إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى
بَابٌ: الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ المُسْلِمِ، يَكْفِيهِ مِنَ المَاءِ
344- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّا أَسْرَيْنَا حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَقَعْنَا وَقْعَةً، وَلاَ وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا، فَمَا أَيْقَظَنَا إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلاَنٌ، ثُمَّ فُلاَنٌ، ثُمَّ فُلاَنٌ - يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ فَنَسِيَ عَوْفٌ ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ الرَّابِعُ - وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ، لِأَنَّا لاَ نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ وَكَانَ رَجُلًا جَلِيدًا، فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ، قَالَ: «لاَ ضَيْرَ - أَوْ لاَ يَضِيرُ - ارْتَحِلُوا»، فَارْتَحَلَ، فَسَارَ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالوَضُوءِ، فَتَوَضَّأَ، وَنُودِيَ بِالصَّلاَةِ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَلَمَّا انْفَتَلَ مِنْ صَلاَتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مُعْتَزِلٍ لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ: «مَا مَنَعَكَ يَا فُلاَنُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟» ... الحديث.
(بَابٌ: الصَّعِيدُ) الصعيد: اسم لما تصاعد على وجه الأرض، أي من أجزائها؛ كالتراب والحجارة والرمل وما شابه، كلها يجوز التيمم بها، قال أبو عبيدة: الصعيد: وجه الأرض (الطَّيِّبُ) الطاهر (وَضُوءُ المُسْلِمِ، يَكْفِيهِ مِنَ المَاءِ) أي: يغنيه عند عدمه.
ويصير المسلم به طاهراً كما يصير طاهراً بالماء، فيصلي به إلى أن يحدِث، أو يجد الماء.
وهذا الذي قاله البخاري ورد فيه حديث ضعيف من حديث أبي ذر.
أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورُ الْمُسْلِم، وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ".
قال الترمذي: وَقَالَ مَحْمُودٌ فِي حَدِيثِهِ: "إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ".
في سنده عمرو بن بُجْدان الراوي عن أبي ذر، مجهول.
وَقَالَ الْحَسَنُ يُجْزِئُهُ التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى السَّبَخَةِ وَالتَّيَمُّمِ بِهَا.
(وَقَالَ الحَسَنُ) البصري («يُجْزِئُهُ) أي يكفيه (التَّيَمُّمُ مَا لَمْ يُحْدِثْ»).
أخرجه عبد الرزاق بإسناد صحيح.
وصح عنه من طرق عند سعيد بن منصور والطبري وغيرهما قوله: "التيمم بمنزلة الوضوء".
ورواه الطبري عن عطاء بن أبي رباح.
وفي مصنف حماد بن سلمة عن يونس عن عُبيد عن الحسن قال: "يصلي الصلوات كلَّها بتيمم واحد، مثلَ الوضوء ما لم يحدث".
وَقَالَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ثَنَا هشيم عَن يُونُس عَن الْحسن قَالَ: "لَا ينْقض التَّيَمُّم إِلَّا الْحَدث".
وأخرج الطبري عنه قال: كان الرجلُ يُصَلِّي الصَّلواتِ كلَّها بوُضوءٍ واحدٍ ما لم يُحْدِثُ، وكذلك المُتَيمِّمُ".
وصح عن الزهري، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه وسعيد بن المسيب، وغيرهم من السلف.
قال ابن المنذر: اختلف أهل العلم في الرجل يصلي الصلاتين أو الصلوات بتيمم واحد، فقالت طائفة: يتيمم لكل صلاة، روي هذا القول عن علي، وابن عمر، وابن عباس، والنخعي، وقتادة، والشعبي، وبه قال ربيعة، ويحيى الأنصاري، ومالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال: وقالت طائفة: يصلي بالتيمم الصلوات ما لم يحدث.
هذا قول الحسن، وابن المسيب، والزهري، وروي ذلك عن ابن عباس، وأبي جعفر. وبه قال سفيان الثوري، وأصحاب الرأي، ويزيد بن هارون.
وقال: وفيه قول ثالث: وهو أن من صلى الصلوات في أوقاتها يتيمم لكل صلاة وإذا فاتته صلوات تيمم وصلاها كلها بذلك التيمم، هذا قول أبي ثور.
قال أبو بكر: أما حديث علي وابن عباس فغير ثابت عنهما، وحديث ابن عمر أحسنها إسنادًا.
وذكر حجة من قال بقول الحسن البصري.
وقال: "إِذَا صَحَّتِ النَّوَافِلُ بِالتَّيَمُّمِ الْوَاحِدِ صَحَّتِ الْفَرَائِضُ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُشْتَرَطُ لِلْفَرَائِضِ مُشْتَرَطٌ لِلنَّوَافِلِ إِلَّا بِدَلِيلٍ. انْتَهَى.
وقد أشبع ابن تيمية القول فيها وتكلم بكلام حسن انظروه في مجموع الفتاوى (21/ 352).
ومما قاله رحمه الله: وَلَنَا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ: أَنَّ التُّرَابَ طَهُورٌ كَمَا أَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ. وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم "الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهُورُ الْمُسْلِمِ وَلَوْ لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ، فَإِذَا وَجَدْت الْمَاءَ فأمسه بَشَرَتَك فَإِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ" فَجَعَلَهُ مُطَهِّرًا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ مُطْلَقًا.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ لِلْمُتَيَمِّمِ وَإِذَا كَانَ قَدْ جَعَلَ الْمُتَيَمِّمَ مُطَهَّرًا كَمَا أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ مُطَهَّرٌ وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِوَقْتِ وَلَمْ يَقُلْ إنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ يُبْطِلُهُ كَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ يُبْطِلُهُ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَهُوَ مُوجَبُ الْأُصُولِ.
فَإِنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ عَنْ الْمَاءِ وَالْبَدَلُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُبْدَلِ فِي أَحْكَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُمَاثِلًا لَهُ فِي صِفَتِهِ.
وقال: فَإِنْ قِيلَ: الْوُضُوءُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَالتَّيَمُّمُ لَا يَرْفَعُهُ؟ قِيلَ: عَنْ هَذَا جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَوْ لَا يَرْفَعُهُ فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَهُ طَهُورًا عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ يَقُومُ مَقَامَهُ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ مِنْ أَحْكَامِ الطَّهَارَةِ مَا يَثْبُتُ لِلْمَاءِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: قَوْلُ الْقَائِلِ يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَوْ لَا يَرْفَعُهُ لَيْسَ تَحْتَهُ نِزَاعٌ عَمَلِيٌّ وَإِنَّمَا هُوَ نِزَاعٌ اعْتِبَارِيٌّ لَفْظِيٌّ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ قَالُوا: لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ قَالُوا: لَوْ رَفَعَهُ لَمْ يُعِدْ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ يَبْطُلُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ.
وَاَلَّذِينَ قَالُوا: يَرْفَعُ الْحَدَثَ إنَّمَا قَالُوا بِرَفْعِهِ رَفْعًا مُؤَقَّتًا إلَى حِينِ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَلَمْ يَتَنَازَعُوا فِي حُكْمٍ عَمَلِيٍّ شَرْعِيٍّ وَلَكِنَّ تَنَازُعَهُمْ يَنْزِعُ إلَى قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِمَسْأَلَةِ تَخْصِيصِ الْعِلَّةِ، وَأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ هَلْ تَنْخَرِمُ بِالْمُعَارَضَةِ، وَأَنَّ الْمَانِعَ الْمُعَارِضَ لِلْمُقْتَضِي هَلْ يَرْفَعُهُ أَمْ لَا يَرْفَعُهُ اقْتِضَاؤُهُ مَعَ بَقَاءِ ذَاتِهِ..". انتهى المراد.
(وَأَمَّ ابْنُ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما (وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ) من كان متوضئًا.
وصله ابن أبي شيبة وابن المنذر والبيهقي وغيرهم من طريق جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير.
هذا يدل على أن المتيمم كامل الطهارة، وله أن يؤم المتوضأ.
قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم أن لمن تطهر بالماء أن يؤم المتيممين.
واختلفوا في إمامة المتيمم المتطهرين بالماء.
فقالت طائفة: ذلك جائز؛ إذ لا فرق بين الطهارتين في أن كل واحد منهما طهارة كاملة، وفعل ذلك ابن عباس وهو جنب متيمم، وخَلْفه عمار في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والزهري، وحماد، ومالك، وسفيان، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان، ويعقوب. واحتج أحمد بفعل ابن عباس.
وكره طائفة أن يؤم المتيمم المتوضئ، روي هذا القول عن عطاء.
وأخرج عن علي بسند ضعيف أنه كره أن يصلي المتيمم بالمتوضئ.
وروى عن ابن عمر، من طريق العلاء بن الحارث الحضرمي، قال: حدثني نافع قال: صحبت ابن عمر في سفر، فأصابت ابن عمر جنابة ولم يقدر على ماء فتيمم، وأمرني أن أصلي بهم وكان يؤمنا.
وبه قال عطاء، وقال ربيعة: إن كان جنبًا، أو جاء من الغائط، لم يؤم أصحابه وإن كان إمامهم، إلا أن يكونوا في الجنابة مثله، وكذلك قال يحيى الأنصاري. وكره النخعي أن يؤمهم. وقال محمد بن الحسن: لا يؤمهم، بلغنا ذلك عن علي.
وقد روينا عن الأوزاعي قولًا ثالثًا: قال: لا يؤمهم إلا أن يكونوا في التيمم مثله، إلا أن يكون أميرًا مؤمرًا، فإن كانت إمامته على غير تأمير أمهم المتوضئ.
قال أبو بكر-هو ابن المنذر-: يؤمهم المتيمم؛ إذ لا فرق بين الطهارتين، وحديث علي لا يثبت، ولو ثبت لاحتمل أن يكون كره ذلك، ولو فعله فاعل أجزأه، وقد فعل ذلك ابن عباس. انتهى
(وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) الأنصاري: («لاَ بَأْسَ بِالصَّلاَةِ عَلَى السَّبَخَةِ) الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت (وَ) كذا (التَّيَمُّمِ بِهَا»).
لم يخرّجه الحافظ.
أخرجه سحْنُون -بضم السين وفتحها- في المدونة، قال: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ قَالَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ: لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الصَّفَا وَفِي السَّبَخَةِ، وَلَا بَأْسَ بِالتَّيَمُّمِ بِهِمَا إذَا لَمْ يُوجَدْ تُرَابٌ، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ التُّرَابِ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ: مَا حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْأَرْضِ فَهُوَ مِنْهَا. انتهى
وابن وهب ثقة، ومعاوية يحتج به.
قال ابن عبد البر: وجماعةُ العُلماءِ على إجازَةِ التَّيمُّم بالسِّباخ، إلّا إسحاقَ بن راهُويه، فإنَّهُ قال: لا يُتَيمَّمُ بتُرابِ السَّبَخةِ.
وقال ابن المنذر: ذِكر التيمم بتراب السَّبَخة
قال تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا}.
وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وجعلت تربتها لنا طهورًا"، فالتيمم بكل تراب جائز سِباخًا كان أو غيرَه.
وهذا قول مالك، والأوزاعي، والشافعي.
وقال الوليد بن مسلم، ومما يبين ذلك أن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وبقباء وما بينهما من مساجده في سبخة.
وفيه قول ثان: وهو أن ما كان مثل الجص، والنورة، وتراب السبخة؛ لا يتيمم به، هكذا قال إسحاق.
قال أبو بكر: وبالقول الأول أقول؛ لأن تراب السبخة داخل في جملة قوله عليه السلام: "وجعلت تربتها لنا طهورًا"، غير خارج منه بحجة. انتهى
قال ابن حجر: "وَاحْتَجَّ ابْنُ خُزَيْمَةَ لِجَوَازِ التَّيَمُّمِ بِالسَّبَخَةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي شَأْنِ الْهِجْرَةِ أَنَّهُ قَالَ صلى الله عليه وسلم أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ سَبِخَةً ذَاتَ نَخْلٍ يَعْنِي الْمَدِينَةَ قَالَ: وَقَدْ سَمَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمَدِينَةَ طَيِّبَةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ السَّبَخَةَ دَاخِلَةٌ فِي الطَّيِّبِ، وَلَمْ يُخَالِفُ فِي ذَلِكَ إِلَّا إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ".
(حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بن مُسرهد.
(قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) القطان.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ) ابن أبي جميلة الأعرابي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ) عِمران العُطارِدي. قيل ابن مِلْحان، وقيل غير ذلك في اسم أبيه، مشهور بكنيته. تابعي مُخَضرم ثقة. أسلمَ بعد الفتح، مُعَمَّر، مات سنة خمس ومائة، وله مائةٌ وعشرون سنة، وقيل غير ذلك في سنه. روى له الجماعة.
(عَنْ عِمْرَانَ) بن حُصين بن عُبيد بن خَلَف الخزاعي، أبو نُجيد. كان قاضيًا بالبصرة والكوفة، أسلم عام خيبر، صحابي فقيه فاضل، قال أبو نعيم: كان مجاب الدعوة.
قال ابن عبد البر: "كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، يقول عنه أهل البصرة أنه كان يرى الحفظة وكانت تكلمه حتى اكتوى".
قال ابن سيرين: أفضل من نزل البصرة من الصحابة عمران، وأبو بكرة، وكان الحسن يحلف أنه ما قدم البصرة والسّرو خير لهم من عمران. أخرجه أحمد في «الزّهد» عن سفيان، قال: كان الحسن يقول نحوه. وكان قد اعتزل الفتنة فلم يقاتل فيها.
مات سنة اثنتين وخمسين، وله في البخاري اثنا عشر حديثًا. روى له الجماعة.
(قَالَ: كُنَّا فِي سَفَرٍ) أي: عند رجوعهم من خيبر كما في مسلم (مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِنَّا أَسْرَيْنَا) قال الجوهري: تقول سريت وأسريت بمعنى إذا سِرْتَ ليلاً (حَتَّى كُنَّا فِي آخِرِ اللَّيْلِ) "قبيل الصبح" كما في مسلم، وفي رواية أخرى في الصحيحين من رواية سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ العُطارِدي عن أبي رجاء: "حَتَّى إِذَا كَانَ فِي وَجْهِ الصُّبْحِ" أو " حَتَّى إِذَا كَانَ وَجْهُ الصُّبْحِ"، أي قبل طلوع الفجر بقليل (وَقَعْنَا وَقْعَةً) أي: نمنا نومة (وَلاَ وَقْعَةَ أَحْلَى عِنْدَ المُسَافِرِ مِنْهَا) أي من الوقعة في آخر الليل (فَمَا أَيْقَظَنَا) من نومنا (إِلَّا حَرُّ الشَّمْسِ) ففاتتهم صلاة الفجر (وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ فُلاَنٌ) هو أبو بكر، كما في رواية سَلْم بن زَرير في الصحيحين (ثُمَّ فُلاَنٌ، ثُمَّ فُلاَنٌ) رجال (يُسَمِّيهِمْ أَبُو رَجَاءٍ، فَنَسِيَ) أسماءهم (عَوْفٌ) الأعرابي، ولم يذكرهم سَلْم بن زَرير في روايته (ثُمَّ) استيقظ بعدهم (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ) رضي الله عنه (الرَّابِعُ) وأيقظ الناسُ بعضَهم بعضًا (وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَامَ لَمْ يُوقَظْ) أي لم يوقظه أحدٌ من نومه (حَتَّى يَكُونَ هُوَ يَسْتَيْقِظُ) بنفسه (لِأَنَّا لاَ نَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُ فِي نَوْمِهِ) أي من الوحي، وكانوا يخافون انقطاعه بالإيقاظ (فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ وَرَأَى مَا أَصَابَ النَّاسَ) من نومهم عن صلاة الصبح حتى خرج وقتها وهم على غير ماء (وَكَانَ) عمر (رَجُلًا جَلِيدًا) من الجَلادة وهي الصلابة (فَكَبَّرَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ، فَمَا زَالَ يُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالتَّكْبِيرِ حَتَّى اسْتَيْقَظَ بِصَوْتِهِ) أي بسبب صوته (النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).
استشكل هذا مع قوله عليه الصلاة والسلام "إن عيني تنامان ولا ينام قلبي".
وأجيب: بأن القلب إنما يدرك الحسيَّات المتعلقة به كالألم ونحوه، ولا يدرك ما يتعلق بالعين؛ لأنها نائمة والقلب يقظان.
(فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ) عليه الصلاة والسلام (شَكَوْا إِلَيْهِ الَّذِي أَصَابَهُمْ) مما ذُكر (قَالَ) عليه الصلاة والسلام تأنيسًا لقلوبهم لما عرض لها من الأسف على خروج الصلاة عن وقتها («لاَ ضَيْرَ - أَوْ لاَ يَضِيرُ -) أَيْ لَا ضَرَرَ عَلَيْكُمْ فِي هَذَا النَّوْمِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ بِهِ. والضَيْر والضُرُّ واحد، يقال: ضَارَهُ يَضِيرُهُ ضَيْراً، مثل: ضَرَّه يَضُرُّه ضَرّاً. والشك من عوف كما صرّح به البيهقي.
قال الشراح: "أي لا يضركم ذلك عند الله، ولا يؤاخذكم به.
الضُرَّ، والضَرّ، والضِّرار، والضَّرر، والضَّير؛ بمعنى.
قال العلماء: وإنما قال ذلك لتأنيس قلوبهم؛ لما عَرَض لهم من الأسف على فوات الصلاة من وقتها؛ لأنهم لم يتعمدوا ذلك.
فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (ارْتَحِلُوا») فسر علماء اللغة الارتحال بالانتقال، وبالسير والمضي، وقال ابن فارس: "(رَحَلَ) الرَّاءُ وَالْحَاءُ وَاللَّامُ أَصْلٌ وَاحِدٌ يَدُلُّ عَلَى مُضِيٍّ فِي سَفَرٍ". انتهى
والمقصود هنا: "انتقلوا عن هذا المكان"، ففي حديث آخر: قال: "تحولوا عن مكانكم". (فَارْتَحَلَ) أي النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه، بعد أمره عليه الصلاة والسلام بذلك.
وأصح ما قيل في تعليل الارتحال أنه بسبب حضور الشيطان ذاك المكان، وهذا أمر لا يعلمه إلا النبي صلى الله عليه وسلم.
ففي صحيح مُسلم زيادة: "فَإِن هَذَا منزل حَضَرنَا فِيهِ الشَّيْطَان".
قَالَ ابن رَشِيق: قد علله النَّبِي صلى الله عليه وسلم بذلك، وَلَا يعلم ذَلِك إِلَّا هُوَ". انتهى
(فَسَارَ) عليه الصلاة والسلام ومن معه (غَيْرَ بَعِيدٍ) عن المكان الذي ناموا فيه، وفي رواية مسلم زيادة: "فَسَارَ بِنَا حَتَّى إِذَا ابْيَضَّتِ الشَّمْسُ" (ثُمَّ نَزَلَ فَدَعَا بِالوَضُوءِ فتوضأ) صلى الله عليه وسلم وأصحابُه (ونُودِيَ بالصَّلاةِ) وفي حديث أبي قتادة الآتي برقم 595 قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: "قم فأذن بالناس بالصلاة" (فَصَلَّى) النبي صلى الله عليه وسلم (بِالنَّاسِ فَلَمَّا انفَتَلَ) أي انصرف (مِنْ صَلاَتِهِ إِذَا هُوَ بِرَجُلٍ) قال ابن حجر: "هذا الرجل لم يسم، ووهم من زعم أنه خلاد بن رافع".
(مُعْتَزِلٍ) أي منفرد عن الناس (لَمْ يُصَلِّ مَعَ القَوْمِ، قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم («مَا مَنَعَكَ يَا فُلاَنُ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ القَوْمِ؟» قَالَ: أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلاَ مَاءَ) أي ولا يوجد ماء لأغتسل به.
(قَالَ) عليه الصلاة والسلام («عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ) المذكور في الآية الكريمة {فتيمموا صعيدًا طيبًا} وفي رواية سَلْم بن زَرير عند مسلم: "فأمره أن يتيمم بالصعيد" (فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ») من الماء، وهذا الشاهد من الحديث.
قال ابن رجب: فيه دليل على التيمم للجنابة كالتيمم للحدث الأصغر، ودليل على أن عادم الماء يكفيه الصعيد من الماء.
ولهذه الكلمة خرج البخاري هذا الحديث في هذا الباب، وجعله دليلا له على إقامة التيمم مقام الطهارة بالماء عند عدم الماء، فيؤخذ من هذا أنه يصلي به كما يصلي بالماء، كما هو اختيار البخاري ومن قال بقوله من العلماء". انتهى
وهذا يفيد أن التيمم مشروع للجنب أيضاً.
قال ابن عبد البر: فلمّا بيَّن رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم مُرادَ ربِّهِ من معنى آيةِ الوُضُوءِ، بأنَّ الجُنُبَ داخِلٌ فيمن قُصِدَ بالتَّيمُّم، عِندَ عدَم الماءِ، بقولِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] تعلَّق العُلماءُ بهذا المعنى، ولم يُعرِّجُوا على قَولِ عُمرَ وابنِ مسعُودٍ، وليسَ أحدٌ من خَلْقِ الله إلّا ويُؤخَذُ من قولِهِ ويُتركُ، إلّا رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم، فيما يصِحُّ عنهُ. انتهى
(ثُمَّ سَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَاشْتَكَى إِلَيْهِ النَّاسُ مِنَ العَطَشِ، فَنَزَلَ) عليه الصلاة والسلام (فَدَعَا فُلاَنًا) هو عمران بن حصين رضي الله عنه كما دلّ عليه رواية سَلْمِ بْنِ زَرِيرٍ عند مسلم (كَانَ يُسَمِّيهِ أَبُو رَجَاءٍ) العُطاردي (نَسِيَهُ عَوْفٌ) الأعرابي (وَدَعَا عَلِيًّا) يعني عليَّ بنَ أبي طالب رضي الله عنه (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام لهما («اذْهَبَا فَابْتَغِيَا المَاءَ») أي: اطلبا الماء (فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً) قال ابن حجر: " لم أقف على اسم هذه المرأة" (بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ) تثنية مَزادة: القربة الكبيرة، وسميت بذلك؛ لأنه يُزاد فيها جلد آخر من غيرها (أَوْ سَطِيحَتَيْنِ) تثنية سَطِيحة، بمعنى المزادة، والشك من الراوي وهو عوف.
قال ابن حجر بعد أن فسر المزادة: "وَتُسَمَّى أَيْضًا السَّطِيحَةَ، وَ "أَوْ" هُنَا شَكٌّ مِنْ عَوْفٍ؛ لِخُلُوِّ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْهَا، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ: "فَإِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ - أَيْ مُدَلِّيَةٍ - رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ".
وَالْمُرَادُ بِهِمَا الرَّاوِيَةُ". انتهى (مِنْ مَاءٍ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا) يعني وجدا امرأةً راكبةً على بعير، ومعها قربتان كبيرتان فيهما ماء.
(فَقَالاَ لَهَا: أَيْنَ المَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ) يعني أن الماء بعيد جداً عنهم، وفي رواية ستأتي إن شاء الله، قال عمران: "وَجَعَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَكُوبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَقَدْ عَطِشْنَا عَطَشًا شَدِيدًا، فَبَيْنَمَا نَحْنُ نَسِيرُ، إِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ سَادِلَةٍ رِجْلَيْهَا بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، فَقُلْنَا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ فَقَالَتْ: إِنَّهُ لَا مَاءَ، فَقُلْنَا: كَمْ بَيْنَ أَهْلِكِ وَبَيْنَ الْمَاءِ؟ قَالَتْ: يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ"، وقالت المرأة: (وَنَفَرُنَا) أي رجالنا (خُلُوفاً) أي غائبين، أو خرج رجالهم للاستقاء وخلَّفوا النساء، أو غابوا وخلَّفوهن (قَالاَ لَهَا: انْطَلِقِي، إِذًا. قَالَتْ: إِلَى أَيْنَ؟ قَالاَ: إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَتْ: الَّذِي يُقَالُ لَهُ الصَّابِئُ) بالهمزة من صبأ، أي: خرج من دين إلى آخر (قَالاَ: هُوَ الَّذِي تَعْنِينَ) أي هو الشخص الذي تريدين.
قال الشراح: فِيهِ أَدَبٌ حَسَنٌ، وَلَوْ قَالَا لَهَا: "لَا" لَفَاتَ الْمَقْصُودُ، أَوْ "نَعَمْ" لَمْ يَحْسُنْ بِهِمَا؛ إِذْ فِيهِ تَقْرِيرٌ ذَلِكَ، فَتَخَلَّصَا أَحْسَنَ تَخَلُّصٍ.
قال ابن حجر: "وَفِيهِ جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِالْأَجْنَبِيَّةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ ".
قوله: "على مثل هذه الحالة"؛ يعني عند تعددهما، وأمن الفتنة".
فالخلوة الممنوعة أن يخلو رجل واحد بامرأة، أو خوف الفتنة.
وقالوا: "ولم يزجراها عن هذا الكلام لأنها مشركة جاهلة، وليس لذلك فائدة في الحال". انتهى
(فَانْطَلِقِي) معنا إليه (فَجَاءَا) علي وعمران رضي الله عنهما (بِهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَدَّثَاهُ الحَدِيثَ) الذي كان بينهما وبينها (قَالَ) عمران بن الحصين (فَاسْتَنْزَلُوهَا عَنْ بَعِيرِهَا) أي طلبوا منها النزول عنه (وَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِنَاءٍ، فَفَرَّغَ) عليه الصلاة والسلام (فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ المَزَادَتَيْنِ - أَوْ سَطِيحَتَيْنِ) أي أفرغ من أفواههما. والشك من الراوي (وَأَوْكَأَ) أي ربط (أَفْوَاهَهُمَا، وَأَطْلَقَ) أي فتح (العَزَالِيَ) جمع عَزْلاء، أي: فم المزادتين الأسفل؛ وهي عُروتها -أي فتحتها- التي يخرج منها الماء بسعة، ولكل مزادة عَزْلاوان من أسفلها.
في مطالع الأنوار: قوله: "مِثل العَزَالِي" بكسر اللام، و"أَطْلَقَ العَزَالِيَ" و"أَرْسَلَتِ السَّمَاءُ عَزَالِيَهَا"، و"عَزْلَاءِ شَجْبٍ"؛ كل هذا: فم المزادة الأسفل الذي يُصبُّ منه الماءُ عند تفريغها، الواحدةُ: عَزْلاء، وجمعه: عَزَالِي، وتثنيته: عَزْلَاوَانِ، والمزادة الراوية". انتهى
(وَنُودِيَ فِي النَّاسِ: اسْقُوا) غيركم؛ كالدواب (وَاسْتَقُوا) أنتم لأنفسكم
قال الشراح: «والفرق بين السقي والاستقاء: أن السقي لغيره، والاستقاء لنفسه، وأسقيته لماشيته». انتهى (فَسَقَى مَنْ شَاءَ وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ، وَكَانَ آخِرُ ذَاكَ أَنْ أَعْطَى الَّذِي أَصَابَتْهُ الجَنَابَةُ إِنَاءً مِنْ مَاءٍ، قَالَ) أي النبي صلى الله عليه وسلم للذي أصابته الجنابة («اذْهَبْ فَأَفْرِغْهُ عَلَيْكَ») هذا هو القدر الواجب في الغسل، هذا يدل عليه، ليس فيه مضمضة ولا استنشاق ولا وضوء.
(وَهِيَ) أي المرأة (قَائِمَةٌ تَنْظُرُ إِلَى مَا يُفْعَلُ بِمَائِهَا) قيل: إنما أخذوها واستجازوا أخذ مائها لأنها كنت كافرة حربية، وعلى تقدير أن يكون لها عهد فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عوض، وإلا فنفس الشارع تفدى بكل شيء على سبيل الوجوب (وَايْمُ اللَّهِ) قال الحافظ: "أَصْلُهُ: ايْمُنُ اللَّهِ، وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ لِلْقَسَمِ هَكَذَا، ثُمَّ حُذِفَتْ مِنْهُ النُّونُ تَخْفِيفًا، وَأَلِفُهُ أَلِفُ وَصْلٍ مَفْتُوحَةٌ، وَلَمْ يَجِئْ كَذَلِكَ غَيْرُهَا، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، وَالتَّقْدِيرُ: ايْمُ اللَّهِ قَسَمِي.
وَفِيهَا لُغَاتٌ، جَمَعَ مِنْهَا النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ سَبْعَ عَشْرَةَ، وَبَلَغَ بِهَا غَيْرُهُ عِشْرِينَ، وَسَيَكُونُ لَنَا إِلَيْهَا عَوْدَةٌ لِبَيَانِهَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ التَّوْكِيدِ بِالْيَمِينِ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ.
(لَقَدْ أُقْلِعَ عَنْهَا) أي كف عن القِربة (وَإِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْنَا أَنَّهَا أَشَدُّ مِلْأَةً) أي امتلاء (مِنْهَا حِينَ ابْتَدَأَ فِيهَا) أي انتهى منها وهم يَظُنُّونَ أَنَّ مَا بَقِيَ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ أَكْثَرُ مِمَّا كَانَ فيها قبل استعماله لها.
قال الشراح: وهذا من أعظم آياته وباهر دلائل نبوّته حيث توضؤوا وشربوا وسقوا واغتسل الجنب، بل في رواية سلم بن زرير: أنهم ملأوا كل قربة كانت معهم مما سقط من العَزَالي، وبقيت المزادتان مملوءتين، بل تخيل الصحابة أن ماءها أكثر مما كان أولاً. انتهى
وهذا يدخل في دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم، وهي كثيرة، وأعظمها القرآن، ألف فيها البيهقي كتاباً كبيراً، فيه الصحيح والضعيف، طبع في سبع مجلدات، وللفريابي وأبي نعيم الأصبهاني وقوام السنة والمستغفري وغيرهم كتباً فيها، ولشيخنا الوادعي "الصحيح المسند من دلائل النبوة" اقتصر فيه على الصحيح عنده، أنصح به ففيها فوائد طيبة.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) لأصحابه («اجْمَعُوا لَهَا») شيئا مما معكم من الطعام (فَجَمَعُوا لَهَا مِنْ بَيْنِ عَجْوَةٍ) تمر، قال الجوهري: والعجوة: ضرب من أجود التمر بالمدينة، ونخلتها تسمَّى: لِينَة. انتهى (وَدُقَيِّقَةٍ وَسُوَيّقَةٍ) هكذا ضبطت، قال الحافظ: "وَالسَّوِيقَةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَذَا الدَّقِيقَةُ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: بِضَمِّهَا مُصَغَّرًا مُثَقَّلًا". انتهى
والسُّويّقة قطعة من السَّويق قليلة، والسويق: طَعَام يتَّخذ من مدقوق الْحِنْطَة وَالشعِير. تقدم.
الدُقَيِّقَةٍ قطعة من الدقيق قليلة.
قال ابن سِيده: "والقِطْعة من السَّويق: سَوِيقة".
وقال قِوام السنة الأصبهاني في دلائل النبوة: "وَالْهَاءُ فِي دُقَيِّقَةٍ وَسُوَيّقَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْقِلَّةِ، أَيْ قِطْعَةٌ مِنَ الدَّقِيقِ قَلِيلَةٌ، وَكَذَلِكَ السَّوَيْقُ". انتهى
(حَتَّى جَمَعُوا لَهَا طَعَامًا) "كثيرا" كما في رواية عند أحمد وابن حبان.
والطعام في اللغة: ما يؤكل، قال الجوهري: "وربما خُصَّ الطعام بالبرّ". انتهى.
وليس مقصود هنا، بل المقصود ما يؤكل، وهو يدل على أنهم يطلقون الطعام على غير البر. (فَجَعَلُوهَا) أي الأنواع المجموعة. وفي رواية: "فجعلوه"؛ أي: الطعام الذي جمعوه (فِي ثَوْبٍ، وَحَمَلُوهَا) أي المرأة (عَلَى بَعِيرِهَا، وَوَضَعُوا الثَّوْبَ) بما فيه (بَيْنَ يَدَيْهَا) أي: قُدّامها على البعير (قَالَ لَهَا) رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي نسخة: "قالوا لها" أي: الصحابة بأمره صلى الله عليه وسلم («تَعْلَمِينَ) أي: اعلمي (مَا رَزِئْنَا) أي ما نقصنا (مِنْ مَائِكِ شَيْئًا) أي: فجميع ما أخذناه من الماء مما زاده الله وأوجده. ويؤيده قوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَسْقَانَا) أي: سقانا.
فما جمعوه لها ليس عوضا عن ماء أخذوه منها، ولكنه إحسان؛ لأنهم حبسوها.
قال الحافظ: "وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ فِيهَا النَّجَاسَةَ.
وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي أَعْطَاهَا لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْعِوَضِ عَنْ مَائِهَا بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّكَرُّمِ وَالتَّفَضُّلِ".
(فَأَتَتْ أَهْلَهَا) أي فرجعت المرأة إلى أهلها (وَقَدِ احْتَبَسَتْ عَنْهُمْ) أي وكانت قد تأخرت عن الرجوع إليهم (قَالُوا) أي أهلها (مَا حَبَسَكِ يَا فُلاَنَةُ، قَالَتْ: العَجَبُ) أي حبسني العجب، ففسرته بقولها: (لَقِيَنِي رَجُلاَنِ، فَذَهَبَا بِي إِلَى هَذَا) الرجل (الَّذِي يُقَالُ لَهُ: الصَّابِئُ، فَفَعَلَ كَذَا وَكَذَا، فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَأَسْحَرُ النَّاسِ) أقواهم سحراً، وأعلمهم به (مِنْ بَيْنِ هَذِهِ وَهَذِهِ، وَقَالَتْ) أَيْ أَشَارَتْ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ (بِإِصْبَعَيْهَا الوُسْطَى) وهي الأصبع الثالثة (وَالسَّبَّابَةِ) أصبع التشهد، سميت سبابة؛ لأنهم يشيرون بها عند السب (فَرَفَعَتْهُمَا إِلَى السَّمَاءِ – تَعْنِي) المرأة: (السَّمَاءَ وَالأَرْضَ - أَوْ إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ) صلى الله عليه وسلم (حَقًّا) على الشك منها، فما حصل منه عندها إما أنه سحر عظيم، أو آية تدل على أنه رسول (فَكَانَ المُسْلِمُونَ بَعْدَ ذَلِكَ يُغِيرُونَ) مِنْ أَغَارَ، أَيْ دَفَعَ الْخَيْلَ فِي الْحَرْبِ، قال صاحب المشارق: " أصل الإغارة: الدّفع على الْقَوْم لاستلاب أَمْوَالهم ونفوسهم". انتهى (عَلَى مَنْ حَوْلَهَا مِنَ المُشْرِكِينَ، وَلاَ يُصِيبُونَ الصِّرْمَ الَّذِي هِيَ مِنْهُ) الصِّرم: أبيات مُجْتَمِعَةٌ مِنَ النَّاسِ (فَقَالَتْ) المرأة (يَوْمًا لِقَوْمِهَا: مَا أُرَى) أي ما أظن (أَنَّ هَؤُلاَءِ القَوْمَ يَدْعُونَكُمْ) يتركونكم ولا يُغِيرون عليكم (عَمْدًا) لا جهلاً ولا نسيانًا ولا خوفًا منكم، بل مراعاة لما سبق بيني وبينهم (فَهَلْ لَكُمْ فِي الإِسْلاَمِ؟) أي أن تدخلوا فيه (فَأَطَاعُوهَا، فَدَخَلُوا فِي الإِسْلاَمِ)
قال الحافظ: "وَمُحَصَّلُ الْقِصَّةِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ صَارُوا يُرَاعُونَ قَوْمَهَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِئْلَافِ لَهُمْ حَتَّى كَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ". انتهى
وفي نسخة أبي ذر الهروي نسخة الغُزُولي زيادة: ("قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: صَبَأَ: خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ: الصَّابِئُونَ: فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ») انتهى
وفي نسخة الصغاني زيادة: ("صبأ من دين إلى غيره، صبأ فُلانٌ: طلع، وأصبأ. وقال أبو العالية: الصابئين: فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور. أصبُ: أَمِلُ"). انتهى وعليها إشارة: في نسخة.
(قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) أي البخاري في تفسير (صَبَأَ) أي: (خَرَجَ مِنْ دِينٍ إِلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ أَبُو العَالِيَةِ) رُفيع بن مِهران الرياحي («الصَّابِئِينَ: فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ).
وقوله في نسخة الصغاني في المخطوط الذي عندي: (صبأ فلان: طلع، وأصبأ)، تفسير للكلمة لغة، يقال: صبأ النجم وأصبأ أي طلع.
قال ابن السكيت: "وقد صَبَأ يَصْبَأُ، إذا خرج من دين إلى دين، وقد صَبَأ نابُ البعير إذا طَلَع، وقد صَبَا يَصْبُو من الصِّبَا، وقد أَصْبَأَ النجم: إذا طلع". انتهى
وقال أبو بكر بن الأنباري: "وكانت قريش تسمي رسول الله صابئاً، ويسمون أصحابه كذلك، لخروجهم من دين إلى دين. يقال: صَبَأْتُ الثنيَّة: إذا طلعتُها؛ وصَبَأَتِ الثنيّة: إذا طَلَعَتْ، وصبأَ النجم، وأصبأَ؛ إذا طلع. انتهى
وقوله "أصبُ: أَمِل". كذلك تفسيرها لغة. وفي صحيح البخاري سيأتي إن شاء الله في التفسير، تفسير كلمة: {أَصْبُ إليهن} في القرآن: أَمِلُ، صَبَا مَالَ. انتهى أي أمِل إليهن. يقال: صبا إلى اللهو إذا مال إليه.
وأما عند الحافظ ابن حجر فقال فيما ذكرناه في رواية أبي ذر الهروي نسخة الغُزُولي: "هَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ، وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ: "صَبَأَ فُلَانٌ: انْخَلَعَ. وَأَصْبَأَ"، أَيْ كَذَلِكَ. وَكَذَا قَوْلُهُ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ. . . إِلَخْ وَقَدْ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْهُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: هُمْ مَنْسُوبُونَ إِلَى صَابِئِ بْنِ مُتَوَشْلِخَ عَمِّ نُوحٍ عليه السلام. وَرَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: الصَّابِئُونَ لَيْسَ لَهُمْ كِتَابٌ. انْتَهَى.
وَوَقَعَ فِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ "أُصِبْ أَمِلْ" وَهَذَا سَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ يُوسُفَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذَا هُنَا لِيُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَ الصَّابِئِ الْمُرَادِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَالصَّابِئِ الْمَنْسُوبِ لِلطَّائِفَةِ الْمَذْكُورَةِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وقد اختلف أهل العلم في الصابئة، فقالوا: هم قوم بين اليهود والمجوس، وقيل أصل دينهم دين نوح، وقيل: هم عبدة الملائكة، وقيل: عبدة الكواكب. وقيل غير ذلك.
ذكر الأقوال الطبري في تفسيره، في تفسير سورة البقرة، عند الآية رقم اثنين وستين، انظروها هناك.
الحديث متفق عليه.
جمع فوائد الحديث ابن الملقن والإثيوبي وغيرهما من كلام العلماء واجتهادهم، سأختصرها لكم وأذكر بعضها بتصرف وزيادة:
1 - (منها): استحباب سلوك الأدب مع الأكابر، كما في فعل عمر رضي الله عنه في إيقاظ النبيّ صلى الله عليه وسلم، فلم يوقظه بالنداء بل أيقظه بذكر الله، إذ علم عمر أن أمر الله يحثه عَلَى القيام.
2 - (ومنها): إظهار التأسّف لفوات أمر من أمور الدين.
3 - (ومنها): أنه لا حرج على من تفوته صلاة لا بتقصير منه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ضير".
4 - (ومنها): أن من أجنب، ولم يجد ماءً، فإنه يتيمم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "عليك بالصعيد"، وفي رواية: "عليك بالصعيد، فإنه يكفيك". وقد تقدم ما قاله ابن رجب في هذا.
5 - (ومنها): أن العالم إذا رأى أمرًا محتمِلًا، يسأل فاعله عنه؛ ليُوَضِّحه، فيُوَضِّح له هو وجه الصواب، فقد سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم الرجل المعتزل عن سبب اعتزاله، فأخبره بحاله، فبيّن له أن واجبه التيمّم بالصعيد.
6 - (ومنها): استحباب الملاطفة والرفق في الإنكار على أحد فيما فعله.
7 - (ومنها): التحريض على الصلاة بالجماعة ولو كانت فائتة، وأنه يُؤذَّن لها، ويقام، كما ثبت في بعض طرق الحديث.
قال ابن رجب: "وفي الحديث: دليل على أن الفوائت يؤذن لها وتصلى جماعة".
وقال ابن الملقن: "ففيه: الأذان للفائتة وقضاء السنن الفوائت والجماعة في الفوائت؛ لقوله: فصلى بالناس".
8 - (ومنها): الإنكار على ترك الشخص الصلاة بحضرة المصلين بغير عذر.
9 - (ومنها): أن قضاء الفوائت واجبٌ، ولا يسقط بالتأخير، ويأثم بتأخيره بغير عذر.
10 - (ومنها): أن من حَلّت به فتنة في بلد، فليخرُج منه، وليهرُب من الفتنة بدينه، كما فعل النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، حيث ارتحلوا عن بطن الوادي الذي حضرهم فيه الشيطان.
11 - (ومنها): أن فيه دليلًا على أنه لا يجب طلب الماء إذا غلب على الظن عدمه أو قطع بذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم أمر الرجل بالتيمم، ولم يأمره بطلب، ولا بسؤال رفقته.
12 - (ومنها): أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الماء أعطى الرجل الجنب ماءً، وأمره أن يغتسل به، فالجنب إذا تيمم ووجد الماء وجب عليه أن يغتسل، ويبطل التيمم بوجود الماء.
13 - (ومنها): أن فيه معجزةً عظيمة، وعَلَمٌ من أعلام نبوة النبيّ صلى الله عليه وسلم بتكثير الماء القليل ببركته صلى الله عليه وسلم، وإرواء العِطاش منه، واستعمالهم، وأخذهم منه في قِرَبهم من غير أن ينقُص الماء المأخوذ منه شيئًا، ولذلك قال للمرأة: "ما رزئنا من مائك شيئًا، وإنما سقانا اللَّه عز وجل".
14 - (ومنها): أن العطشان يُقَدَّم على الجنب عند صرف الماء إلى الناس.
قال ابن رجب: "قال الإمام أحمد: عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يحبسون الماء لشفاههم ويتيممون.
ونص على أنه لو رأى قوما عطاشا ومعه إداوة من ماء، أنه يسقيهم الماء ويتيمم.
واختلف أصحابنا: هل ذلك على الوجوب أو الاستحباب؟ على وجهين، أصحهما: أنه للوجوب، وهو قول الشافعية". انتهى
15 - (ومنها): ما قاله القرطبيّ رحمه الله: إن بعض العلماء أخذ بهذا، فقال: من انتبه من نوم عن صلاة فاتته في سفر، فليتحول عن موضعه، وإن كان واديًا، فيخرج عنه، وقيل: إنما يلزم في ذلك الوادي بعينه، وقيل: هو خاصّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا يعلم من حال ذلك الوادي ولا غيره ذلك إلا هو، وقال غيره: يؤخذ منه أن مَن حَصَلت له غفلة في مكان عن عبادة استُحِبّ له التحوّل منه، ومنه أمر الناعس في سماع الخطبة يوم الجمعة بالتحوّل من مكانه إلى مكان آخر. انتهى.
16 - (ومنها): جواز الاجتهاد بحضرة النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ لأن سياق القصة يدل على أن التيمم كان معلومًا عندهم، لكنه صريح في الآية عن الحدث الأصغر؛ بناءً على أن المراد بالملامسة ما دون الجماع، وأما الحدث الأكبر فليست صريحة فيه، فكأنه كان يعتقد أن الجنب لا يتيمم، فعمل بذلك مع قدرته على أن يسأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن هذا الحكم، ويَحْتَمِل أنه كان لا يعلم مشروعية التيمم أصلًا، فكان حكمه حكم فاقد الطَّهورين.
17 - (ومنها): جواز استعمال ماء المشركين الذي في قِربهم، ونحوها من أوعية الماء المعدّة له.
18 - (ومنها): مشروعيّة الشكوى من الرعية إلى الإمام عند حلول أمر شديد.
19 - (ومنها): استحباب التعريس للمسافر إذا غلبه النوم.
20- (ومنها): الجليد: القوي، يقال للرجل إذا كان قوي الجسم أو القلب: إنه لجليد وجلد، فعمر كان قوياً صُلباً في أمر الله رضي الله عنه، فهي منقبة له رضي الله عنه.
21- (ومنها): أن من ذكر صلاةً؛ له أن يأخذ فيما يصلحه لصلاته، من طهور ووضوء وانتقاء البقعة التي تطيب عليها نفسه للصلاة، كما فعل الشارع بعد أن ذكر الفائتة، فارتحل بعد الذكر ثم توضأ وتوضأ الناس، وهذا لا يتم إلا في مهلة، ثم أذَّن واجتمع الناس وصلوا.
22- وفيه: بيان مقدار الانتفاع بالاستئلاف عَلَى الإسلام؛ لأن قعودهم عن الغارةِ عَلَى قومها كان استئلافًا لهم، فعلم القومُ قدر ذَلِكَ وبادروا إلى الإسلام رعايةً لذلك الحق.
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم