إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ تَشْبِيكِ الأَصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ
(باب) جواز (تَشْبِيكِ الأَصَابِعِ فِي المَسْجِدِ وَغَيْرِهِ) فكل ما ورد فيه من النهي عنه في الصلاة وغيرها فهو ضعيف لا يصح.
إلا أنه يكره تعمده في الصلاة فهو خلاف السنة، وهو من نوع العبث الذي تنزه عنه الصلاة.
والنبي صلى الله عليه وسلم لما فعله كان يظن أنه انتهى منها، ولكنه يدل على جوازه من غير كراهة في المسجد. والله أعلم
ومن الأحاديث الضعيفة حديث كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ عند أبي داود وغيره، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ خَرَجَ عَامِدًا إِلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يُشَبِّكَنَّ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ".
قال ابن بطال: "اختلف العلماء في تشبيك الأصابع في المسجد وفي الصلاة؛ فرويت آثار مرسلة عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن تشبيك الأصابع في المسجد من مراسيل ابن المسيب، ومنها مسند من طرق غير ثابتة".
فذكرها، وقال: "وهذه الآثار معارِضة لحديثي هذا الباب، وهي غير مقاوِمة لهما في الصحة ولا مساوية.
وكره إبراهيم تشبيك الأصابع في الصلاة، وهو قول مالك، ورخص في ذلك ابن عمر، وسالم بن عبد الله، وكانا يشبكان بين أصابعهما في الصلاة، ذكرهما ابن أبي شيبة.
وكان الحسن البصري يشبك بين أصابعه في المسجد.
وقال مالك: إنهم لينكرون تشبيك الأصابع في المسجد، وما به بأس وإنما يكره في الصلاة". انتهى
(حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ) بن حفص بن عمر بن عبيد الله بن أبي بكرة الثقفي البَكراوي، أبو عبد الرحمن البصري، قاضي كَرْمان. يروي عن أتباع التابعين، ثقة، مات بنيسابور سنة ثلاث وثلاثين ومائتين. روى له البخاري ومسلم.
(عَنْ بِشْرٍ) بن المفضل بن لاحق الرَّقاشي. ثقة. تقدم
(حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العمري المدني. ثقة. تقدم
(حَدَّثَنَا وَاقِدٌ) بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني. ثقة. تقدم.
(عَنْ أَبِيهِ) محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر المدني. تابعي ثقة. تقدم
(عَنِ) عبد الله (ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب، رضي الله عنه (أَوْ) عن عبد الله (ابْنِ عَمْرٍو) ابن العاص رضي الله عنهما. والشك من واقد،
قال عبد الله: («شَبَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابِعَهُ) وفي نسخة: "شبك أصابعه".
قال الإمام البخاري رحمه الله: (وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ) بن عاصم الواسطي، أبو الحسن التيمي شيخ البخاري. صدوق ربما وهم. تقدم.
(حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ) بن زيد.
(سَمِعْتُ هَذَا الحَدِيثَ مِنْ أَبِي) محمد بن زيد (فَلَمْ أَحْفَظْهُ، فَقَوَّمَهُ لِي) أخي (وَاقِدٌ، عَنْ أَبِيهِ) محمد بن زيد (قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي وَهُوَ يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابن عمرو بن العاص (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو كَيْفَ بِكَ إِذَا بَقِيتَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ.. بِهَذَا) أي بما سبق.
قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين، عند ذكره لأفراد البخاري، قال:
الْخَامِس وَالْعشْرُونَ: عَن وَاقد بن مُحَمَّد عَن أَبِيه عَن ابْن عمر، أَو ابْن عَمْرو - قَالَ: شَبكَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَصَابِعه وَقَالَ: " كَيفَ أَنْت يَا عبد الله بن عَمْرو إِذا بقيت فِي حثالةٍ من النَّاس، قد مرجت عهودهم وأماناتهم، وَاخْتلفُوا فصاروا هَكَذَا؟
" قَالَ: فكيف يَا رَسُول الله؟ قَالَ: " تَأْخُذ مَا تعرف، وَتَدَع مَا تنكر، وَتقبل على خاصتك، وتدعهم وعوامهم ".
هَكَذَا فِي حَدِيث بشر بن الْمفضل عَن وَاقد.
وَفِي حَدِيث عَاصِم بن مُحَمَّد بن زيد قَالَ:
سَمِعت هَذَا من أبي فَلم أحفظه، فقومه لي واقدٌ عَن أَبِيه. قَالَ: سَمِعت أبي وَهُوَ يَقُول: قَالَ عبد الله: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم: " يَا عبد الله بن عَمْرو كَيفَ أَنْت إِذا بقيت.. " وَذكره.
وَلَيْسَ هَذَا الحَدِيث فِي أَكثر النّسخ، وَإِنَّمَا حكى أَبُو مَسْعُود أَنه رَآهُ فِي كتاب أبي رُمَيْح عَن الْفربرِي وَحَمَّاد بن شَاكر عَن البُخَارِيّ". انتهى
قال القسطلاني: "وهذا الحديث ساقط في أكثر الروايات، ولم يذكره الإسماعيلي ولا أبو نعيم في مستخرجيهما، وإنما وُجد بخط البِرزالي، وذكر أبو مسعود في الأطراف له أنه رآه في كتاب ابن رميح عن الفربري عن حماد بن شاكر عن البخاري، وفي اليونينية سقوطه للأصيلي فقط". انتهى
وهذا معلق، قال ابن حجر: "وَحَدِيثُ عَاصِمِ بْنِ عَلِيٍّ الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ وَصَلَهُ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لَهُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَاقِدٍ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَهُ". انتهى
والحديث أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما من طرق عن عبد الله بن عمرو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " يُوشِكُ أَنْ يُغَرْبَلَ النَّاسُ غَرْبَلَةً، وَتَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ، قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ، وَكَانُوا هَكَذَا "، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، قَالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ؟ قَالَ: " تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ، وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى خَاصَّتِكُمْ، وَتَدَعُونَ عَامَّتَكُمْ".
حَدَّثَنَاهُ قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: " وَتَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ، وَتَدَعُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ ".
قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَكَذَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. انتهى
"يغربل الناس فيه غربلة" أي يذهب خيارهم ويبقى شرارهم وأراذلهم.
و"الحثالة": الرديء من كل شيء، والمراد: أراذلهم.
قال ابن هانئ: وسئل -أي الإمام أحمد- عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: "يبقى حثالة من الناس"، قال: الذي لا يُبالى بهم.
قوله: "مَرِجَتْ عهودُهم"، أي: اختلطت وفسدت، فلا يوفون بالعهود، ولا تبقى أمانات.
"تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ" من شرع الله وتعملون به "وَتَذَرُونَ" وتتركون "مَا تُنْكِرُونَ" من البدع والمعاصي، وما تعلمون أنه يخالف الشرع.
"على خاصتكم" أي على إصلاح أنفسكم وسلامة دينكم، وألا يصيبكم ما أصاب عامة الناس.
وربما المقصود بالخاصة: الْخَواص الَّذين يفهمون ويتبعون، وَلذَلِك قَالَ: " وَتَدَعُونَ عَامَّتَكُمْ" أَي: من لَا يفهم عَنْك، ولا يتبع، ويتصف بما ذكر.
وهذا الحديث كما في الحديث الآخر: "ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَدَعِ الْعَوَامَّ".
قال أهل العلم: "وهذا رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كثر الأشرار وضعف الأخيار".
وقال آخر: "والحاصل: أن في هذا الزمان غلب الفسادُ، وشاع الجهلُ، فلا ينجح فيها النصحُ، ولا يُقبَل قولُ الناصح، فحين إذ ذاك يسقط وجوبُ الأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر". انتهى
وقال الطحاوي بعد أن ذكر أحاديث الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الحديث وما هو مثله، قال:
"فِي هَذِهِ الْآثَارِ تَسْدِيدُ مَا فِي الْآثَارِ الَّتِي فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ، وَكُلُّهَا يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَتُخْبِرُ أَنَّ الْأَزْمِنَةَ تَخْتَلِفُ وَتَتَبَايَنُ، وَأَنَّ كُلَّ زَمَانٍ مِنْهَا لَهُ حُكْمُهُ الَّذِي قَدْ بَيَّنَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِأُمَّتِهِ وَأَعْلَمَهُمْ إِيَّاهُ وَعَلَّمَهُمْ بِمَا يَعْمَلُونَهُ فِيهِ، فَعَلَى النَّاسِ التَّمَسُّكُ بِذَلِكَ، وَلُزُومُهُ وَوَضْعُ كُلِّ أَمْرٍ مَوْضِعَهُ الَّذِي أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِوَضْعِهِ فِيهِ، وَأَنْ لَا يَخْرُجُوا عَنْ ذَلِكَ إِلَى مَا سِوَاهُ. وَاللهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ". انتهى
ولعدم مراعاة الخوارج لهذه الحقيقة قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: "سفهاء الأحلام".
فلا يفرقون بين حال الضعف والعجز والغثائية، وبين حال القوة، والتمكين.
فيفعلون أفعالا يظنون أنهم ينصرون الشرع ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؛ فيترتب على أفعالهم من الشر والفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أرادوا تغييره، ولا يتغير بل يزيد.
وسيأتي شرح هذا الحديث في باب خاص به إن شاء الله.
والشاهد من الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم شبك بين يديه، فيدل على جواز تشبيك الأصابع.
وليس في هذا الحديث ذكر المسجد.
(حَدَّثَنَا خَلَّادُ بْنُ يَحْيَى) بن صفوان السَّلمي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوري.
(عَنْ أَبِي بُرْدَةَ) بُريد (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ) ابن أبي موسى الأشعري.
(عَنْ جَدِّهِ) أبي بردة بن أبي موسى الأشعري.
(عَنْ أَبِي مُوسَى) الأشعري رضي الله عنه (عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ المُؤْمِنَ) الذي يؤمن بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسلاً (لِلْمُؤْمِنِ) الذي يؤمن بذلك أيضاً (كَالْبُنْيَانِ) أي كالحائط المبني (يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا) بدخول بعضه في بعض فيتماسك (وَشَبَّكَ) النبي صلى الله عليه وسلم (أَصَابِعَهُ) مبينا كيف ذلك، وفي نسخة: "بين أصابعه".
هذا كقوله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
هَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي تَعْظِيمِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَحَثِّهِمْ عَلَى التَّرَاحُمِ وَالْمُلَاطَفَةِ وَالتَّعَاضُدِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا مَكْرُوهٍ.
فهذا الواجب أن المؤمنون كالجسد الواحد، فلا يسلم المؤمن المؤمن ولا يخذُلُه ولا يحقره.
بل يعينه وينصره.
قال ابن رجب: "ليس في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حينئذ في المسجد؛ فلهذا بوب على تشبيك الأصابع في المسجد وغيره".
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) قال ابن حجر: "هُوَ ابْنُ مَنْصُورٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ أَبُو نُعَيْمٍ". انتهى.
والحديث عند ابن حبان والبيهقي من رواية إسحاق بن إبراهيم عن النضر. وهو ابن راهويه.
من غير طريق البخاري.
(قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ) المازني. ثقة تقدم.
(أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) عبد الله بن عون.
(عَنِ ابْنِ سِيرِينَ) محمد بن سيرين.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلاَتَيِ العَشِيِّ) العَشِيّ: هو من أوّل الزوال إلى الغروب.
وَلِمُسْلِمٍ: "إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، إِمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْعَصْرُ".
(قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ) الظهر أو العصر (وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا) وفي رواية من طريق ابن سيرين: "وأكثر علمي أنها العصر".
وفي رواية أن الذي نسي أبو هريرة.
ومن غير طريق ابن سيرين جزم البعض بالعصر والبعض بالظهر.
قال ابن حجر: "وَالظَّاهِرُ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِيهِ مِنَ الرُّوَاةِ.
وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، بَلْ رَوَى النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّ الشَّكَّ فِيهِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ"، فذكر لفظه وقال:
"فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَاهُ كَثِيرًا عَلَى الشَّكِّ، وَكَانَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الظُّهْرُ فَجَزَمَ بِهَا، وَتَارَةً غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الْعَصْرُ فَجَزَمَ بِهَا.
وَطَرَأَ الشَّكُّ فِي تَعْيِينِهَا أَيْضًا عَلَى ابْنِ سِيرِينَ.
وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ الِاهْتِمَامَ بِمَا فِي الْقِصَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ.
وَلَمْ تَخْتَلِفِ الرُّوَاةُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ فِي قِصَّةِ الْخِرْبَاقِ أَنَّهَا الْعَصْرُ.
فَإِنْ قُلْنَا إَنَّهُمَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ فَيَتَرَجَّحُ رِوَايَةُ مَنْ عَيَّنَ الْعَصْرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ". انتهى
المهم أنها رباعية من صلاة النهار.
(قَالَ) أبو هريرة (فَصَلَّى بِنَا) رسول الله (رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ) بعد الركعتين، والصلاة رباعية (فَقَامَ) عليه الصلاة والسلام (إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ) أي موضوعة بالعرض أو مطروحة (فِي) ناحية (المَسْجِدِ، فَاتَّكَأَ) عليه الصلاة والسلام (عَلَيْهَا كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى) يده (اليُسْرَى) كما في رواية (وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِه) وهذا محل الشاهد، وكان هذا في المسجد، فيدل على جوازه في المسجد (وَوَضَعَ) عليه الصلاة والسلام (خَدَّهُ الأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ اليُسْرَى، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ المَسْجِدِ) وفي رواية ابن حبان: قَالَ النَّضْرُ: "يَعْنِي أَوَائِلَ النَّاسِ".
أي: خرج المصلون الذين يخرجون بسرعة بعد انتهاء الصلاة من أبواب المسجد.
قال الخطابي: "سَرَعان الناس: هم الذين يُقبلون في الأمر بسرعة، وإنما أراد به عوام الناس الذين يسرعون الانصراف عن الصلاة، ولا يلبثون قعوداً للذكر بعدها".
وقال ابن العطار: "وقوله: "وخرجتِ السَّرَعان"؛ هو بفتح السين المهملة، والراء؛ وهو: المسرعون إلى الخروج، ويجوز فيه: إسكان الراء؛ نقله القاضي عياض، قال: وضبَطَه الأصيلي في "البُخاريّ": بضم السين، وإسكان الراء؛ فيكون جمع سريع، كقَفيز وقُفْزان، وكَثيب وكُثْبان، قال الخطابي: وكسر السين خطأ". انتهى
(فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاَةُ؟) هذا سؤال، أي أقصرت الصلاة؟ فصارت ركعتين بدل الأربع (وَفِي القَوْمِ أَبُو بَكْرٍ) الصديق (وَعُمَرُ) بن الخطاب (فَهَابَا) وفي رواية "فهاباه"؛ أي: خافاه (أَنْ يُكَلِّمَاهُ) عليه السلام إجلالاً له (وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ) من الصحابة، وكان (فِي يَدَيْهِ طُولٌ، يُقَالُ لَهُ: ذُو اليَدَيْنِ، قَالَ) وفي رواية فقال أي ذو اليدين: (يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلاَةُ؟ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: («لَمْ أَنْسَ) في ظني (وَلَمْ تُقْصَرْ) الصلاة (فَقَالَ) عليه الصلاة والسلام للحاضرين («أَكَمَا) أي الأمر كما (يَقُولُ ذُو اليَدَيْنِ» فَقَالُوا: نَعَمْ) كما قال (فَتَقَدَّمَ) عليه الصلاة والسلام (فَصَلَّى مَا تَرَكَ) أي الذي تركه وهو الركعتان (ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ، وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، فَرُبَّمَا سَأَلُوهُ) أي سألوا ابن سيرين هل في الحديث (ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ) أي أخبرت (أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، قَالَ: ثُمَّ سَلَّمَ).
فهما تسليمان تسليم الصلاة وتسليم سجود السهو.
قال ابن حجر: "أَيْ: رُبَّمَا سَأَلُوا ابْنَ سِيرِينَ: هَلْ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ سَلَّمَ؟ فَيَقُولُ: نُبِّئْتُ.. إِلَخْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ عِمْرَانَ.
وَقَدْ بَيَّنَ أَشْعَثُ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ الْوَاسِطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِمْرَانَ، فَقَالَ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: حَدَّثَنِي خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي الْمُهَلَّبِ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَوَقَعَ لَنَا عَالِيًا فِي جُزْءِ الذُّهْلِيِّ، فَظَهَرَ أَنَّ ابْنَ سِيرِينَ أَبْهَم ثَلَاثَةً.
وَرِوَايَتُهُ عَنْ خَالِدٍ مِنْ رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ". انتهى
وقال في التلخيص: "لهذا الحديث طرقٌ كثيرةٌ وألفاظٌ، وقد جمع جميعَ طرقه الحافظُ صلاحُ الدين العلائي، وتكلم عليه كلاماً شافياً. انتهى".
في الحديث دليل على أن من قال ناسيا: لم أفعل كذا وكان قد فعله أنه غيرُ كاذب.
وفيه من الفقه أن من تكلم ناسيا في صلاته لم تفسد صلاته.
وفيه جواز الكلام لإصلاح الصلاة عند الحاجة، لكلام الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم، مع قوة احتمال أن الصلاة لم تتم، خصوصا بعد نفيه النسخ صلى الله عليه وسلم.
وفيه جواز التلقيب الذي للتعرف؛ لتسمية النبي صلى الله عليه وسلم الرجل ذا اليدين، وكان في يديه طول.
هذه بعض فوائده، وسيأتي الحديث في موضعه في سجود السهو.
قال ابن رجب: "إنما المقصود في هذا الباب منه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بعد سلامه من الصلاة إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها، ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى، وشبك بين أصابعه، فدل على جواز تشبيك أصابع اليدين في المسجد لغير حاجة إليه.
والظاهر: أنه إنما فعله لِمَا غلبه من الهم؛ فإن ذلك يفعله المهموم كثيرا.
وقد رخص في التشبيك في المسجد جماعة...". انتهى المراد.
ولكن ذكر ابن رجب فائدة طيبة هنا كنت لاحظتها وحذرت منها سابقا وقد وقفت على قوله هنا فأعجبني.
فبعد أن ذكر ما ذكره البعض من معنى بعيد لأحاديث النهي عن التشبيك، رده وقال:
"ومثل هذه المعاني توجد كثيرا في كتب شروح الحديث المتأخرة، وأكثرها مدخول، ولم يكن علماء سلف الأمة يقعون في شيء من ذلك، وكذلك لم أستكثر من ذكر مثله في هذا الكتاب، وإنما ذكرت هذا لأن الإسماعيلي مع تقدمه ذكره في "صحيحه"، ونبهت على ما فيه". انتهى
فانتبهوا ولا تنساقوا خلف كل ما تجدونها في كتب الشراح المتأخرين، فعندهم الكثير من مثل هذا التكلف.
وقال: "وأما تشبيك الأصابع في الصلاة فمكروه".
وذكر حديثين ضعيفين.
وقال:
"وخرج أبو داود بإسناده عن نافع، أنه سئل عن الرجل يصلي وهو مشبك
أصابعه؟ فقال: قال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم.
وكرهه طاوس والنخعي.
وقال النعمان بن أبي عياش: كانوا ينهون عن ذلك.
وكلام ابن عمر يدل على أنه كره لما فيه من مشابهة أهل الكتاب، وهو - أيضا - من نوع العبث الذي تنزه عنه الصلاة.
ومثله تَفقِيعِ الأصابع.
وقد روى الحارث، عن علي، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه أن يُفقِّع أصابعه في الصلاة.
وخرجه ابن ماجه.
وخرج الإمام أحمد من رواية زَبَّانَ بْنِ فَائِدٍ، عن سهل بن معاذ، عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إِنَّ الضَّاحِكَ فِي الصَّلَاةِ، وَالْمُلْتَفِتَ، وَالْمُفَقِّعَ أَصَابِعَهُ؛ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ».
وزبان وسهل، فيهما ضعف.
وفيه إشارة إلى أن ذلك كلَّه من العبث المنافي للخشوع في الصلاة". انتهى
الخلاصة لا يصح شيء في النهي عن تشبيك الأصابع، لا في الصلاة ولا في غيرها، ولا يصح شيء في النهي عن تفقيع الأصابع في الصلاة إلا أنه مِن العبثِ في الصلاة المنافي للخشوع والسكون فيها. والله أعلم.
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم