شرح صحيح البخاري ح(292,293)

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى


  • بَابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ مِنْ فَرْجِ المَرْأَةِ

    292 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنِ الحُسَيْنِ، قَالَ: يَحْيَى، وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الجُهَنِيَّ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ فَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ: عُثْمَانُ: «يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ» قَالَ عُثْمَانُ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فَأَمَرُوهُ بِذَلِكَ. قَالَ: يَحْيَى، وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

    (بَابُ غَسْلِ مَا يُصِيبُ) الرَّجُلُ (مِنْ فَرْجِ المَرْأَة) أَيْ مِنْ رُطُوبَةٍ وَغَيْرِهَا.

    (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي المُقْعَد. ثقة من أوثق الناس في عبد الوارث بن سعيد. تقدم

    (حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ) بن سعيد.

    (عَنِ الحُسَيْنِ) بن ذكوان المُعلِّم.

    (قَالَ: يَحْيَى) بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي. ثقة حافظ إمام، يرسل ويدلس، ولا يروي إلا عن ثقة. وقد صرح بالتحديث.

    (وَأَخْبَرَنِي) هُوَ عَطْفٌ عَلَى مُقَدَّرٍ، أَيْ أَخْبَرَنِي بِكَذَا، وَأَخْبَرَنِي بِكَذَا. وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِحَذْفِ الْوَاوِ. (أَبُو سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف.

    قال ابن حجر: "قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: لَمْ يَسْمَعْهُ الْحُسَيْنُ مِنْ يَحْيَى؛ فَلِهَذَا قَالَ: قَالَ يَحْيَى". كَذَا ذَكَرَهُ، وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ.

    وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ:"عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ يَحْيَى"، وَلَيْسَ الْحُسَيْنُ بِمُدَلِّسٍ، وَعَنْعَنَةُ غَيْرِ الْمُدَلِّسِ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ إِذَا لَقِيَهُ عَلَى الصَّحِيحِ.

    عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ التَّصْرِيحُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ فِي رِوَايَةِ الْحُسَيْنِ عَنْ يَحْيَى بِالتَّحْدِيثِ.

    وَلَفْظُهُ: "حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ".

    وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْحُسَيْنُ مَعَ ذَلِكَ بِهِ، فَقَدْ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى أَيْضًا:

    مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامٍ، أَخْرَجَهُ ابْنُ شَاهِينَ.

    وَشَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ". انتهى

    (أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَسَارٍ) الهلالي (أَخْبَرَهُ أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ الجُهَنِيَّ) رضي الله عنه (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ، سَأَلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ) رضي الله عنه مستفتياً له (فَقَالَ) زيد بن خالد لعثمان: (أَرَأَيْتَ) أي أخبرني (إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ) أو أمته (فَلَمْ يُمْنِ؟) أي لم ينزل المني؟ (قَالَ: عُثْمَانُ) رضي الله عنه:يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاَةِ، وَيَغْسِلُ ذَكَرَهُ») مما أصابه من رطوبة فرج المرأة من غير غسل.

    (قَالَ عُثْمَانُ) رضي الله عنه (سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

    قال زيد بن خالد الجهني الذي استفتى عثمان: (فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِك) الذي أفتاني به عثمان، الصحابةَ: (عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرَ بْنَ العَوَّامِ، وَطَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ) رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ (فَأَمَرُوهُ) أي فأمر هؤلاء الصحابةُ الأربعة المُجامِع الذي لم ينزل (بِذَلِكَ) أي بغسل الذكر والوضوء.

    وروي عن عثمان وعلي وأُبيّ أنهم أفتَوا بخلافه، لذلك قال ابن المديني: إن حديث زيد شاذ، وقال أحمد فيه علة.

    ورُدَّ هذا التعليل: بأن كونهم أفتوا بخلافه لا يقدح في صحة الحديث، فكم من حديث منسوخ وهو صحيح فلا منافاة بينهما انتهى.

    فقد كانت الفتيا في أول الإسلام كذلك ثم جاءت السُّنّة بوجوب الغُسل، ثم أجمعوا عليه بعد ذلك.

    (قَالَ: يَحْيَى) بن أبي كثير (وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ) ابن عبد الرحمن، قال الحافظ: " وهو معطوف بالإسناد الأول، وليس معلقاً، وقد رواه مسلم من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه بالإسنادين" (أَنَّ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ) ابن العوام (أَخْبَرَهُ) وفي نسخة زيادة: "أَنَّ أَبَا أَيُّوبَ أَخْبَرَهُ" وهو أبو أيوب الأنصاري (أَنَّهُ سَمِعَ ذَلِكَ) أي غَسلَ الذكرِ والوُضوءِ (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

    انتقد الدارقطني هذا بأن أبا أيوب لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما سمعه من أُبيّ بن كعب كما في رواية هشام عن أبيه عن أبي أيوب عن أُبي بن كعب الآتية قريبًا إن شاء الله تعالى.

    وأجيب: بأن الحديث روي من وجه آخر عند الدارمي وابن ماجه عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُثبِت مُقدمٌ على المنفي، وبأن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أكبر قدرًا وسنًا وعلمًا من هشام بن عروة انتهى.

    هذا ملخص جواب الحافظ، وقال: الظاهر أن أبا أيوب سمعه منهما لاختلاف السياق، أي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ومن أبي بن كعب.

    وهو ظاهر صنيع الإمام البخاري رحمه الله.

    الحديث متفق عليه

     

    293 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟ قَالَ: «يَغْسِلُ مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: «الغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الآخِرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلاَفِهِمْ».

    (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بن مسرهد (حَدَّثَنَا يَحْيَى) ابن سعيد القطان (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) ابن الزبير (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي) عروة بن الزبير بن العوام (قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ) خالد بن زيد الأنصاري (قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ؟) في الرواية السابقة: "فلم يمنِ" وهما بمعنى واحد (قَالَ: «يَغْسِلُ) الرجل المذكور (مَا مَسَّ المَرْأَةَ مِنْهُ) العضو الذي مس فرج المرأة من أعضائه (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) صريح في تقديم غسل الذكر على الوضوء (وَيُصَلِّي») قال الحافظ: هو أصرح في الدلالة على ترك الغسل من الحديث الذي قبله.

    قال الراوي عن البخاري: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) البخاري (الغُسْلُ) أي: الاغتسال من الإيلاج وإن لم ينزل، قال القسطلاني: وفي الفرع: "الغَسل بفتح الغين" (أَحْوَطُ) أي أكثر احتياطًا في أمر الدين من الاكتفاء بغَسل الفرج.

    (وَذَاكَ) الحديث السابق الذي فيه الغُسل بالتقاء الختانين (الآخِرُ) وفي رواية: الأخير. أي آخِر الأمرين من فعل الشارع، فيكون الاكتفاء بغسل الذكر والوضوء منسوخ.

    (وَإِنَّمَا بَيَّنَّا) وللأصيلي: "بيناه" (لِاخْتِلاَفِهِمْ) أي: إنما ذكرناه لأجل بيان اختلاف الصحابة في الوجوب وعدمه.

    ولكريمة وابن عساكر: "وإنما بينا اختلافهم"، وفي نسخة الصغاني: "إنما بينا الحديث الآخَر لاختلافهم، والماء أنقى". قال الحافظ: "وَاللَّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ حَتَّى لَا يُظَنَّ أَنَّ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعًا".

    قال القسطلاني: وقال البدر الدماميني كالسفاقسي: فيه جنوح لمذهب داود، وتَعقَّب هذا القول البِرماوي بأنه إنما يكون ميلاً لمذهب داود إذا فُتحت خاءُ آخر، أما بالكسر فيكون جزمًا بالنسخ، والجمهور على إيجاب الغُسل بالتقاء الختانين وهو الصواب. انتهى

    قال ابن رجب: "وقال طائفة مِن العلماء: لما اختلفت الأحاديث في هَذا وجب الأخذ بأحاديث الغسل مِن التقاء الختانين، لما فيها مِن الزيادة التي لَم يثبت لها معارض، ولم تبرأ الذمة بدون الاغتسال؛ لأنه قَد تحقق أن التقاء الختانين موجب لطهارة، ووقع التردد: هل يكفي الوضوء أو لا يكفي دونَ غسل البدن كله؟ فوجب الأخذ بالغسل؛ لأنه لا يتيقن براءة الذمة بدونه.

    وهذا معنى قول البخاري: الغسل أحوط.

    ولذلك قالَ أحمد - في رواية ابن القاسم -: الأمر عندي في الجماع أن آخذ بالاحتياط فيهِ، ولا أقول: الماء مِن الماء".

    وقال: "وقد نسبه بعضهم إلى البخاري -أي القول بالاكتفاء بغسل الذكر والوضوء- وليس في كلامه ما يصرح به". انتهى

    وذكر بعض من خالف في المسألة في فتح الباري.

    الحديث متفق عليه.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم