شرح صحيح البخاري ح(399,400,401)

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى


  • بابُ ‌التَّوَجُّهِ ‌نَحْوَ القِبْلَةِ حَيْثُ كانَ

    وَقالَ أبو هُرَيْرَةَ: قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ وَكَبِّرْ".

    (بابُ) وجوب ‌(التَّوَجُّهِ) في الصلاة (‌نَحْوَ القِبْلَةِ) أي جهتها (حَيْثُ كانَ) أي في أي مكان وجِدَ المصلي.

    فيجب على المصلي أن يتجه نحو القبلة في صلاته.

    واستقبال القبلة في الصلاة شرط من شروط صحتها، فلا تصح الصلاة إلا بها عند الاستطاعة إلا في حالين سيأتي ذكرهما.

    (وَقالَ أبو هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه في حديث المسيء صلاته الذي سيأتي معنا في صحيح البخاري برقم (757)، والرواية التي فيها الأمر باستقبال القبلة برقم (6251)، وهو متفق عليه بالأمر باستقبال القبلة، قال أبو هريرة: (قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ) أينما كنت (وَكَبِّرْ) وفي نسخة: "فكبر".

    الشاهد الأمر باستقبال القبلة في حديث المسيء صلاتِه مما يدل على شرطيتها في الصلاة.

    يُخص من ذلك ما خصصه الدليل وهو في النافلة في السفر، وفي الخوف، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله.

    قال ابن حزم في مراتب الإجماع (ص 26): "واتفقوا أن استقبال القبلة لها -أي للصلاة- فرض لمن يعاينها أو عرف دلائلها، ما لم يكن محارباً ولا خائفاً. انتهى

    يطلقون الفرض ويريدون الشرط أو الركن.

    قال صاحب المهذب: "استقبال ‌القبلة شرطٌ في صحة الصلاة؛ إلا في حالين: في شدة الخوف، وفى النافلة في السفر.

    والأصل فيه قوله تعالي: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.

    قال النووي في شرحه: ‌"استقبال ‌القبلة شرطٌ لصحة الصلاة إلا في الحالين المذكورين على تفصيل يأتي فيهما في موضعهما، وهذا لا خلاف بين العلماء فيه من حيث الجملة، وإن اختُلِف في تفصيله". انتهى

     

    300- حَدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاءٍ، قالَ: حدَّثنا إِسْرائيلُ، عن أَبِي إِسْحاقَ عنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رضي الله عنهما، قالَ:

    كان رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ أَنْ يُوَجِّهَ إلى الكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} [البقرة: 144] فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ.

    وَقالَ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ، وَهُمُ اليَهُودُ: {مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142].

    فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَما صَلَّى، فَمَرَّ على قَوْمٍ مِنَ الأَنْصارِ فِي صَلاةِ العَصْرِ، نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فقالَ: هو يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَتَحَرَّفَ القَوْمُ، حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ.

    (حَدَّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجاءٍ) بن عمر الغُدَاني (قالَ: حدَّثنا إِسْرائيلُ) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهَمْداني الكوفي (عن أَبِي إِسْحاقَ) عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي جدّ إسرائيل، صرح بالتحديث في بعض الروايات (عنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ رضي الله عنهما) أي رضي الله عنه وعن أبيه، كلاهما صحابي (قالَ: كان رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى نَحْوَ) أي جهة (بَيْتِ المَقْدِسِ) وهو بالمدينة (سِتَّةَ عَشَرَ) شهراً (أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا) من الهجرة، وكان ذلك بأمر الله تعالى له قاله الطبري (وَكانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) قبل أن يؤمر بالتوجّه إلى الكعبة (يُحِبُّ أَنْ يُوَجِّهَ إلى الكَعْبَةِ) فيحب أن تكون هي قبلته وقبلة المسلمين.

    (فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء..}) كان عليه الصلاة والسلام يكثر من النظر إلى السماء ينتظر نزول الوحي بأمر الله بالتحول إلى الكعبة، فأنزل الله هذه الآية {قَدْ نَرَى} يا محمد نحن {تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} أي تحول وجهك {فِي السَّمَاء} أي نحو السماء ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ ﴾ أي فلنوجهنَّك؛ وقيل: فلنحولنَّك إلى ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا ﴾ أي تحبها ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ ﴾ أي فتوجه بوجهك، أو حول وجهك ﴿شَطْرَ﴾ نحو المسجد الحرام، والمراد بـ «الوجه» جميع البدن؛ لأن البدن بهيئته وطبيعته إذا استقبل الوجه جهة صار جميع البدن مستقبلاً لها ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ «المسجد» في الأصل مكان السجود، "الحرام" أي المحرم، والمراد الكعبة.

    ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ أي فأينما كنتم من الأرض أيها المؤمنون فحولوا وجوهكم في صلاتكم نحو المسجد الحرام ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي اتجهوا إلى الكعبة عند الصلاة. قال الطبري: فأوجب جل ثناؤه بهذه الآية على المؤمنين؛ فرض التوجه نحو المسجد الحرام في صلاتهم، حيث كانوا من أرض الله تبارك وتعالى.. إلى آخر الآية (فَتَوَجَّهَ) صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية (نَحْوَ الكَعْبَةِ، وَقالَ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ) الجهال من الناس، وكل من خالف الحكمة في تصرفه فهو سفيه، ومن معاني السفه نقص العقل (وَهُمُ اليَهُودُ: {مَا وَلاَّهُمْ}) أيُّ شيء صرفهم وحولهم ({عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا}) يعني بيت المقدس، سميت القبلة قبلة؛ لأن المصلي يقابلها وتقابله قال ابن فارس: "وَالْقِبْلَةُ ‌سُمِّيَتْ ‌قِبْلَةً؛ لِإِقْبَالِ النَّاسِ عَلَيْهَا فِي صَلَاتِهِمْ، وَهِيَ مُقْبِلَةٌ عَلَيْهِمْ أَيْضًا". انتهى ({قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ}) لله ملك المشرق والمغرب، وما بينهما من العالم، فيوجه الناس إلى أي جهة شاء ({يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}) يوفق من يشاء من خلقه إلى الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ويعني بذلك إلى قبلة إبراهيم الذي جعله للناس إماما، ويخذل من يشاء منهم فيضله عن سبيل الحق. أي قل: يا محمد إن الله هدانا بالتوجه شطر المسجد الحرام لقبلة إبراهيم وأضلكم أيها اليهود، والمنافقون، وجماعة الشرك بالله، فخذلكم عما هدانا له من ذلك.

     (فَصَلَّى) الظهر (مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم رَجُلٌ) من أصحابه (ثُمَّ خَرَجَ) أي الرجل (بَعْدَما صَلَّى) مع النبي صلى الله عليه وسلم (فَمَرَّ) الرجل (على قَوْمٍ مِنَ الأَنْصارِ فِي صَلاةِ العَصْرِ، نَحْوَ) أي وهم متوجهون في صلاتهم جهة (بَيْتِ المَقْدِسِ، فقالَ) الرجل: (هو يَشْهَدُ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ) عليه الصلاة والسلام (تَوَجَّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَتَحَرَّفَ القَوْمُ، حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الكَعْبَةِ) أي غيروا توجههم من بيت المقدس إلى الكعبة، وهم في الصلاة.

    ففي الحديث وجوب استقبال القبلة في الصلاة، وأن الكعبة هي القبلة.

    أخرجه ابن خزيمة وأخرج له شواهد، وقال: "فَدَلَّتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّ الْقِبْلَةَ إِنَّمَا هِيَ الْكَعْبَةُ". انتهى

     وفيه قبول خبر الواحد، وجواز النسخ، وأنه لا يثبت في حق المكلّف حتى يبلغه.

    قال ابن عبد البر: أجمَعَ العُلماءُ أنَّ شأنَ القِبلةِ أوَّلُ ما نُسِخَ من القُرآنِ

    وأجمعُوا أنَّ ذلك كان بالمدينةِ، وأنَّ رسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم إنَّما صُرِفَ عنِ الصَّلاةِ إلى بَيْتِ المقدِسِ، وأُمِر بالصَّلاةِ إلى الكعبةِ بالمدينةِ

    وقال ابن رجب: "ولا خلاف أن ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة؛ لكن اختلفوا في أي شهر كان؟"

    قال العلماء: وفيه بيان شرفِ المصطفى وكرامَتِه عَلى ربه لإعطائه له ما أحب من غير تصريح بالسؤال.

    وأن محبة الإنسان الانتقال من طاعة إلى أكمل منها ليس قادحًا في الرضا؛ بل هو محبوب.

    وأن من لم يَعلم بفرض الله، ولم تبلغه الدعوة، ولا أمكنه استعلامَ ذَلِكَ من غيره؛ فالفرض غيرُ لازم له، والحجةُ غير قائمةٍ عليه.

    وجواز الصلاةِ الواحدةِ إلى جهتين بدليلين، فمن صلَّى بالاجتهاد إلى جهة ثم تغير اجتهاده في أثنائها، فظن أن القبلة في جهة أخرى ولم يتيقن ذَلِكَ، يتحول إلى الجهة الثانية ويبني على صلاته ويجزئه.

     

    وتقدم الحديث في كتاب الإيمان برقم (40).

    وهو متفق عليه.

     

    400- حدَّثنا مُسْلِمٌ، قالَ: حدَّثنا هِشامٌ، قالَ: حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عن جابِرٍ، قالَ: كان رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي على راحِلَتِهِ حَيْثُ تَوَجَّهَتْ، فَإِذا أَرادَ الفَرِيضَةَ، نَزَلَ فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ.

    (حدَّثنا مُسْلِمٌ) بن إبراهيم الفَرَاهِيدي (قالَ: حدَّثنا هِشامٌ) ابن أبي عبد الله الدَّسْتَوائي (قالَ: حدَّثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ) اليمامي (عن مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هو محمد بن عبد الرحمن بن ثَوبان القرشي العَامِري، أبو عبد الله المدني، تابعي ثقة، روى له الجماعة.

    (عن جابِرٍ) بن عبد الله الأنصاري (قالَ: كان رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي) النفل (على راحِلَتِهِ) على بعيره الذي يصلح للسفر والحَمْلِ عليه.

    قال الجوهري في الصحاح: والراحِلَةُ: الناقةُ التي تَصلُح لأن تُرْحَلَ.

    وقال: ويقال: ‌الراحِلَةُ: المَرْكَبُ من الإبل، ذكراً كان أو أنثى. انتهى

    وقال أبو منصور في تهذيب اللغة: "والراحلةُ عِنْد العربِ كلُّ بعيرٍ نجيبٍ جوادٍ سواءٌ كَانَ ذكرا أَو أُنْثى". انتهى

    (حَيْثُ تَوَجَّهَتْ) به أي الراحلة، أي حيث كان اتجاهها في المسير الذي وجهها إليه، وفي حديث ابن عمر عند مسلم: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلّي على حمار وهو متوجّه لخيبر (فَإِذا أَرادَ) صلى الله عليه وسلم أن يصلّي (الفَرِيضَةَ، نَزَلَ) عن راحلته (فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ) وصلّى.

    وهذا يدلّ على عدم جواز ترك استقبال القبلة في الفريضة عند الاستطاعة، وهو إجماع كما تقدم.

    وعلى جاوز ترك استقبال القبلة للراكب في النافلة، وهل هو خاص بالسفر؟ سيأتي هذا المبحث إن شاء الله.

    وفيه دليل على التفريق بين النافلة والفريضة في هذه المسألة.

    الحديث متفق عليه.

     

    401- حدَّثنا عُثْمانُ، قالَ: حدَّثنا جَرِيرٌ، عن مَنْصُورٍ، عن إِبْراهِيمَ، عن عَلْقَمَةَ، قالَ: قال عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قالَ إِبْراهِيمُ: لا أَدْرِي زادَ أَوْ نَقَصَ- فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ؟ قالَ: «وَما ذاكَ؟» قالُوا: صَلَّيْتَ كَذا وَكَذا. فَثَنَى رِجْلَيْهِ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ قالَ: "إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّما أَنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَما تَنْسَوْنَ، فَإِذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ ليُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ".

    (حدَّثنا عُثْمانُ) بن أبي شيبة (قالَ: حدَّثنا جَرِيرٌ) هو ابن عبد الحميد (عن مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر (عن إِبْراهِيمَ) بن يزيد النخعي (عن عَلْقَمَةَ) بن قيس النخعي (قالَ: قال عَبْدُ اللَّهِ) بن مسعود رضي الله عنه.

    (صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) الظهرَ (قالَ إِبْراهِيمُ) النخعي: (لا أَدْرِي زادَ) وفي نسخة: "أزاد" النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته (أَوْ نَقَصَ) من صلاته، في رواية: "قال منصور: فإما إبراهيم الناسي ذلك عن علقمة، أو علقمة عن عبد الله"، يعني هل الذي حصل من النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته سهوا كان زيادة فيها أم نقصان؟ نسي الراوي، وفي رواية ستأتي من طريق الحكم عن إبراهيم: "أنه صلى خمساً"، فيها الجزم بالزيادة (فَلَمَّا سَلَّمَ) النبي صلى الله عليه وسلم (قِيلَ لَهُ) قال له بعض أصحابه الذين يصلون خلفه: (يا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ) أي أوقع (فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ؟) من الوحي يوجب تغييرها بزيادة أو نقص؟ (قالَ) عليه الصلاة والسلام: (وَما ذاكَ؟) سؤال مَن لم يشعر بما وقع منه، أي لماذا تسألون هذا السؤال؟ مال الذي حدث؟ (قالُوا: صَلَّيْتَ كَذا وَكَذا) كناية عمّا وقع، أي ذكروا له ما حصل (فَثَنَى) أي عطف (رِجْلَيْهِ) وفي نسخة: " رجله" بأن جلس كهيئة قعود المتشهد (واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) هذا سجود السهو (فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ) أي استدار إليهم (قالَ: "إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ) أي لو شرع فيها شرع جديد من تغيير بزيادة أو نقص أو غير ذلك (لَنَبَّأْتُكُمْ) أي لأخبرتكم (بِهِ) أي بالذي حدث، وفيه أنه كان يجب عليه تبليغ الأحكام إلى الأمة (وَلَكِنْ إِنَّما أَنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) يحدث لي ما يحدث لكم من النسيان (أَنْسَى كَما تَنْسَوْنَ) أنتم (فَإِذا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي) في الصلاة بالتسبيح ونحوه.

    (وَإِذا شَكَّ أَحَدُكُمْ) بأن استوى عنده طرفا العلم والجهل (فِي صَلاتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوابَ) وفي رواية عند مسلم: " فَلْيَتَحَرَّ أَقْرَبَ ذَلِكَ إِلَى الصَّوَابِ‌‌". وفي أخرى: ‌"فَلْيَتَحَرَّ الَّذِي يرى أنه الصَّوابُ".

    التحري في اللغة: قال ابن فارس: "وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ: هُوَ يَتَحَرَّى الْأَمْرَ، أَيْ يَقْصِدُهُ".

    وقال الجوهري: ومنه اشتُق التَّحرِي في الأشياء ونحوِها، وهو: طلبُ ما هو أَحْرى بالاستعمالِ، في غالب الظن، كما اشتُقَ التَّقمُّنُ مِن القَمِن. وفلانٌ يتحرى الأمر، أي يتوخّاه ويَقصِده". انتهى

    أي فليجتهد لمعرفة الأقرب إلى الصواب، قال ابن المنذر: "التحري أن يميل قلبُه إلى أحد العددين". انتهى

    قال عليه الصلاة والسلام: (فَلْيُتِمَّ) بناءً (عَلَيْهِ) على ما غلب على ظنه، وهو ما توصل إليه بعد اجتهاده (ثُمَّ ليُسَلِّمْ) بعد انتهائه من صلاته التي بناها على غلبة ظنه (ثُمَّ يَسْجُدُ) للسهو (سَجْدَتَيْنِ).

    ودلالة الحديث على الترجمة في قوله: "فثنى رجليه واستقبل القبلة".

    قال الحافظ: "فدل على عدم ترك الاستقبال في كل حال من أحوال الصلاة".

    وأخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: " إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ به " عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة.

    وجواز النسخ عند الصحابة وأنهم كانوا يتوقعونه.

    وعلى جواز وقوع السهو من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الصلاة.

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وَأَمَّا النِّسْيَانُ وَالسَّهْوُ فِي الصَّلَاةِ فَذَلِكَ وَاقِعٌ مِنْهُمْ -يعني الأنبياء-، وَفِي وُقُوعِهِ حِكْمَةُ اسْتِنَانِ الْمُسْلِمِينَ بِهِمْ". واستدل بهذا الحديث وغيره.

    ولكن لا يترك الأمر على النسيان فلا بد أن يبين كما بين النبي صلى الله عليه وسلم هنا وفي غيره.

    وقد قدمنا الثول في عصمت الأنبياء في الدرس التاسع عند شرح الحديث رقم (19).

    ورواة هذا الحديث الستة كلهم كوفيون أئمة أجلاء، وإسناده من أصحّ الأسانيد.

    والحديث متفق عليه.

    ولما فرغ المؤلّف من حكم التوجّه إلى القبلة؛ شرع يذكر حكم مَن سها فصلّى إلى غير القبلة.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم