إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى
بَابُ الاعْتِكَافِ للمُسْتَحَاضَةِ
309 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ مَعَهُ بَعْضُ نِسَائِهِ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ»، فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ، وَزَعَمَ أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ العُصْفُرِ، فَقَالَتْ: كَأَنَّ هَذَا شَيْءٌ كَانَتْ فُلاَنَةُ تَجِدُهُ
(بابُ) جوازِ (الاعْتِكافِ للمُسْتَحاضَةِ) في المسجد.
وفي رواية: "باب اعتكاف المستحاضة".
الاعتكاف، هو: اللُّبث في المسجد على صفة مخصوصة، بنية التعبد.
وسيأتي في موضعه إن شاء الله.
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن شاهين بن الحارث، الواسطي، أبو بشر بن أبي عمران. يروي عن أتباع التابعين، صدوق، مات بعد الخمسين ومائتين، وقد جاوز المائة. روى له البخاري والنسائي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) الطحان الواسطي.
(عَنْ خَالِدٍ) بن مِهران الحذاء، أبو المَنَازل. عليه يدور الحديث.
(عَنْ عِكْرِمَةَ) مولى ابن عباس.
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ مَعَهُ) في مسجده (بَعْضُ نِسَائِهِ) من زوجاته صلى الله عليه وسلم، قيل هي سودة بنت زمعة، وقيل أم سلمة، وقيل غير ذلك. والله أعلم بها.
(وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ تَرَى الدَّمَ») ففيه أن المستحاضة تدخل المسجد، وتعتكف فيه. وهذا ما يريده البخاري منه.
(فَرُبَّمَا وَضَعَتِ الطَّسْتَ) وهو إناء كبير مستدير (تَحْتَهَا مِنَ الدَّمِ) أي لأجله.
قال خالد بن مهران: (وَزَعَمَ) عكرمة، فهو يرويه بنفس الإسناد (أَنَّ عَائِشَةَ رَأَتْ مَاءَ العُصْفُرِ) العُصفُر: نبات يُستعمل زهرُه: بهارات للطعام، ويصبغ به، يعطي اللون الأحمر والأصفر (فَقَالَتْ: كَأَنَّ هَذَا) الإشارة إلى ماء العصفر (شَيْءٌ كَانَتْ فُلاَنَةُ) الظاهر أنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم التي كانت تعتكف معه وهي مستحاضة (تَجِدُهُ) في زمان استحاضتها، أي ينزل منها دمٌ لونه كلون ماء العصفر.
قال ابن رجب: "وهذا الحديث: يدل على أن المستحاضة مِن أهل العبادات كالطاهرة، فكما أنها تصلي فإنها تصوم، وتعتكف، وتجلس في المسجد، وتقرأ القرآن، وتمس المصحف، وتطوف بالبيت؛ فإن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم غالبُه كانَ في شهر رمضان، فلو كانت المستحاضةُ كالحائض لا تصومُ لَمْ تعتكف، لا سيما على رأي مِن يقول: إن الاعتكافَ لا يصحُّ بغير صوم، وقد حكى إسحاق بن راهويه إجماعَ المسلمين على ذَلِكَ". انتهى
قال الشراح: "وإذا جاز للمستحاضة دخول المسجد، فكذلك دائم الحدث كمن به سلسُ البول، لكن يجب المحافظة على ألا يلوث المسجد.
الحديث انفرد به البخاري.
310 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ وَالصُّفْرَةَ وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي»
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد، أبو رجاء البغلاني (قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ) أبو معاوية، هذه طريق أخرى للحديث (عَنْ خَالِدٍ) الحذاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: «اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةٌ) مستحاضة (مِنْ أَزْوَاجِهِ، فَكَانَتْ تَرَى الدَّمَ) الأحمر (وَالصُّفْرَةَ) دم أصفر مثل الماء الذي يُغسلُ به اللحم (وَالطَّسْتُ تَحْتَهَا وَهِيَ تُصَلِّي)
في هذه الطريق التصريح بأن المرأة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها تصلي.
311 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ»
(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بن مسرهد، أبو الحسن البصري (قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ) بن سليمان بن طرخان، هذه طريق أخرى (عَنْ خَالِدٍ) الحذاء (عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ بَعْضَ أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ اعْتَكَفَتْ وَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ»)
ليس في هذه الطريق أنها فعلت ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم ولا في زمنه.
قال ابن رجب: "وهذه الروية ليسَ فيها تصريح برفعه، فإنه ليسَ فيها أن ذَلِكَ كانَ في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أنَّهُ كانَ معها.
وفي إسناده اختلاف أيضاً؛ فإن عبد الوهاب الثقفي رواه عَن خالد، عَن عكرمة، أن عائشة قالت.
وهذه الرواية تُشعر بأنَّهُ لَم يسمعه منها.
وروي عَن معتمر، عَن خالد، عَن عكرمة عَن ابن عباس، وهو وهم. قاله الدارقطني". انتهى
قال الدارقطني في العلل في هذا الحديث: "يَرْوِيهِ خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ:
فَرَوَاهُ يزيد بن زريع، ومعتمر، وخالد بن عبد الله، عن خالد الحذاء، عن عكرمة، عن عائشة.
وقال الثقفي -يعني عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي-: عن خالد، عن عكرمة، أن عائشة قالت.
وقيل: عن معتمر، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أن بعض أمهات المؤمنين كانت تعتكف مع النبي صلى الله عليه وسلم وهي تستحاض.
ذِكرُ ابنِ عباس فيه وهم من قائله، والأول هو الصواب". انتهى
والخلاصة صحة ما أخرجه البخاري على الوجه الذي أخرجه عليه مرفوعاً موصولاً. والله أعلم
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم