شرح صحيح البخاري ح(339-343)

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى


  • بَابُ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ

    339 - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي الحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَمَّارٌ: «بِهَذَا. وَضَرَبَ - شُعْبَةُ - بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا مِنْ فِيهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ» وَقَالَ النَّضْرُ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا، يَقُولُ: عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ الحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ.

    (بَابُ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالكَفَّيْنِ) أي أعضاء التيمم الوجه والكفان فقط، هذا المشروع فيه، والمجزئ به، وهو الصحيح، وكل ما ورد مما فيه زيادة على الكفين فضعيف.

    قال ابن حجر: "أَيْ هُوَ الْوَاجِبُ الْمُجْزِئُ، وَأَتَى بِذَلِكَ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ مَعَ شُهْرَةِ الْخِلَافِ فِيهِ لِقُوَّةِ دَلِيلِهِ، فَإِنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ لَمْ يَصِحَّ مِنْهَا سِوَى حَدِيثِ أَبِي جُهَيْمٍ، وَعَمَّارٍ، وَمَا عَدَاهُمَا فَضَعِيفٌ أَوْ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ، وَالرَّاجِحُ عَدَمُ رَفْعِهِ، فَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُهَيْمٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ مُجْمَلًا، وَأَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَوَرَدَ بِذِكْرِ الْكَفَّيْنِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَبِذِكْرِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي السُّنَنِ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى نِصْفِ الذِّرَاعِ، وَفِي رِوَايَةٍ إِلَى الْآبَاطِ. فَأَمَّا رِوَايَةُ الْمَرْفِقَيْنِ وَكَذَا نِصْفُ الذِّرَاعِ فَفِيهِمَا مَقَالٌ، وَأَمَّا رِوَايَةُ الْآبَاطِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنْ كَانَ ذَلِكَ وَقَعَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكُلُّ تَيَمُّمٍ صَحَّ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَعْدَهُ فَهُوَ نَاسِخٌ لَهُ، وَإِنْ كَانَ وَقَعَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَالْحُجَّةُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ.

    وَمِمَّا يُقَوِّي رِوَايَةَ الصَّحِيحَيْنِ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ كَوْنُ عَمَّارٍ كَانَ يُفْتِي بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ، وَرَاوِي الْحَدِيثِ أَعْرَفُ بِالْمُرَادِ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا سِيَّمَا الصَّحَابِيَّ الْمُجْتَهِدَ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الِاقْتِصَارِ عَلَى ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ فِي بَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى". انتهى

    (حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ) هو ابن المِنْهال.

    (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي الحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَمَّارٌ: «بِهَذَا) إشارة إلى سياق المتن السابق من رواية آدم عن شعبة، لكن ليس في رواية حجاج هذه قصة عمر.

    قال حجاج (وَضَرَبَ - شُعْبَةُ - بِيَدَيْهِ الأَرْضَ، ثُمَّ أَدْنَاهُمَا) أي قرّبهما (مِنْ فِيهِ) كناية عن النفخ (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ») أي إلى الرسغين.

    (وَقَالَ النَّضْرُ) ابن شميل. وصله مسلم (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، قَالَ: سَمِعْتُ ذَرًّا، يَقُولُ) في الرواية السابقة "عن ذر" فصرح في هذه بالسماع (عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ الحَكَمُ: وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ) وأفادت هذه أن الحَكَم سمعه من شيخ شيخه سعيد بن عبد الرحمن.

    قال في الفتح: "والظاهر أنه سمعه من ذر عن سعيد ثم لقي سعيدًا فأخذه عنه، وكأنه سماعه له من ذر كان أتقن، ولهذا أكثر ما يجيء في الروايات بإثباته". اهـ.

    (قَالَ) عبد الرحمن بن أبزى (قَالَ عَمَّارٌ) بن ياسر.

     

    340 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ شَهِدَ عُمَرَ وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ: «كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ، فَأَجْنَبْنَا»، وَقَالَ: «تَفَلَ فِيهِمَا»

    (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الأزدي الواشحي البصري قاضي مكة (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ شَهِدَ) أي حضر (عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنه (وَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ) بن ياسر كُنَّا فِي سَرِيَّةٍ) السرية: ‌قِطْعَةٌ مِنَ الْجَيْشِ تَخْرُجُ مِنْهُ تُغِيرُ وَتَرْجِعُ إِلَيْهِ (فَأَجْنَبْنَا) أي صرنا جنبًا الحديث السابق (وَقَالَ) مكان: "نفخ فيهما":تَفَلَ فِيهِمَا») أي في يديه.

    قال الجوهري: والتفل شبيه بالبزاق وهو أقل منه أوله البزاق ثم التفل ثم النفث ثم النفخ.

    وأكثر الرواية "نفخ"، وفسر ابن رجب التفل بالنفخ.

    341 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ: تَمَعَّكْتُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَكْفِيكَ الوَجْهَ وَالكَفَّيْنِ»

    (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ) العَبْدي (أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج (عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) وفي نسخة: "ابْنِ أَبْزَى" (قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ لِعُمَرَ) رضي الله عنهما (تَمَعَّكْتُ) أي تمرّغت (فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فذكرتُ له ذلك (فَقَالَ: «يَكْفِيكَ الوَجْهَ وَالكَفَّيْنِ») أي تمسح الوجه والكفّين.

    أي يكفيك في التيمم مسح الوجه والكفّين.

    قال ابن حجر: "وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْكَفَّيْنِ لَيْسَ بِفَرْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَنَقَلَهُ ابْنُ الْجَهْمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ، وَنَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ: رَوَاهُ أَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُ عَنِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ. قَالَ: وَهُوَ إِنْكَارٌ مَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ أَبَا ثَوْرٍ إِمَامٌ ثِقَةٌ. قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا فَهُوَ الْقَوِيُّ فِي الدَّلِيلِ. انْتَهَى كَلَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ.

    وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَيَانُ صُورَةِ الضَّرْبِ لِلتَّعْلِيمِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ بَيَانَ جَمِيعِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّيَمُّمُ. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ سِيَاقَ الْقِصَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَيَانُ جَمِيعِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ: "إِنَّمَا يَكْفِيكَ"، وَأَمَّا مَا اسْتُدِلَّ بِهِ مِنِ اشْتِرَاطِ بُلُوغِ الْمَسْحِ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ مُشْتَرَطٌ فِي الْوُضُوءِ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، فَهُوَ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ وَقَدْ عَارَضَهُ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ بِقِيَاسٍ آخَرَ، وَهُوَ الْإِطْلَاقُ فِي آيَةِ السَّرِقَةِ، وَلَا حَاجَةَ لِذَلِكَ مَعَ وُجُودِ هَذَا النَّصِّ.

     

    342 - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، قَالَ: شَهِدْتُ عُمَرَ، فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ، وَسَاقَ الحَدِيثَ.

     

    (حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ) بن إبراهيم الفراهيدي البصري (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: شَهِدْتُ) أي: حضرت (عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنه (فَقَالَ لَهُ عَمَّارٌ. وَسَاقَ الحَدِيثَ)

    المذكور قريبًا.

     

    343 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: «فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ».

    (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) بندار (قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ ذَرٍّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عَمَّارٌ: «فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الأَرْضَ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ»)

    قال الشراح: "وقد أخرج المؤلف هذا الحديث في هذا الباب من رواية ستة أنفس، وبينه وبين شعبة بن الحجاج في هذه الطريق الأخيرة اثنان، وفي الطرق الخمسة السابقة واحداً، ولم يسقه تامًّا من رواية واحد منهم، ولم يذكر جواب عمر رضي الله عنه وليس ذلك من المؤلف، فقد أخرجه البيهقي من طريق آدم كذلك.

    نعم ذكر جوابه مسلم من طريق يحيى بن سعيد والنسائي من طريق حجاج بن محمد كلاهما عن شعبة ولفظهما؛ فقال: لا تصل. زاد السراج: حتى تجد الماء، وهذا مذهب مشهور عن عمر وافقه عليه ابن مسعود، وجرت فيه مناظرة بين أبي موسى وابن مسعود تأتي إن شاء الله تعالى في باب التيمم ضربة". انتهى

    قال ابن رجب: «ولم يخرجه من هذا الطريق إلا من رواية شعبة، عن الحكم، عن ذر الهمداني، عن سعيد بن عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه، عن عمار.

    وقد ساق لفظه بتمامه في الباب الماضي، وأحال في هذا الباب على ما قبله، بقوله: "قال عمار بهذا" - يعني: بما سبق من سياق الحديث في الباب الماضي.

    ووصف شعبة التيمم المذكور في الحديث بفعله.

    وكرر البخاري في هذا الباب طرقه إلى شعبة، وبعضها تعليق؛ لما في ذلك من زيادة فائدة:

    ففي رواية سليمان بن حرب ومسلم بن إبراهيم، عن شعبة: تصريح عبد

    الرحمان بن أبزى بسماع هذا الحديث من عمار، ومخاطبته لعمر، وهذه فائدة جليلة»

    وفي رواية سليمان بن حرب، عن شعبة: أن النبي صلى الله عليه وسلم تفل في يديه لما ضرب بهما الأرض، والمراد بالتفل هنا: النفخ، كما في سائر الروايات.

    وفي رواية النضر بن شميل: أن الحكم سمع الحديث من ذر، عن سعيد ابن عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه، وسمعه - أيضا - من ابن عبد الرحمان ابن أبزى، عن أبيه، كما سمعه من ذر، عنه.

    وذكر البيهقي وغيره: أن ابن أبزى هو سعيد أيضاً.

    وقد ذكر البخاري رواية النضر تعليقاً، وأسندها مسلم عن إسحاق بن منصور، عنه.

    واتفقت رواياتهم على أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح وجهه وكفيه. وفي رواية محمد بن كثير، عن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار: "يكفيك الوجه والكفين".

    وخرجه مسلم من طريق يحيى القطان، عن شعبة، ولفظه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمار: "إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك الأرض، ثم تنفخ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك".

    قال الحكم: وحدثنيه ابن عبد الرحمان بن أبزى، عن أبيه بمثل حديث ذر. قال: وحدثني سلمة، عن ذر في هذا الإسناد الذي ذكر الحكم. انتهى.

    وذكر طريقاً آخر لشعبة والخلاف فيه.

    وقال: وقد اجمع العلماء على أن مسح الوجه واليدين بالتراب في التيمم فرض لا بد منه في الجملة؛ فإن الله تعالى يقول: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة:6]

    ولكن اختلفوا في قدر الفرض من ذلك:

    فأما الوجه:

    فمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء: أنه يجب استيعاب بشرته بالمسح بالتراب، ومسح ظاهر الشعر الذي عليه، وسواء كان ذلك الشعر يجب إيصال الماء إلى ما تحته كالشعر الخفيف الذي يصف البشرة، أم لا، هذا هو الصحيح.

    ثم ذكر الأقوال الأخرى.

    وأحسن ما قيل في هذا هو ما قاله يحيى بن يحيى:

    قال ابن رجب: قال الجوزجاني: ثنا إسماعيل بن سعيد الشالنجي، قال: سألت أحمد بن حنبل عمن ترك مسح بعضِ وجهه في التيمم؟ قال: يعيد الصلاة. فقلت له: فما بال الرأس يجزئ في المسح ولم يجز أن يترك ذلك من الوجه في التيمم؟ فقال: لم يبلغنا أن أحدا ترك ذَلكَ من تيممه.

    قَالَ الشالنجي: وقال أبو أيوبيعني: سليمان بن داود الهاشمي -: يجزئه في التيمم إن لم يصب بعض وجهه أو بعض كفيه؛ لأنه بمنزلة المسح على الرأس؛ إذا ترك منه بعضاً أجزأه.

    قال الجوزجاني: فذكرت ذلك ليحيى بن يحيى ـ يعني: النيسابوري ـ، فقال: المسح في التيمم كما يمسح الرأس، لا يتعمد لترك شيء من ذلك، فإن بقي شيء منه لم يُعِد، وليس هو عندي بمنزلة الوضوء.

    قال الجوزجاني: لم نسمع أحدا يتبع ذلك من رأسه في المسح ولا بين أصابعه في التيمم كما يتبع في الوضوء بالتخليل، فأحسن الأقاويل منها ما ذكره يحيى بن يحيى: ألا يتعمد ترك شيء من ذلك، فإن بقي شيء لم يعد. انتهى.

    قال ابن رجب: وظاهر هذا: يدل على أن مذهب سليمان بن داود ويحيى بن يحيى والجوزجاني: أنه إذا ترك شيء من وجهه ويديه في التيمم لم يعد الصلاة.

    ونقل حرب، عن إسحاق، أنه قال: تضرب بكفيك على الأرض ثم تمسح بهما وجهك، وتمر بيديك على جميع الوجه واللحية، أصاب ما أصاب وأخطأ ما أخطأ ثم تضرب مرة أخرى بكفيك.

    ومراد إسحاق: أنه لا يشترط وصول التراب إلى جميع أجزاء الوجه، كما يقوله من يقوله من الشافعية وغيرهم، حتى نص الشافعي: أنه لو بقي من محل الفرض شيء لا يدركه الطرف لم يصح التيمم". انتهى

    ثم ذكر الخلاف في اليدين.

    قال ابن المنذر:

    قالت طائفة: يبلغ به الوجه واليدين إلى الآباط، هكذا قال الزهري.

    وقالت طائفة: التيمم (ضربتين)-هكذا في المطبوع-؛ ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، هذا قول ابن عمر، والحسن، والشعبي، وسالم، وروي ذلك عن جابر. وقال النخعي: أعجب إلي أن يبلغ به إلى المرفقين، وهذا قول مالك، والليث، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وسفيان، والشافعي، وأصحاب الرأي. وقال أبو ثور: ضربتين أحب إلي.

    وقالت طائفة: التيمم (ضربتين) ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى الرسغين، روي هذا القول عن علي.

    وفيه قول رابع: وهو أن التيمم ضربة واحدة للوجه والكفين، وهذا قول عطاء، ومكحول، والشعبي.

    وروي ذلك عن ابن المسيب، والنخعي، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.

    واحتجت هذِه الفرقة بحجج، فأعلى ما احتجت به الأخبار الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على صحة هذا القول".

    وذكر حديث عمار هذا وغيره. وهو القول الحق فأدلته هي الصحيحة والأقوى.

     

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم