شرح صحيح البخاري ح(477)

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • بَابُ الصَّلاَةِ فِي مَسْجِدِ السُّوقِ

    (بابُ) جواز (الصَّلاةِ في مَسْجِدِ السُّوقِ).

    قال ابن حجر: "مَوْقِعُ التَّرْجَمَةِ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِي أَنَّ الْأَسْوَاقَ شَرُّ الْبِقَاعِ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ خَيْرُ الْبِقَاعِ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ؛ لَا يَصِحُّ إِسْنَادُهُ، وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَمْنَعْ وَضْعَ الْمَسْجِدِ فِي السُّوقِ؛ لِأَنَّ بُقْعَةَ الْمَسْجِدِ حِينَئِذٍ تَكُونُ بُقْعَةَ خَيْرٍ".

    وَصَلَّى ابْنُ عَوْنٍ: «فِي مَسْجِدٍ فِي دَارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهِمُ البَابُ»

    (وَصَلّى) عبد الله (ابنُ عَوْنٍ) بن أرْطبان، فقيه إمام، من أئمة أتباع التابعين، تقدم (في مَسْجِدٍ في دارٍ يُغْلَقُ عَلَيْهمُ البابَ) أي على ابن عون ومن معه.

    قال بعض الشراح: وليس في هذا ذكر السوق فالله أعلم بوجه المطابقة.

    وقال ابن المنيّر: أَرَادَ البُخَارِيّ إِثْبَات جَوَاز بِنَاء الْمَسْجِد دَاخل السُّوق، لِئَلَّا يُتخيل أَن الْمَسْجِد فِي الْمَكَان الْمَحْجُور لَا يسوغ، كَمَا أَن مَسْجِد الْجُمُعَة لَا يجوز أَن يكون مَحْجُورا. فنبّه بِصَلَاة ابْن عمر -يعني ابن عون، على أَن الْمَسْجِد الَّذِي صلى فِيهِ كَانَ مَحْجُورا، وَمَعَ ذَلِك فَلهُ حكم الْمَسَاجِد". انتهى

    477 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " صَلاَةُ الجَمِيعِ تَزِيدُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلاَتِهِ فِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ، وَأَتَى المَسْجِدَ، لاَ يُرِيدُ إِلَّا الصَّلاَةَ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً، حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، كَانَ فِي صَلاَةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ، وَتُصَلِّي - يَعْنِي عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ - مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ ".

    (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) بن مسرهد، أبو الحسن البصري.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ) محمد بن خازم الضرير.

    (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران. وقد صرح بالسماع من أبي صالح عند البخاري في باب فضل صلاة الجماعة 647

    (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان السمان.

    (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " صَلاَةُ الجَمِيعِ) صلاة الجماعة (تَزِيدُ عَلَى صَلاَتِهِ) أي صلاة الشخص المنفرد (فِي بَيْتِهِ، وَ) على (صَلاَتِهِ فِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً).

    (فَإِنَّ أَحَدَكُمْ) وفي رواية: "وذلك أن أحدكم" (إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ) الوضوء بإسباغه (وَأَتَى المَسْجِدَ، لاَ يُرِيدُ إِلَّا الصَّلاَةَ) وليس له غرض غيرها (لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً) في طريقه إلى الصلاة (إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ خَطِيئَةً) ذنبا من ذنوبه، فهذا المشي مكفر للذنوب، ورافع للدرجات (حَتَّى يَدْخُلَ المَسْجِدَ، وَإِذَا دَخَلَ المَسْجِدَ، كَانَ فِي) ثواب (صَلاَةٍ مَا كَانَتْ تَحْبِسُهُ) الصلاة، أي مدّة دوام ذلك (وَتُصَلِّي - يَعْنِي عَلَيْهِ المَلاَئِكَةُ -) أي تدعو له (مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ) مدة دوامه في مجلسه (الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ) وفي رواية: "ما كان في مصلاه"، وفي أخرى "ما كان في المسجد"، وفي أخرى :"لا يزالُ أحَدُكُم في صَلاةٍ، ما كانتِ الصَّلاةُ تحبِسُهُ، لا يَمْنعُهُ أن ينقلِبَ إلى أهلِهِ إلّا الصَّلاةُ". فهذا يدل على أن المراد أن يبقى في المسجد ولا يلزم أن يبقى في نفس البقعة التي صلى فيها. والله أعلم

    ‌قال في طرح التثريب: "مَا ‌الْمُرَادُ ‌بِـ"مُصَلَّاهُ؟" هَلْ الْمُرَادُ الْبُقْعَةُ الَّتِي صَلَّى فِيهَا مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى لَوْ انْتَقَلَ إلَى بُقْعَةٍ أُخْرَى فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا الثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ؟

    أَوْ الْمُرَادُ بِـ"مُصَلَّاهُ" جَمِيعُ الْمَسْجِدِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ؟

    يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ، وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَظْهَرُ وَأَرْجَحُ، بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَصْلِ: "مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ"، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ.

    فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِـ"مُصَلَّاهُ" جَمِيعُ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ وَاضِحٌ.

    وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ: «مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ». انتهى

    أي تستغفر له الملائكة وتطلب له الرحمة، قائلة: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) وهذا من أسباب تكفير الذنوب أيضاً (مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ) أي ما لم يأتِ بناقض للوضوء.

    وفي نسخة: "ما لم يؤذ بحدث فيه".

    قال ابن حجر: "وَالْمُرَادُ بِالْحَدَثِ: النَّاقِضُ لِلْوُضُوءِ.

    وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْأَوَّلِ".

    وقال: "وَظَهَرَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي السُّوقِ مَشْرُوعَةٌ، وَإِذَا جَازَتِ الصَّلَاةُ فِيهِ فُرَادَى؛ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُتَّخَذَ فِيهِ مَسْجِدٌ لِلْجَمَاعَةِ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ". انتهى

    قال النووي: وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ خِلَافًا لِدَاوُدَ، وَلَا فَرْضًا عَلَى الْأَعْيَانِ خِلَافًا لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ سُنَّةٌ. انتهى

    وسيأتي هذا الحديث فِي بَابِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِهِ هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

    وهو حديث متفق عليه

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم