شرح صحيح البخاري ح439

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى


  • بَابُ نَوْمِ المَرْأَةِ فِي المَسْجِدِ

    439 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَيٍّ مِنَ العَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ، قَالَتْ: فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ، قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ - أَوْ وَقَعَ مِنْهَا - فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهُوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْمًا فَخَطِفَتْهُ، قَالَتْ: فَالْتَمَسُوهُ، فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ، قَالَتْ: فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا، قَالَتْ: وَاللَّهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ، قَالَتْ: فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ، قَالَتْ: فَقُلْتُ هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ، زَعَمْتُمْ وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ، قَالَتْ: «فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَتْ»، قَالَتْ عَائِشَةُ: «فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِي المَسْجِدِ - أَوْ حِفْشٌ قَالَتْ: فَكَانَتْ تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ عِنْدِي، قَالَتْ: فَلاَ تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا، إِلَّا قَالَتْ:

    وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا ... أَلاَ إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي

    قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ لَهَا مَا شَأْنُكِ، لاَ تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلَّا قُلْتِ هَذَا؟ قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الحَدِيثِ

    (بَابُ) جوازِ (نَوْمِ المَرْأَةِ فِي المَسْجِدِ) وإقامتِها فيه، إذا لم يكن لها مسكنٌ غيرَه.

    (حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) القرشي الهبَّاريّ، قيل: اسمه عبيد الله، ثقة. تقدم، وهو متابع عند البخاري وغيره.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة القرشي مولاهم، ثقة ثبت، تدليسه لا يضر. وتابعه غير واحد، منهم عليُّ بن مسهر عند البخاري. وصرح بالتحديث عند ابن خزيمة وابن حبان.

    (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) ابن الزبير بن العوام (عَنْ أَبِيهِ) عروة (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها:

    (أَنَّ وَلِيدَةً) الأصل في معنى هذه الكلمة: أنها المولودة ساعة أن تولد، ثم أُطْلِقَ على الجارية والأمة وإن كانت كبيرة (كَانَتْ سَوْدَاءَ) لون بشرتها أسود، قال ابن حجر: "وَلَمْ يَذْكُرْهَا أَحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ وَلَا وَقَفَتْ عَلَى اسْمِهَا وَلَا عَلَى اسْمِ الْقَبِيلَةِ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ وَلَا عَلَى اسْمِ الصَّبِيَّةِ صَاحِبَةِ الْوِشَاحِ".

    (لِحَيٍّ) تملكها قبيلة (مِنَ العَرَبِ) أي كانت مملوكة لقبيلة من قبائل العرب (فَأَعْتَقُوهَا) من الرق (فَكَانَتْ) هذه المرأة السوداء (مَعَهُمْ) بقيت في القبيلة تعيش معهم.

    (قَالَتْ) الوليدة (فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ) أي: بنت من هذه القبيلة، وكان (عَلَيْهَا وِشَاحٌ)قال الجوهري: الوِشاحُ: شيءٌ يُنسجُ مِن أديمٍ عَريضاً، ويُرصَّعُ بالجَواهرِ، وتَشدُّه المرأةُ بين عاتِقيْها.

    قالت: (أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ) جمع سَير، وهو ما يُقطَع من الجلد، أي شراك جلد أحمر، وعند المصنف في باب أيام الجاهلية: "وِشَاحٌ مِنْ أَدَمٍ".

    (قَالَتْ: فَوَضَعَتْهُ) الصبية وضعت الوشاح (أَوْ وَقَعَ مِنْهَا) شكَّ الرَّاوي

    وفي رواية أبي أسامة عند ابن خزيمة: "فَوَقَعَ مِنْهَا". من غير شك.

    وعند ابن حبان: "قَالَتْ: فَوَضَعَتْ". من غير شك.

    فرواية أبي أسامة مضطربة في هذا اللفظ.

    ومن طريق علي بن مسهر عند المصنف: "فَسَقَط منها" بلا شك.

    وزاد أبو معاوية في روايته عن هشام مباشرة وبواسطة: "أَنَّ الصَّبِيَّةَ كَانَتْ عَرُوسًا فَدَخَلَتْ إِلَى مُغْتَسَلِهَا فَوَضَعَتِ الْوِشَاحَ". انتهى

    ولكن هذه الزيادة تفرد بها أبو معاوية في روايته دون البقية.

    (فَمَرَّتْ بِهِ) أي: بالوشاح (حُدَيَّاةٌ) تصغير حِدَأَة، وهو طائر من الجوارح ينقضّ على الجرذان والدواجن والأطعمة ونحوها.

    قال ابن حجر: "وَهِيَ الطَّائِرُ الْمَعْرُوفُ الْمَأْذُونُ فِي قَتْلِهِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ". (وَهُوَ مُلْقًى) أي: الوشاح ‌مَرْمِيٌّ (فَحَسِبَتْهُ) الحُدَيَّاةٌ (لَحْمًا) لأنَّه كان من جلدٍ أحمرٍ (فَخَطِفَتْهُ) بكسر الطَّاء المُهمَلة لا بفتحها على اللُّغة الفصيحة، وخَطَف بفتح الطاء صحيح أيضاً، أي أخذت الوشاح بسرعة (قَالَتْ) الوليدة: (فَالْتَمَسُوهُ) أي: طلبوه وسألوا عنه (فَلَمْ يَجِدُوهُ، قَالَتْ: فَاتَّهَمُونِي بِهِ) أي اتهموها أنها هي التي سرقته (قَالَتْ: فَطَفِقُوا) أي فجعلوا (يُفَتِّشُونَ) وفي رواية: "يفتشوني" (حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا) كَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَائِشَةَ، وَإِلَّا فَمُقْتَضَى السِّيَاقُ أَنْ تَقُولَ: "قُبُلِي" وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عند البخاري.

    قال ابن حجر: "فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْوَلِيدَةِ، أَوْرَدَتْهُ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ الْتِفَاتًا أَوْ تَجْرِيدًا". انتهى

    (قَالَتْ) الوليدة: (وَاللَّهِ إِنِّي لَقَائِمَةٌ) واقفة (مَعَهُمْ) مع بعض القبيلة (إِذْ مَرَّتِ الحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ) فرمته (قَالَتْ) المرأة (فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ) وفي صحيح البخاري: "فَاتَّهَمُونِي بِهِ فَعَذَّبُونِي، حَتَّى بَلَغَ مِنْ أَمْرِي أَنَّهُمْ طَلَبُوا فِي قُبُلِي، فَبَيْنَا هُمْ حَوْلِي وَأَنَا فِي كَرْبِي، إِذْ أَقْبَلَتِ الْحُدَيَّا.." الحديث (قَالَتْ: فَقُلْتُ: هَذَا الَّذِي اتَّهَمْتُمُونِي بِهِ، زَعَمْتُمْ) أنِّي أخذته (وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ) يعني ها هو أمامكم، وظهر لكم أني بريئة.

    ففِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ: "وَهَا هُوَ ذَا"، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ: "وَهُوَ ذَا كَمَا تَرَوْنَ".

    (قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها فَجَاءَتْ) أي: المرأة (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَتْ»، قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها فَكَانَ) وفي رواية: فكانت أي: المرأة (لَهَا خِبَاءٌ) أي لها خَيْمَةُ مِنْ وَبَرٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِي المَسْجِدِ) النَّبويِّ (أَوْ حِفْشٌ) بيتٌ صغيرٌ، قَالَ الشافعي: ‌"الحِفْشُ: الْبَيْت الذَّليل القَرِيب السَّمْكِ من الأَرْض ونحوَ ذَلِك". انتهى

    وقال الخطابي: وهو كالبيت الصغير وسمي حِفشًا لضيقه وانضمامه. انتهى

    (قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها (فَكَانَتْ) المرأة (تَأْتِينِي فَتَحَدَّثُ) تتحدَّث (عِنْدِي، قَالَتْ) عائشة (فَلاَ تَجْلِسُ عِنْدِي مَجْلِسًا، إِلَّا قَالَتْ:

    وَيَوْمَ الوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ) وفي نسخة: من تَعاجِيب (رَبِّنَا) أي من عجائب الله (أَلاَ إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي) تعني أنه كان سببا في إسلامها ونجاتها من بلدة الكفر.

    (قَالَتْ عَائِشَةُ) رضي الله عنها (فَقُلْتُ لَهَا) للمرأة: (مَا شَأْنُكِ، لاَ تَقْعُدِينَ مَعِي مَقْعَدًا إِلَّا قُلْتِ هَذَا؟) البيت؟! (قَالَتْ: فَحَدَّثَتْنِي بِهَذَا الحَدِيثِ) أي: المتضمِّن للقصَّة المذكورة.

     

    فِيهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْكَنٌ وَلَا مَكَانُ مَبِيتٍ يُبَاحُ لَهُ الْمَبِيتُ فِي الْمَسْجِدِ، واصطناع الخيمة وشبهها للمسكن؛ امرأةً كانت أو رجلاً عند أمن الفتنة.

     

    وَفِيهِ الخُرُوجُ مِنْ بَلْدَةٍ تَكُونُ فِيهَا فِتْنَةٌ على الشخص.

    قال الشراح: "فالواجب على كل من أدركته ذِلَّة أو جرت عليه محنة أن يخرج إلى ما وسع الله عليه من الأرض، فإن له في ذلك خيرهُ، وربما كان الذى جرى عليه من المحنة سببًا أراد الله به إخراجه من تلك البلدة لخير قدره له في غيرها كما قُدِّرَ لهذه السوداء، ألا ترى تَمَثُّلَها بهذا المعنى في بيت الشعر الذي أنشدته، فجعلت المِحْنَةَ والذِّلَّةَ في يوم الوشاح هما الذى أنجياها من الكفر؛ إذ كانا سببًا لذلك".

     

    وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي جَرَى عَلَيْهَا مِنَ الْمِحْنَةِ كَانَ سَبَبًا لِخَيْرٍ أَرَادَهُ اللَّهُ بِهَا، وَقَدْ يَكُونُ الخَيْرُ فِي الأَمْرِ تَكْرَهُهُ، أَلَا تَرَى قَوْلَهَا: أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الكُفْرِ أَنْجَانِي.

     

    قال ابن رجب: "وفي الحديث: دليل على أن الله تعالى قد يفرج كربات المكروبين ويخرق لهم العوائد وإن كانوا كفارا".

    وقال: "فإن كان الكافر مظلوماً كهذه المرأة فهو أقرب إلى تفريج كربته وإجابة دعوته؛ فإن دعوة المظلوم قد تجاب من الكافر، كما ورد في أحاديث مرفوعة متعددة؛ فإنَّ عَدْلَ الله يسع المؤمن والكافر، والبر والفاجر.

    وظاهر هذا الحديث: يدل على أن هذه المرأة إنما أسلمت بعد قصة الوشاح".

    قال: "ومقصود البخاري بتخريج هذا الحديث في هذا الباب: أنه يجوز للمرأة أن تقيم في المسجد وتنام فيه؛ فإن هذه المرأة كان لها خباء في المسجد تقيم فيه".

    واستدل بحديث عائشة هذا على جواز مكث الحائض في المسجد؛ لأن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر غالبا.

    وهو استدلال قوي. والله أعلم.

     

    الحديث أخرجه البخاري، ولم يخرجه مسلم.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم