمَا أَخْرَجَهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَسَلَكَ مُسْلِمٌ فِي نُسْخَةِ هَمَّامٍ طَرِيقًا أُخْرَى، فَيَقُولُ فِي كُلِّ حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ مِنْهَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.. فَيَذْكُرُ الْحَدِيثَ الَّذِي يُرِيدُهُ، يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ أَثْنَاءِ النُّسْخَةِ لَا أَوَّلِهَا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ ". انتهى

    239 – وَبِإِسْنَادِهِ قَالَ: «لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لاَ يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ»

    (وَبِإِسْنَادِهِ) المتقدم عن أبي هريرة؛ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم (قَالَ: «لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ) هذا نهي (فِي المَاءِ الدَّائِمِ) الساكن (الَّذِي لاَ يَجْرِي) تَفْسِيرٌ لِلدَّائِمِ وَإِيضَاحٌ لِمَعْنَاهُ.

    (ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ) بعض العلماء قال: الرواية جاءت بالرفع فقط.

    والبعض قال الرفع هي الرواية المشهورة.

    وجوز ابن مالك وغيره: الرفع، والنصب، والجزم:

    فعلى رواية الجزم نقرؤها هكذا: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري، ثم يغتسلْ فيه" وتكون معطوفة على "يبولن"، ويكون معنى الحديث: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ولا يغتسلْ فيه.

    فيكون هذا الحديث مشتملا على مسألتين كلُّ واحدة مستقلة عن الأخرى:

    الأولى: النهي عن البول.

    والثانية: النهي عن الاغتسال في الماء الدائم الذي لا يجري.

    وعلى رواية النصب: تكون "ثم" هنا ملحقةً بواو المعية، وواو المعية بعد النهي يكون الفعل بعدها منصوبا. نقول: "لا تأكلْ السمكَ وتشربَ اللبن"؛ أي: مع شرب اللبن، فيكون المعنى: لا يجمع بين البول والاغتسال.

    فإفراد كل واحد من الفعلين وحده لا يشمله الحديث على هذه الرواية.

    قال أهل العلم: "أما النصب فلا يجوز؛ لأنه يقتضي أن المنهي عنه الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهي عنه، سواء أريد الاغتسال منه أم لا". انتهى

    وعلى رواية الرفع: يكون النهي عن البول فقط، ويكون "يغتسل" مستأنفة غيرُ معطوفة على "يبولن" بـ "ثم" أي: ثم هو يغتسلُ فيه، أي يبعد من العاقل الجمع بين هذين الأمرين. فالمعنى: أنه عمل قبيح أن يبول في الماء ثم يذهب يغتسل منه، هذا مناف للفطرة؛ لأن المفروض أن الماء إما أن يتنجس بالبول أو تتقذر منه النفس فكيف تبول في شيء ثم تهذب تتطهر به، هذا مناف للفطرة.

    ونظيره أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يَجلِد الرجلُ امرأتَه جلد العبدِ ثم يضاجعها.

    المعنى: ثم هو يضاجعها؛ لأن هذا ينافي الفطرة والنفوس، كيف في الصباح تجلدها جلد العبد وتأتي آخر الليل تضاجعها لتستمتع بها، هذا تأباه النفوس في الواقع، وعلى هذا كأنه يقول: لا يبولن أحدكم بالماء الدائم، ثم بعد ذلك يحتاج فيغتسل فيه، وهذا مما تأباه النفوس وتنفر منه.

    وقد اختلف العلماء في جواز النصب والجزم.

    وبما أن الرواية جاءت بالرفع أو هي الرواية المشهورة فمعنى الحديث يحمل عليها دون غيرها. فيكون المقصود من الحديث النهي عن البول في الماء الراكد.

    إلا أن العلماء أجمعوا على أن النهي عن البول في الماء الرَّاكد ليس على إطلاقه؛ فإنَّ الماء المستبحِر الكثير لا يتناوله النهي اتفاقًا؛ فهو مخصَّص بالإجماع؛ لأن النجاسة لا تؤثر فيه. نقل الإجماع ابن تيمية وغيره.

    والنهي هذا اختلف العلماء فيه هل هو للتحريم أم للكراهة على أقوال.

    قال القرطبي: "يمكن حمله على التحريم مطلقًا على قاعدة سد الذريعة؛ لأنه يفضي إلى تنجيس الماء". انتهى

    ونَهْيُهُ صلى الله عليه وسلم عَنْ الْبَوْلِ فِيالْمَاءِالدَّائِمِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ بِمُجَرَّدِ الْبَوْلِ؛ إذْ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلْ الظاهر أن النهي لسد الذريعة؛ لِأَنَّ الْبَوْلَ ذَرِيعَةٌ إلَى تَنْجِيسِهِ؛ فَإِنَّهُ إذَا بَالَ هَذَا ثُمَّ بَالَ هَذَا تَغَيَّرَ الْمَاءُ الراكد بِالْبَوْلِ فَكَانَ نَهْيُهُ سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ.

    وهذا القول هو قول الذين يقولون بأن الماء لا ينجس إلا بالتغير.

     

    وهذا بخلاف الماء الجاري، لذلك قال أهل العلم يؤخذ من مفهوم الصفة لهذا الحديث أن البول في الماء الجاري جائز. وهو كذلك؛ لأن الماء الجاري غير مستقر يتجدد فلا يتأثر بكثرة البول فيه.

    ولا فرق بَيْنَ أَنْ يَبُولَ فِي الْمَاءِ أَوْ يَبُولَ فِي إِنَاءٍ ثُمَّ يَصُبَّهُ فِيهِ خِلَافًا لِلظَّاهِرِيَّةِ.

    والنهي عن الغائط أولى وأقبح من البول، خلافا للظاهرية.

    وهذان القولان من عجائب الظاهرية ولهم مثل هذا كثير، أداهم إليه مذهبهم الفاسد.

    فهم لا ينظرون إلى معاني النصوص ولا يقيسون عليها.

    لذلك لم يعدهم بعض أهل العلم من أهل الاجتهاد، ولم يعتبر أقوالهم في الإجماع والخلاف.

    قال ابن القيم في تهذيب السنن: "وبهذا الطريق يُعْلَم أنه إذا كان صلى الله عليه وسلم قد نهى عن البول فيالماءالدائم، مع أنه قد يُحتاج إليه، فَلَأنْ يُنهى عن البول في إناء ثم صَبِّه فيه بطريق الأولى.

    ولا يستريب في هذا مَن عَلِم حكمةَ الشريعة، وما اشتملت عليه مِن مصالح العباد ونصائحهم.

    ودعالظاهريةَ البحتةَ، فإنها تقسّي القلوب، وتحجِبُها عن رُؤية محاسن الشريعة وبهجتها، وما أودعَتْه من الحِكَم والمصالح، والعدل والرحمة". انتهى

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وَمَنْ لَمْ يَلْحَظْالْمَعَانِيَ مِنْ خِطَابِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَلَا يَفْهَمُ تَنْبِيهَ الْخِطَابِ وَفَحْوَاهُ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ؛ كَاَلَّذِينَ يَقُولُونَ: إنَّ قَوْلَهُ: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} لَا يُفِيدُ النَّهْيَ عَنْ الضَّرْبِ. وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ دَاوُد؛ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَهَذَا فِي غَايَةِ الضَّعْفِ، بَلْ وَكَذَلِكَ قِيَاسُ الْأَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ الْخِطَابُ لَكِنْ عُرِفَ أَنَّهُ أَوْلَى بِالْحُكْمِ مِنْ الْمَنْطُوقِ بِهَذَا؛ فَإِنْكَارُهُ مِنْ بِدَعِالظَّاهِرِيَّةِ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْهُمْ بِهَا أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ فَمَا زَالَ السَّلَفُ يَحْتَجُّونَ بِمِثْلِ هَذَا وَهَذَا". انتهى

    وقد أحسن ابن القيم رحمه الله الرد على غلاة نفاة القياس واعتبار المعاني، أصحاب الجمود على الظاهر، وعلى غلاة القياسيين من أصحاب الرأي المذموم.

    في كتابه الفذِّ النفيسِ كثيرِ النفعِ: إعلامُ الموقعين عن رب العالمين.

    والحديث متفق عليه.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم