شرح صحيح البخاري ح(474,473,472)


  • بَابُ الحِلَقِ وَالجُلُوسِ فِي المَسْجِدِ

    (بابُ) جوازِ (الحِلَقِ) للعلم وقراءة القرآن والذكر وغيرها (و) جوازِ (الجُلوسِ في المَسْجِدِ).

    قال ابن بطال: "أجمع العلماء على جواز التحلق ‌والجلوس ‌في ‌المسجد لذكر الله تعالى وللعلم". انتهى

    يعني مجالس الذكر على طريقة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وليس على طريقة أهل البدع التي أنكرها الصحابة رضي الله عنهم.

    472 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ، مَا تَرَى فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ، قَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ صَلَّى وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى» وَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ وِتْرًا، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ.

    (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بن مسرهد بن مسربل أبو الحسن البصري.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ) بن لاحق الرَّقاشي. ثقة حافظ فقيه عابد صاحب سنة، له شأن عند أئمة السلف. تقدم.

    (عن عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري.

    (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر.

    (عَنْ) عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنهما (قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قال ابن حجر: "لم أقف على اسمه" (وَهُوَ) أي النبي صلى الله عليه وسلم واقف (عَلَى المِنْبَرِ) وفي رواية عند مسلم: "وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّائِلِ"، فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم: (مَا تَرَى) أَيْ مَا رَأْيُكَ؟ مِنَ الرَّأْيِ (فِي صَلاَةِ اللَّيْلِ) وفي الرواية التي بعدها: كَيْفَ صَلَاةُ اللَّيْلِ؟ ‌وفي الموطأ: "كَيْفَ الصَّلاةُ بِاللَّيْلِ؟" (قَالَ) عليه الصلاة والسلام: («مَثْنَى مَثْنَى) أي صلاة الليل: ركعتين ركعتين، يسلم من كل ركعتين، وفي رواية عند مسلم: "فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ: مَا مَثْنَى مَثْنَى؟ قَالَ: أَنْ يُسَلِّمَ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ" (فَإِذَا خَشِيَ) المصلي طلوع (الصُّبْحَ، صَلَّى) ركعة (وَاحِدَةً، فَأَوْتَرَتْ) تلك الركعة (لَهُ مَا صَلَّى») فالوتر وقته في الليل فإذا طلع الفجر انتهى وقته. وفي حديث أبي سعيد مرفوعا: "أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا". أخرجه مسلم.

    وفيه حجة على أن أقل الوتر ركعة واحدة، مع حديث ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا: "الوتر ركعة من آخر الليل"، وحديث عائشة: "كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ». وَفِي رِوَايَةٍ: «كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُسَلِّمُ بَيْنَ رَكْعَتَيْنٍ، يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ».

    وقال أبو مِجْلَزٍ، سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ الْوِتْرِ، فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ». وَسَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ.

    وخرج محمد بن نصر المروزي أخبارا في هذا، وقال: فَهَذِهِ أَخْبَارٌ ثَابِتَةٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ فِي أَسَانِيدِهَا، وَفِيهَا بَيَانٌ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ". انتهى

    فلا عبرة بمخالفة من خالف في هذا. وستأتي هذه المسألة في موضعها إن شاء الله.

    قال نافع (وَإِنَّهُ) أي ابن عمر (كَانَ يَقُولُ: اجْعَلُوا آخِرَ صَلاَتِكُمْ) وفي نسخة: "بالليل" (وِتْرًا) بزيادة لفظ "بالليل" (فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهِ) أي أمر بختم صلاة الليل بالوتر.

    وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه صلى ركعتين وهو جالس بعد الوتر. عند مسلم وغيره، فهذا صارف للأمر إلى الاستحباب. ويدل على جواز الصلاة بعد الوتر. وهو قول جماعة من الصحابة وغيرهم من السلف.

    قال المهلب: "وشبَّه البخاريُّ في حديث جلوس الرجال في المسجد حول الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يخطب؛ بالتحلق والجلوس في المسجد للعلم ".

    قال ابن رجب: " وإنما أدخل البخاري هذا الحديث في هذا الباب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب على المنبر ‌جلس ‌الناسُ ‌حوله، واستقبلوه بوجوههم.

    وقد خرج البخاري في "كتاب: الجمعة" حديث أبي سعيد، قال: جلس النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله.

    فكانت خطبه على المنبر مثل حلق الذكر والعلم، وكان يسأل في حال الخطبة عن مسائل من الدين، ويجيب عنها، وقد سبق ذكر ذلك في أول "كتاب: العلم"، وفي آخره - أيضا - في "باب: ذكر العلم والفتيا في المسجد". انتهى

    قال ابن الملقن: "والظاهر أن الشارع لا يكون في المسجد وهو على المنبر إلا وعنده جمعٌ جلوسٌ محدقين به كالمتحلقين". انتهى

    قال ابن بطال: "وفيه: أن الخطيب إذا سئل عن أمر الدين أن له أن يجاوب من سأله ولا يضر ذلك خطبته".

    الحديث متفق عليه.

     

    473 - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: كَيْفَ صَلاَةُ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ»

    (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السدوسي- لقبه عارم- ثقة حافظ اختلط في آخر عمره، وهو أثبت أصحاب حماد بن زيد بعد عبد الرحمن بن مهدي.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ) هو ابْنُ زَيْدٍ.

    (عَنْ أَيُّوبَ) ابن أبي تميمة السختياني.

    (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ) على المنبر (فَقَالَ: كَيْفَ صَلاَةُ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ: «مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيتَ الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ، تُوتِرُ لَكَ مَا قَدْ صَلَّيْتَ»)

     

    قَالَ الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَجُلًا نَادَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ.

    (قَالَ الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ) المَخزومي مولاهم، أبو محمد المدني ثم الكوفي. من أتباع التابعين. ثقة، عارف بالمغازي، إباضي. مات سنة إحدى وخمسين ومائة. روى له الجماعة.

    والإباضية فرقة من الخوارج، تنسب إلى مؤسسها عبد الله بن إباض التميمي أحد أئمتهم.

    هم معطلة جهمية، يقولون بخلق القرآن، قال أبو الحسن الأشعري وهو يذكر الإباضية: "وكل الخوارج يقولون بخلق القرآن". انتهى

    وينفون رؤية المؤمنين ربهم يوم القيامة، ويكفرون من خالفهم من أهل القبلة، يقولون هم كفار غير مشركين، يقول البعض بأنهم يريدون كفر النعمة، ويقولون بأن العاصي مخلد في النار.

    وموطنهم اليوم في عُمان وليبيا والجزائر وغيرِها.

    ولا تصح الصلاة خلفهم.

    قال الشيخ علي بن ناصر الفقيهي: "وَقد وثق الباحث كَمَا قلت أَقْوَال الإباضية من كتبهمْ- وَلم يطلع على كتاب جَدِيد لمؤلف معاصر: الْمُسَمّى "الْحق الدامغ " للشَّيْخ أَحْمد بن حمد الخليلي، الْمُفْتِي الْعَام لسلطنة عمان، طبعة عَام 1409 هـ فقد صدَرَ بعد طبع كِتَابه، الَّذِي خصصه لثلاث مسَائِل هِيَ: القَوْل بِخلق الْقُرْآن، نفي الرُّؤْيَة، خُلُود أَصْحَاب الْمعاصِي فِي النَّار، حَيْثُ قَالَ فِي ص 20: للإباضية فِيهَا موقف لم يتَّفق مَعَ رغبات أُولَئِكَ الحاقدين … الخ.

    وَهَذَا يُوضح للقارئ أَن تِلْكَ الأفكار الهدامة لم تزل سَارِيَة فِي الْأمة، وَلم تكن تَحت التُّرَاب كَمَا يَقُول بعض الْكتاب". انتهى

    (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) ابن عمر- كما جاء في رواية عند مسلم- (أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُمْ: أَنَّ رَجُلًا نَادَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ)

    هَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ عَنِ ‌الْوَلِيدِ ‌بْنِ ‌كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ ‌بْنِ ‌عُمَرَ أَنَّ ‌ابْنَ ‌عُمَرَ حَدَّثَهُمْ «أَنَّ رَجُلًا نَادَى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ أُوتِرُ صَلَاةَ اللَّيْلِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ صَلَّى فَلْيُصَلِّ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِنْ أَحَسَّ أَنْ يُصْبِحَ سَجَدَ سَجْدَةً فَأَوْتَرَتْ لَهُ مَا صَلَّى». قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَلَمْ يَقُلِ: ‌ابْنِ ‌عُمَرَ. انتهى

    قال ابن رجب: "وإنما ذكر رواية الوليد بن كثير تعليقًا - وقد خرجها مسلم في "صحيحه" مسندة -؛ لأن فيما التصريح بأن ذلك كان في المسجد.

    وفي الروايتين اللتين أسندهما البخاري أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب، وكان أكثر خطبه على المنبر في المسجد، إلا خطبه في العيدين وفي موسم الحج ونحو ذلك". انتهى

    قال ابن حجر: "وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الْمَسْجِدَ وَهُمْ حِلَقٌ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عِزِينَ؟".

    فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا كَرِهَ تَحَلُّقَهُمْ عَلَى مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَلَا مَنْفَعَةَ، بِخِلَافِ تَحَلُّقِهِمْ حَوْلَهُ فَإِنَّهُ كَانَ لِسَمَاعِ الْعِلْمِ وَالتَّعَلُّمِ مِنْهُ".

    ومعنى عزين متفرقين، أي في جماعات متفرقة لا في جماعة واحدة.

    قال ابن باز تعليقا على ما قاله الحافظ: "هذا فيه نظر. والظاهر أنه أنكر عليهم تفرقَهم، ودل بذلك على استحباب اجتماعهم حال مذاكرة العلم، وأن يكونوا حَلَقة واحدةً لا حِلَقاً؛ لأن ذلك أجمعُ للقلوب وأكملُ للفائدة. والله أعلم". انتهى

     

    474 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَنَّ أَبَا مُرَّةَ مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ فَأَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ، فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا، فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ، فَجَلَسَ وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلاَثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ: فَأَوَى إِلَى اللَّهِ، فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ: فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ: فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ "

    (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي الدمشقي.

    (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) بن أنس. إمام دار الهجرة.

    (عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ) الأَنْصارِيّ النجاري المدني، ابن أخي أنس بْن مالك لأمه.

    (أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) يزيد (مَوْلَى عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ) حجازي.

    (أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ) رضي الله عنه (قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) جالس (فِي المَسْجِدِ) زاد في كتاب العلم "والناس معه" (فَأَقْبَلَ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ) أي: ثلاثة رجال (فَأَقْبَلَ اثْنَانِ) من الثلاثة (إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ وَاحِدٌ، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا، فَرَأَى فُرْجَةً) أي فسحة، وفي نسخة: "فِي الحَلَقَةِ" (فَجَلَسَ) في الفسحة (وَأَمَّا الآخَرُ) أي الرجل الثاني (فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ) خلف الحلقة (فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مما كان مشتغلاً به (قَالَ: " أَلاَ أُخْبِرُكُمْ عَنِ) وفي نسخة: "عن النَّفَرِ" (الثَّلاَثَةِ؟) وفي رواية: "عن الثلاثة" (أَمَّا أَحَدُهُمْ: فَأَوَى) أي لجأ (إِلَى اللَّهِ، فَآوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الآخَرُ: فَاسْتَحْيَا) ترك المزاحمة (فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ)

    هي على حقيقتها كما تقدم.

    (وَأَمَّا الآخَرُ: فَأَعْرَضَ) عن مجلس النبي صلى الله عليه وسلم (فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ) فيه إثبات صفة الإعراض لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلاله. كما تقدم.

    والشاهد من الحديث في قوله: "بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جالس فِي المَسْجِدِ"، وقوله: "فَأَمَّا أَحَدُهُمَا، فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلَقَةِ".

    قال قوام السنة: "قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: يَجُوزُ التَّحَلُّقُ وَالجُلُوسُ فِي المَسْجِدِ لِذِكْرِ اللهِ وَلِلْعِلْمِ.

    وَفِي قَوْلِهِ: (أَوَى إِلَى اللهِ، فَآوَاهُ اللهُ) دَلَالَةٌ عَلَى فَضْلِ حِلَقِ الذِّكْرِ، وَسَدِّ الفُرَج فِي حِلَقِ الذِّكْرِ وَصُفُوفِ الصَّلَاةِ، وَالصَفُّ فِي سَبِيلِ اللهِ فِيهِ آثَارُ وَتَرْغِيبٌ.

    وَفِيهِ أَنَّ التَّزَاحُمَ بَيْنَ يَدَيِ العُلَمَاءِ مِنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِ البِرِّ، قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ: "يَا بُنَيَّ، جَالِسِ العُلَمَاءَ وَزَاحِمْهُمْ بِرُكْبَتِكَ، فَإِنَّ الله يُحْيِي القُلُوبَ بِنُورِ الحِكْمَةِ، كَمَا يُحْيِي الْأَرْضِ بِوَابِلِ السَّمَاءِ".

    وَفِيهِ مِنْ حُسْنِ الأَدَبِ أَنْ يَجْلِسَ الْمَرْءُ حَيْثُ انْتَهَى بِهِ مَجْلِسُهُ، وَلَا يُقِيمُ أَحَدًا.

    وَفِيهِ ابْتِدَاءُ العَالِمِ جُلَسَاءَهُ بِالعِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ.

    وَفِيهِ مَدْحُ الحَيَاءِ، وَالثَّنَاءُ عَلَى صَاحِبِهِ.

    وَفِيهِ ذَمُّ مَنْ زَهِدَ فِي العِلْم". انتهى

    الحديث متفق عليه، وقد تقدم شرحه برقم 66.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم