شرح صحيح البخاري ح259

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى


  • بَابُ المَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الجَنَابَةِ

    259 - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنَا مَيْمُونَةُ قَالَتْ: «صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا، فَأَفْرَغَ بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، ثُمَّ غَسَلَهَا، ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى، فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا»

    (بابُ) حكم (المضمضةِ والاستنشاقِ) هل هما واجبتان أم سُنّتان (في) الغسل من (الجنابةِ).

    تقدم القول في هذه المسألة، وأن الصحيح ما ذهب إليه مالك والشافعي وأصحابهما.

    قال الترمذي: وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُعِيدُ فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُمَا سُنَّةٌ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُمَا فِي الْوُضُوءِ وَلَا فِي الْجَنَابَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ". انتهى

    وعزاه النووي للجمهور.

    ودليلهم أن الله تبارك وتعالى لم يذكرهما في كتابه، ولا أوجبهما رسولُه صلى الله عليه وسلم، ولا اتفق الجميع عليه، والفرائض لا تثبت إلا من هذه الوجوه... ".

    وكذلك ذكرت أحاديث فيها وصف الغسل لم تذكرا فيها، كحديث أم سلمة عند مسلم، وحديث جابر وجبير بن مُطعِم المتقدمان.

    قال ابن حجر: بَابُ المَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي الجَنَابَةِ، أَيْ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَالْمُرَادُ هَلْ هُمَا وَاجِبَانِ فِيهِ أَمْ لَا؟

    وَأَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ إِلَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ اسْتَنْبَطَ عَدَمَ وُجُوبِهِمَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ:" ثُمَّ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ"، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا لِلْوُضُوءِ، وَقَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ، وَالْمَضَمْضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ مِنْ تَوَابِعِ الْوُضُوءِ فَإِذَا سَقَطَ الْوُضُوءُ سَقَطَتْ تَوَابِعُهُ، وَيُحْمَلُ مَا رُوِيَ مِنْ صِفَةِ غُسْلِهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْكَمَالِ وَالْفَضْلِ". انتهى

    (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) بن طَلْق بن معاوية، النخعي، أبو حفص الكوفي. يروي عن أتباع التابعين، ثقة ربما أخطأ، من أثبت الناس في أبيه، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين. روى له الجماعة سوى ابن ماجه.

    وهو متابع على هذا الحديث.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي، أبو عُمَر الكوفي القاضي. من أتباع التابعين، إذا حدث من كتابه فهو ثقة ثبت، وإذا حدث من حفظه فله أخطاء، أي يحتج به مع الحذر من أخطائه، من أثبت الناس في الأعمش، وابنه من أثبت الناس فيه، روايته عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد مُنكرَة. قال ابن معين: جميع ما حدث به ببغداد من حفظه، وفي رواية عنه: ما حدث به في بغداد والكوفة. ربما دلس، وضعه الحافظ في المرتبة الأولى من مراتب المدلسين.

    مات سنة أربع وتسعين ومائة، وقد قارب الثمانين. روى له الجماعة.

    قَال أَبُو زُرْعَة: ساء حفظه بعد ما استقضي، فمن كتب عنه من كتابه فهو صالح، وإلا فهو كذا.

    قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ أَحَادِيث حَفْص وحاتم بن وردان عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد مُنكرَة.

    قال محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي: كان عامة حديث الأعمش عند حفص بن غياث على الخبر والسماع.

    قال الحافظ في مقدمة الفتح: "اعتمد البخاري على حفص هذا في حديث الأعمش؛ لأنه كان يميز بين ما صرح به الأعمش بالسماع، وبين ما دلسه، نبه على ذلك أبو الفضل بن طاهر، وهو كما قال، روى له الجماعة". انتهى

    هذا يعني أن رواية حفص عن الأعمش كرواية شعبة عنه تحمل على السماع وإن لم يصرح الأعمش بالتحديث.

    هذه فائدة مهمة تحفظ بإتقان.

    (قال: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران. مدلس، ولكنه صرح بالتحديث، وهو من رواية حفص عنه.

    (قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ) هو ابن أبي الجعد.

    (عَنْ كُرَيْبٍ) هو ابن أبي مسلم أبو رشدين مولى بن عباس.

    (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنه (قَالَ: حَدَّثَتْنَا مَيْمُونَةُ) رضي الله عنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم (قَالَتْ: «صَبَبْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُسْلًا) أي: ماء للاغتسال (فَأَفْرَغَ) عليه الصلاة والسلام (بِيَمِينِهِ عَلَى يَسَارِهِ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ) أي ذكره كما تقدم (ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ الأَرْضَ) وفي نسخة: "على الأرض" أي ضربها بيده. وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ (فَمَسَحَهَا بِالتُّرَابِ، ثُمَّ غَسَلَهَا) بالماء (ثُمَّ مضمضَ) وفي نسخة: "تَمَضْمَضَ" (وَاسْتَنْشَقَ) هذا يدل على أنهما سنة في هذا الموضع، وهو محل الشاهد من الحديث في هذا الباب (ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، وَأَفَاضَ) أي صب الماء (عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ تَنَحَّى) أي تحول إلى ناحية (فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِمِنْدِيلٍ) المنديل: الذي يُتَمَسَّح به، عندنا في الشام يقولون له: بشكير -وهي تركية فارسية ليست عربية-، ومِنشفة -وهي عربية صحيحة- إلا أنهم يستعملونها في الكبيرة التي لتنشيف الجسد من الغسل، وفي اللغة ليست خاصة، وفي مصر وغيرها فوطة، ليست عربية، بل سندية، وكانت تطلق على نوع من الثياب، قال صاحب تاج العروس: واستعملوها أَيْضاً الْآن عَلَى مَنَاديلَ قِصَارٍ مُخَطَّطَةِ الأَطْرافِ تُنْسَجُ بالمَحَلَّة الكُبْرَى من أَرضِ مصر، يَضَعُها الإِنسانُ عَلَى رُكْبَتَيْه ليَقِيَ بهَا عِنْد الطَّعَامِ". انتهى، وفي ليبيا إلى الآن يقولون له: منديل.

    (فَلَمْ يَنْفُضْ بِهَا) زَادَ فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ "يَعْنِي لَمْ يَتَمَسَّحْ".

    قال ابن التين: "ما أُتي بالمنديل إلا أنه كان يتنشف به"

    فالحديث لا يدل على المنع من التنشيف، وهو جائز غير مكروه على الصحيح.

    راجعوا الأوسط لابن المنذر (2 / 63- الفلاح).

    قال ابن قدامة في المغني: فصل: ولا بَأْسَ بِتَنْشِيفِ أَعْضَائِهِ بالمِنْدِيلِ مِنْ بَلَلِ الوُضُوءِ والغُسْلِ.

    قال الخَلَّالُ: المَنْقُولُ عن أحمد، أنَّه لا بَأْسَ بالتَّنْشِيفِ بعدَ الوُضُوءِ. ومِمَّنْ رُوِىَ عنه أخْذُ المِنْدِيلِ بعدَ الوُضُوءِ: عُثْمان، والحسن بن عَلِىّ، وأَنَس، وكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ.

    ونَهَى عنه جَابرُ بن عبد اللَّه.

    وكَرِهَهُ عَبْدُ الرَّحْمَن بن مَهْدِىّ، وجَماعةٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ".

    وذكر أنه احتجوا بحديث ميمونة هذا.

    ثم قال: "والأَوَّلُ أصَحُّ، لأنَّ الأصْلَ الإِبَاحَةُ، وتَرْكُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يَدُلُّ عَلَى الكَرَاهةِ، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قد يَتْرُكُ المُبَاحَ كما يَفْعَلُهُ، وقد رَوَى أبو بكر في "الشَّافِي" بإسْنَادِهِ، عَنْ عُرْوَة، عن عائِشَة، قالت: كانَ لِلنَّبِي صلى الله عليه وسلم خِرْقَةٌ يتَنَشَّفُ بها بَعْدَ الوُضُوء. وسُئل أحْمد عن هذا الحَدِيث، فقال: مُنْكَرٌ مُنْكَرٌ.

    ورُوىَ عن قَيْس بن سَعْدٍ، أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم اغْتَسَلَ، ثم أتَيْنَاهُ بمِلْحَفَةٍ وَرْسِيَّةٍ، فالْتَحَفَ بها. إلَّا أنَّ التِّرْمِذِيَّ قال: "لا يَصِحُّ في هذا البابِ شيءٌ".

    ولا يُكْرَهُ نَفضُ الماء عن بَدَنِه بيَدَيْه؛ لحديثِ مَيْمُونة". انتهى

    الحديث متفق عليه.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم