إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ: المَسَاجِدِ الَّتِي عَلَى طُرُقِ المَدِينَةِ، وَالمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أي هذا (بابُ) بيانِ (المَسَاجِدِ التي عَلَى طُرُقِ المَدِينَةَ) النبوية، التي بين المدينة ومكة (و) بيانِ (المَواضِعِ التي صَلّى فيها النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم) ولم تُجعل مساجد.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ) هو محمدُ بنُ أبي بكر بنِ علي بنِ عطاءِ بن مُقَدَّم المُقدَّمي، أبو عبد الله الثقفي مولاهم، البصري. يروي عن أتباع التابعين، ثقة. مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. روى له البخاري ومسلم والنسائي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ) النُّمَيري، أبو سليمان البصري، من أتباع التابعين، ضعيف، مات سنة ثلاثٍ وثمانين ومائة. وقيل غير ذلك، روى له الجماعة.
قال ابن حجر: "ليس له في البخاري سوى أحاديث توبع عليها". انتهى وهذا من الأحاديث التي توبع عليه.
(قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عيَّاش الأسدي. صاحب المغازي، ثقة فقيه إمام في المغازي. تقدم.
(قَالَ: رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، أحد الفقهاء السبعة على قول.
(يَتَحَرَّى) أي يتقصد (أَمَاكِنَ مِنَ الطَّرِيقِ فَيُصَلِّي فِيهَا، وَيُحَدِّثُ أَنَّ أَبَاهُ) عبد الله بن عمر بن الخطاب (كَانَ يُصَلِّي فِيهَا، «وَأَنَّهُ) أي: عبد الله بن عمر (رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ»)
قال موسى بن عقبة: (وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ) مولى ابن عمر. وحدثني معطوف على رأيت سالماً (عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي تِلْكَ الأَمْكِنَةِ)
قال موسى بن عقبة أيضاً: (وَسَأَلْتُ سَالِمًا) بن عبد الله بن عمر عن ذلك، معطوف على رأيت سالماً وحدثني نافع (فَلاَ أَعْلَمُهُ إِلَّا وَافَقَ نَافِعًا فِي الأَمْكِنَةِ كُلِّهَا إِلَّا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي مَسْجِدٍ بِشَرَفِ) الشَرَفُ: المكان العالي (الرَّوْحَاءِ) قال ابن حجر: "هِيَ قَريةٌ جَامِعَةٌ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَهِيَ آخِرُ السَّيَّالَةِ، لِلْمُتَوَجِّهِ إِلَى مَكَّةَ، وَالْمَسْجِدِ الْأَوْسَطِ هُوَ فِي الْوَادِي الْمَعْرُوفِ الْآنَ بِوَادِي بَنِي سَالِمٍ.
وَفِي الْآذَانِ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: أَنَّ بَيْنَهُمَا سِتَّةً وَثَلَاثِينَ مِيلًا". انتهى
(حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) بن عبد الله الحِزامي، صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن. تقدم.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ) بن ضَمرة، أبو ضمرة الليثي المدني. صدوق. تقدم.
(قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) صاحب المغازي.
(عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر.
(أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ) بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه (أَخْبَرَهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي الحُلَيْفَةِ) هي قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، وهي ميقات أهل المدينة، قال ابن رجب: "وتسمى - أيضا -: الشجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل بها حين يعتمر وحين حج حجة الوداع، وقد اعتمر منها مرتين: عمرة الحديبية، وعمرة القضية".
قال ابن عمر: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينزل بذي الحليفة (حِينَ يَعْتَمِرُ، وَفِي حَجَّتِهِ حِينَ حَجَّ) حجَّة الوادع (تَحْتَ سَمُرَةٍ) أَيْ شَجَرَةٍ ذَاتِ شَوْكٍ، وَهِيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِأُمِّ غَيْلَانَ (فِي مَوْضِعِ المَسْجِدِ الَّذِي بِذِي الحُلَيْفَةِ) قال ابن رجب: "وهذا يدل على أن المسجد لم يكن حينئذ مبنيًا، إنما بُني بعد ذلك في مكان منزل النبي صلى الله عليه وسلم منها، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُحرِم منها، وكان يصلي بها في موضع المسجد.
وقد روي أنه صلى في المسجد، ولعل المراد في بقعته وأرضه، قبل أن يُجعل مسجدًا، حتى يجمع بذلك بين الحديثين". انتهى
(وَكَانَ) عليه الصلاة والسلام (إِذَا رَجَعَ مِنْ غَزْوٍ كَانَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ) أي: طريق الحديبية (أَوْ) كان (حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ هَبَطَ مِنْ بَطْنِ وَادٍ) هو وادي العقيق (فَإِذَا ظَهَرَ) أي علا وصعد (مِنْ بَطْنِ وَادٍ أَنَاخَ) راحلته، أي أبركها وأقعدها (بِالْبَطْحَاءِ) قال الشراح: أي: بالمسيل الواسع، المجتمعِ فيه دِقاق الحصى من مسيل الماء.
يعنون أنه موضع واسع تجري فيه السيول، فتجر إليه الرمل والحصى الصغيرة، فتكون أرضه رملا وحصًى صغيرة.
قَالَ النَّضر: "الأبْطَحُ: بَطْنُ المَيْثَاء والتَّلْعة والوادي، وَهُوَ البَطْحَاء، وَهُوَ التُّرَاب السهل فِي بطونها مِمَّا قد جَرَّتْه السُّيُول، يُقَالُ: أَتَيْنَا أَبْطَحَ الوَادِي فَنِمْنَا عَلَيْه، وبَطْحَاؤُه مِثْلُه، وَهُوَ تُرَابُه وحَصَاهُ السهل اللَّيِّنُ، والجميع الأبَاطِحُ، لَا تُنْبتُ شَيْئا إِنَّمَا هِيَ بَطْن المَسيل، وَيُقَال: قد انْبَطَح الْوَادي بِهَذَا الْمَكَان أَي اسْتَوْسَع فِيهِ.
قَالَ ابْن شُمَيْل: بَطْحَاءُ الْوَادي وأَبَطَحُه: حَصَاهُ السَّهْلُ اللَّيِّنُ فِي بَطْن المَسِيل". انتهى باختصار من تهذيب اللغة.
وهي (الَّتِي عَلَى شَفِيرِ الوَادِي) أي: على طرفه (الشَّرْقِيَّةِ) أي البطحاء الشرقية (فَعَرَّسَ) يعني نزل ليرتاح (ثَمَّ) أي: هناك (حَتَّى يُصْبِحَ) أي: يدخل في الصَّباح.
قال ابن رجب: "فأما حاله في رجوعه إلى المدينة إذا رجع على ذي الحليفة من حج أو عمرة، أو من غزاة في تلك الجهة، فإنه كان يهبط بطن وادٍ هنالك، فإذا ظهر من بطن الوادي أناخ بالبطحاء التي على شفير الوادي الشرقية، فيُعَرِّس هناك حتى يصبح.
قال الخطابي: التعريس: نزول استراحة بغير إقامة، وفي الأكثر يكون آخر الليل، ينْزلون فينامون نومة خفيفة، ثم يرتحلون.
قال: والبطحاء: حجارة ورمل.
قلت: المراد بالتعريس هنا: نومه حتى يصبح". انتهى
فالتعريس: نزول استراحة، وأكثره في آخر الليل، على ما قاله الخطابي، وخصَّه الأصمعي: بآخر الليل، وأطلق أبو زيد: بالليل والنهار.
(لَيْسَ) المكان الذي عرس فيه (عِنْدَ المَسْجِدِ الَّذِي) بني (بِحِجَارَةٍ) أي المسجد الذي عند الحجارة (وَلاَ عَلَى الأَكَمَةِ) الموضع المرتفع على ما حوله، أو تلٌّ مِن حجرٍ واحدٍ (الَّتِي عَلَيْهَا المَسْجِدُ»، كَانَ ثَمَّ) أي وكان هناك (خَلِيجٌ) قال أبو موسى المديني: الخَلِيج: نَهر يُساقُ من النَّهر الأعظم إلى موضعِه، وجمعه: خُلُج؛ لأنه اخْتُلِج منه: أي اقْتُطِع واجتُذِب، والخَلْج: الجَذْب والانتِزاعُ بسُرعة، وقال بعضهم: الخَلِيجُ: وادٍ له عُمْق". انتهى
وقال الخطابي: "الخليج: وادٍ له عمق، ينشَقُّ مِن آخَرَ أعظمُ منه"، أي ينشق الوادي العميق من واد آخر أكبر منه.
(يُصَلِّي عَبْدُ اللَّهِ) بن عمر (عِنْدَهُ) أي: عند الخليج المذكور (فِي بَطْنِهِ) في وسط الخليج (كُثُبٌ) جمع كَثِيب، وهو تلال الرمل، وتلال الرمل، جبال من الرمل إلا أن التل أصغر من الجبل (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَمَّ) هناك (يُصَلِّي) قال بعض الشراح: هو مُرسَلٌ من نافعٍ (فَدَحَا) أي دفعيأ (السَّيْلُ) أي: المطر النازل من الجبال (فِيهِ بِالْبَطْحَاءِ) أَي بحصى الْبَطْحَاء وترابه، أَي دَفعهَا إِلَيْهِ وبسطها فِيهِ (حَتَّى دَفَنَ) السَّيلُ (ذَلِكَ المَكَانَ، الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللَّهِ) بن عمر (يُصَلِّي فِيهِ) أي: غيَّبه وغيَّر صفته، فلم يظهر بعد ذلك.
قال ابن حجر: "وَلَمْ يَسُقِ الْبُخَارِيُّ لَفْظَ فُضَيْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بَلْ سَاقَ لَفْظَ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ ذِكْرُ سالم، بَلْ ذِكْرُ نَافِعٍ فَقَطْ، وَقَدْ دَلَّتْ رِوَايَةُ فُضَيْلٍ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ سَالِمٍ وَنَافِعٍ مُتَّفِقَتَانِ إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الْوَاحِدِ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ، وَكَأَنَّهُ اعْتَمَدَ رِوَايَةَ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ لِكَوْنِهِ أَتْقَنَ مِنْ فُضَيْلٍ".
قال ابن رجب: فظهر من هذه الأحاديث كلِّها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت بالمُعرَّس- وهو ببطحاء ذي الحليفة- حتى يصبح، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي هناك، وأنه كان هناك مسجد قد بُني، ولم يكن في موضع صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، بل كان قريباً منه.
وفي حديث سالم: أن المسجد كان ببطن الوادي، وفي حديث موسى بن عقبة عن نافع - الطويل الذي خرجه البخاري هنا -، أنه كان مبنياً بحجارة على أَكَمة، وفي حديثه: أنه كان ثمَّ خليج يصلي عبد الله عنده، في بطنه كُثُب، كان النبي صلى الله عليه وسلم ثَمَّ يصلي". انتهى
ذكر ابن عبد البر حديث مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ الَّتِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بها.
قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَفْعَلُ ذَلِكَ
قَالَ ابن عبد البر: رَوَاهُ عَبِيدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عن بْنَ عُمَرَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ يَتْرُكُونَ الْأَبْطَحَ
وَرَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ أن أبا بكر وعمر وابن عُمَرَ كَانُوا يَنْزِلُونَ الْأَبْطَحَ.
وَعَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُ ذَلِكَ، وَقَالَتْ: إِنَّمَا نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِأَنَّهُ كَانَ مَنْزِلًا أَسْمَحَ لخروجه.
وروى ابن عُيَيْنَةَ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ لَمْ يَأْمُرْنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ أَنْزِلَ الْأَبْطَحَ، وَلَكِنْ أَتَيْتُهُ فَضَرَبْتُ بِهِ قُبَّةً، فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَنَزَلَ الْأَبْطَحَ فَنَزَلْتُ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مُسْتَحَبٌّ؛ إِلَّا أنه عند مالك والحجازيين أؤكد مِنْهُ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ، وَالْكُلُّ يُجْمِعُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى تَارِكِهِ فِدْيَةٌ وَلَا دَمٌ.
وقال: "وليس شيءٌ مِمّا في هذا الحديثِ من سُنَنِ الحجِّ، ومناسِكِهِ التي يجِبُ فيها على تارِكِها فِديةٌ، أو دمٌ عندَ أهلِ العِلم، ولكِنَّهُ حَسَنٌ كما ذكرتُ لكَ عندَ جَميعِهِم، إلّا ابن عُمرَ فإنَّهُ جَعلهُ سُنَّةً.
وقال: وَهَذِهِ الْبَطْحَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ بِالْمُعَرَّسِ.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بعد ذكره حديث ابن عُمَرَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْبَابِ:
لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُجَاوِزَ الْمُعَرَّسَ إِذَا قَفَلَ حَتَّى يُصَلِّيَ فِيهِ، وَإِنْ مَرَّ بِهِ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَلْيَقُمْ حَتَّى تَحِلَّ الصَّلَاةُ ثُمَّ صلى مَا بَدَا لَهُ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَرَّسَ بِهِ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ أَنَاخَ بِهِ".
وَاسْتَحَبَّهُ الشَّافِعِيُّ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ.
قَالَ: وقال أبو حَنِيفةَ: من مرَّ بالمُعرَّسِ من ذي الحُلَيفةِ راجِعًا من مَكَّةَ، فإن أحَبَّ أن يُعرِّسَ به حتّى يُصلِّي فعَلَ، وليسَ عليه ذلك بواجِب.
وقال محمدُ بن الحسنِ مُحتجًّا لهُ: بَلَغنا أنَّ رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم عرَّسَ به، وأنَّ ابنَ عُمرَ أناخَ به. وليسَ ذلك عندَنا من الأمرِ الواجِب، إنَّما هُو مِثلُ المنازِلِ التي نزلَ بها رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم من مَنازِلِ طريقِ مكَّةَ. وبَلَغنا أنًّ ابنَ عُمرَ كان يتَّبِعُ آثارَهُ تلكَ، فينزِلُ بها، فلذلكَ فعلَ مِثلَ ذلك بالمُعرَّسِ، لا أنَّهُ كان يَراهُ واجِبًا على النّاسِ، ولو كان واجِبًا لقالَ فيه رسُولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابُهُ للنّاسِ ما يقِفُونَ عليه.
وقال إسماعيلُ بن إسحاقَ: ليسَ نُزُولُهُ صلى الله عليه وسلم بالمُعرَّسِ، كسائرِ مَنازِلِ طريقِ مكَّةَ؛ لأنَّهُ كان يُصلِّي الفَرِيضةَ حَيْثُ أمْكَنهُ، والمُعرَّسُ إنَّما كان يُصلِّي فيه نافِلةً، ولا وجهَ لمن زهَّدَ النّاسَ في الخيرِ.
قال: ولو كان المُعرَّسُ كسائرِ المنازِلِ، ما أنكَرَ ابنُ عُمرَ على نافع ما تَوهَّمهُ عليه من التَّأخُّرِ عنهُ.
قَالَ وَلَا وَجْهَ لِتَزْهِيدِ النَّاسِ فِي الْخَيْرِ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ موسى بن عقبة عن نافع أن ابن عُمَرَ سَبَقَهُ إِلَى الْمُعَرَّسِ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ نافع، فَقَالَ لَهُ مَا حَبَسَكَ؟ فَذَكَرَ عُذْرًا، قَالَ: ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَخَّذتَ الطَّرِيقَ الأخرى، وَلَوْ فَعَلْتَ لَأَوْجَعَتُكَ ضَرْبًا". انتهى
قال ابن رجب: وفي قوله: "إنه صلى بالمعرَّس نافلة"؛ نظر، وقد قدمنا أنه إنما صلى به الصبح لما أصبح.
وظاهر كلام أحمد: استحباب الصلاة بالمعرس..".
وقال: "وقد تبين بهذه النصوص المذكورة في هذا الموضع: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج من المدينة إلى مكة في طريق، ويرجع في غيره، كما كان يفعل ذلك في العيدين، وكما كان يدخل مكة مِن أعلاها ويَخرج من أسفلها.
وقد خرج البخاري في "الحج" من حديث ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج من طريق الشجرة، ويدخل من طريق المُعرَّس، وخرجه مسلم - أيضا.
وهذا يدل على أن موضع الشجرة - وهو مسجد ذي الحليفة - غيرُ طريق المعرَّس، والذي كان يرجع منه ". انتهى باختصار
(وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ) بالإسناد المذكور إليه (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى حَيْثُ المَسْجِدُ الصَّغِيرُ الَّذِي دُونَ المَسْجِدِ الَّذِي بِشَرَفِ الرَّوْحَاءِ) الشَرَف: المكان العالي، والرَّوحاء: قرية، فمعنى شَرَفِ الروحاء، المكان العالي في تلك القرية.
قال الشراح: "وهي قريةٌ جامعةٌ على ليلتين من المدينة، بينها وبين المدينة ستَّةً وثلاثين ميلًا".
(وَقَدْ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ) بن عمر رضي الله عنهما (يَعْلَمُ) يعني يعرف (المَكَانَ الَّذِي كَانَ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: ثَمَّ) هناك (عَنْ يَمِينِكَ حِينَ تَقُومُ فِي المَسْجِدِ تُصَلِّي، وَذَلِكَ المَسْجِدُ عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ اليُمْنَى) أي: على جانبه (وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، بَيْنَهُ وَبَيْنَ المَسْجِدِ الأَكْبَرِ رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ) قدر مائة متر تقريباً (أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ") أو قريبا من ذلك.
قال ابن رجب: "هذا هو المسجد الذي اختلف فيه سالم ونافع، كما ذكرناه في شرح الحديث الأول.
وهذا الحديث: يدل على أن بالرَّوحاء مسجدين: كبير وصغير، فالكبير بشَرَف الروحاء، ولم يُصَّل النبي صلى الله عليه وسلم عنده، إنما صلى موضع الصغير عن يمين ذلك المسجد، وأن بين المسجدين رمية بحجر". انتهى
(وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ: كَانَ يُصَلِّي إِلَى العِرْقِ) قال الخطابي وغيره: العرق: جبيل صغير. انتهى ، وقيل غير ذلك (الَّذِي) كان (عِنْدَ مُنْصَرَفِ الرَّوْحَاءِ) أي: عند آخرها (وَذَلِكَ العِرْقُ انْتِهَاءُ طَرَفِهِ) أي أخر طرف ذاك الجبل (عَلَى حَافَةِ الطَّرِيقِ) على جانبها (دُونَ) أي: تحت (المَسْجِدِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ المُنْصَرَفِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ وَقَدِ ابْتُنِيَ ثَمَّ) أي: هناك (مَسْجِدٌ، فَلَمْ يَكُنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ) و( كَانَ يَتْرُكُهُ عَنْ يَسَارِهِ وَوَرَاءَهُ وَيُصَلِّي أَمَامَهُ) أي: قدَّام المسجد (إِلَى العِرْقِ نَفْسِهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ) ابن عمر (يَرُوحُ) أي يمر (مِنَ الرَّوْحَاءِ فَلاَ يُصَلِّي الظُّهْرَ حَتَّى يَأْتِيَ ذَلِكَ المَكَانَ، فَيُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ، وَإِذَا أَقْبَلَ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنْ مَرَّ بِهِ قَبْلَ الصُّبْحِ بِسَاعَةٍ) لحظة من الزمن (أَوْ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ) ما بين الفجر الكاذب والصَّادق، قال الشراح: "والفرق بينه وبين قوله: «قبل الصُّبح بساعةٍ» أنَّه أراد بآخر السَّحر أقلَّ من ساعةٍ، وحينئذٍ فيغاير اللَّاحق السَّابق" (عَرَّسَ) أي: نزل للاستراحة في ذلك الوقت حَتَّى يُصَلِّيَ بِهَا (الصُّبْحَ) أي: بمكة؛ لفضل الصلاة فيها.
487 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ حَدَّثَهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ ضَخْمَةٍ دُونَ الرُّوَيْثَةِ، عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، وَوِجَاهَ الطَّرِيقِ فِي مَكَانٍ بَطْحٍ سَهْلٍ، حَتَّى يُفْضِيَ مِنْ أَكَمَةٍ دُوَيْنَ بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ بِمِيلَيْنِ، وَقَدِ انْكَسَرَ أَعْلاَهَا، فَانْثَنَى فِي جَوْفِهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ، وَفِي سَاقِهَا كُثُبٌ كَثِيرَةٌ».
(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ) ابن عمر (حَدَّثَهُ) حدث نافعاً بالسَّند السَّابق إليه (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْزِلُ تَحْتَ سَرْحَةٍ) شجرةٍ (ضَخْمَةٍ) أي: عظيمةٍ (دُون) أي: تحت أو قريب من (الرُّوَيْثَةِ) قريةٌ بينها وبين المدينة تقريباً مائة كيلو وأنت ذاهب إلى مكة (عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، وَوُجَاهَ الطَّرِيقِ) أي: مقابلها (فِي مَكَانٍ بَطِحٍ) واسعٍ (سَهْلٍ، حَتَّى يُفْضِيَ) أي: يخرج عليه الصلاة والسلام (مِنْ أَكَمَةٍ) موضعٌ مرتفعٌ (دُوَيْنَ) مصغر الدُّون، وهو نقيض الفوق، ويقال: هو دون ذاك؛ أي: أقرب منه (بَرِيدِ الرُّوَيْثَةِ) وفي نسخة: «دون الرُّوَيثة» (بِمِيلَيْنِ) أي: بينه وبين المكان الَّذي ينزل فيه البريد بالرُّوَيثة ميلان، وقيل: المراد بالبريد: سكة الطريق (وَقَدِ انْكَسَرَ أَعْلَاهَا) يعني السَّرحة أي الشجرة (فَانْثَنَى) أي: انعطف (فِي جَوْفِهَا) في جوف السرحة (وَهِيَ قَائِمَةٌ عَلَى سَاقٍ) كالبنيان، ليست متَّسعةً من أسفل (وَفِي سَاقِهَا كُثُبٌ) جمع كثيبٍ، وهي تلال رملٍ (كَثِيرَةٌ).
488 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي طَرَفِ تَلْعَةٍ مِنْ وَرَاءِ العَرْجِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ عِنْدَ ذَلِكَ المَسْجِدِ قَبْرَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ، عَلَى القُبُورِ رَضَمٌ مِنْ حِجَارَةٍ، عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ عِنْدَ سَلَمَاتِ الطَّرِيقِ بَيْنَ أُولَئِكَ السَّلَمَاتِ» كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَرُوحُ مِنَ العَرْجِ، بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بِالهَاجِرَةِ، فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ.
(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ) حدث نافعًا بالسَّند المتقدِّم أيضاً: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى فِي طَرَفِ تَلْعَةٍ) التَّلْعة: مَسِيلُ الْمَاءِ مِنْ فَوْقِ إِلَى أَسْفَلَ (مِنْ وَرَاءِ العَرْجِ) قريةٌ جامعةٌ بينها وبين الرُّوَيثة ثلاثة عشر أو أربعة عشر ميلًا (وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى هَضْبَةٍ) الهضبة: فوق الكَثيب في الارتفاع، و دون الجبل، وقال البعض: جبلٌ منبسطٌ على وجه الأرض، أو ما طال واتَّسع وانفرد من الجبال (عِنْدَ ذَلِكَ المَسْجِدِ قَبْرَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ، عَلَى القُبُورِ رَضْمٌ مِنْ حِجَارَةٍ) أي: صخورٌ بعضها فوق بعضٍ، الرَّضْمُ: الْحِجَارَةُ الْكِبَارُ، وَاحِدُهَا رَضْمَةٌ (عَنْ يَمِينِ الطَّرِيقِ، عِنْدَ سَلِمَاتِ الطَّرِيقِ) قيل: مَا يَتَفَرَّعُ عَنْ جَوَانِبِهِ، وقيل: سَلِمات: صخرات، وفي نسخة: «سَلَمات» بفتح اللَّام: شجرةٌ يُدبَغ بورقها الأديم (بَيْنَ أُولَئِكَ السَّلِمَاتِ، كَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر رضي الله عنهما (يَرُوحُ) أي يذهب (مِنَ العَرْجِ) قرية (بَعْدَ أَنْ تَمِيلَ الشَّمْسُ بِالهَاجِرَةِ) نصف النَّهار عند اشتداد الحرِّ (فَيُصَلِّي الظُّهْرَ فِي ذَلِكَ المَسْجِدِ).
489 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ عِنْدَ سَرَحَاتٍ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ فِي مَسِيلٍ دُونَ هَرْشَى، ذَلِكَ المَسِيلُ لاَصِقٌ بِكُرَاعِ هَرْشَى، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ قَرِيبٌ مِنْ غَلْوَةٍ»
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ «يُصَلِّي إِلَى سَرْحَةٍ هِيَ أَقْرَبُ السَّرَحَاتِ إِلَى الطَّرِيقِ، وَهِيَ أَطْوَلُهُنَّ»
(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ) أي: حدَّث نافعًا بالإسناد المذكور (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَزَلَ) عن راحلته (عِنْدَ سَرَحَاتٍ) شجراتٍ (عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، فِي مَسِيلٍ) واد منحدر مجوَّف يجري فيه الماء النازل من الجبال (دُونَ هَرْشَى) مقصورٌ: جبلٌ على مُلتقَى طريق المدينة والشَّام، قريبٌ من الجحفة (ذَلِكَ المَسِيلُ لَاصِقٌ بِكُرَاعِ) أي: بطرف (هَرْشَى) قَالَ الْبَكْرِيُّ: هُوَ جَبَلٌ عَلَى مُلْتَقَى طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَالشَّامِ قَرِيبٌ مِنَ الْجُحْفَةِ (بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ قَرِيبٌ مِنْ غَلْوَةٍ) هي غاية بلوغ السَّهم، مسافة تقدر اليوم بـ 185 متراً تقريباً (وَكَانَ عَبْدُ اللهِ) بن عمر (يُصَلِّي إِلَى سَرْحَةٍ هِيَ أَقْرَبُ السَّرَحَاتِ) أي: إلى شجرةٍ هي أقرب الشَّجرات (إِلَى الطَّرِيقِ، وَهْيَ أَطْوَلُهُنَّ).
490 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ فِي المَسِيلِ الَّذِي فِي أَدْنَى مَرِّ الظَّهْرَانِ، قِبَلَ المَدِينَةِ حِينَ يَهْبِطُ مِنَ الصَّفْرَاوَاتِ يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ المَسِيلِ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ، وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ إِلَّا رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ»
(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ) بالسَّند السَّابق: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْزِلُ فِي المَسِيلِ) المكان المنحدر (الَّذِي فِي أَدْنَى مَرِّ الظَّهْرَانِ) هُوَ وادٍ بين المدينة ومكة، وقريب من مكة، قَالَ الْبَكْرِيُّ: بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ سِتَّةَ عَشَرَ مِيلًا. انتهى، قال البعض: "يسمى اليوم وادي فاطمة" (قِبَلَ) أي: مقابل (المَدِينَةِ حِينَ يَهْبِطُ) وفي روايةٍ: «حتَّى يهبط» (مِنَ الصَّفْرَاوَاتِ) جمع صفراء، وهي الأودية أو الجبال الَّتي بعد مرِّ الظَّهران (يَنْزِلُ فِي بَطْنِ ذَلِكَ المَسِيلِ عَنْ يَسَارِ الطَّرِيقِ وَأَنْتَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، لَيْسَ بَيْنَ مَنْزِلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ الطَّرِيقِ إِلَّا رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ).
491 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى، وَيَبِيتُ حَتَّى يُصْبِحَ، يُصَلِّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ، لَيْسَ فِي المَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ، وَلَكِنْ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ»
(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ) بالسَّند السَّابق: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَنْزِلُ بِذِي طُوًى) موضعٌ بمكَّة (وَيَبِيتُ) بها (حَتَّى يُصْبِحَ، يُصَلِّي الصُّبْحَ حِينَ يَقْدَمُ مَكَّةَ، وَمُصَلَّى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ) موضعٌ مرتفعٌ على ما حوله، أو تلٌّ من حجرٍ واحدٍ (غَلِيظَةٍ) وفي روايةٍ: «عظيمةٍ» (لَيْسَ فِي المَسْجِدِ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ) أي هناك (وَلَكِنْ أَسْفَلَ) أي في موضع أسفلَ (مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَكَمَةٍ غَلِيظَةٍ) على موضع مرتفع عظيم.
492 - وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، حَدَّثَهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيِ الجَبَلِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجَبَلِ الطَّوِيلِ، نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَجَعَلَ المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ يَسَارَ المَسْجِدِ، بِطَرَفِ الأَكَمَةِ، وَمُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْفَلَ مِنْهُ عَلَى الأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ، تَدَعُ مِنَ الأَكَمَةِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ تُصَلِّي مُسْتَقْبِلَ الفُرْضَتَيْنِ مِنَ الجَبَلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الكَعْبَةِ»
(وَأَنَّ عَبْدَ اللهِ بنَ عمر حَدَّثَهُ) بالسَّند السَّابق إليه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم اسْتَقْبَلَ فُرْضَتَيِ الجَبَلِ) "الْفُرْضَةُ: مَدْخَلُ الطَّرِيقِ إِلَى الْجَبَلِ، وَقِيلَ: الشَّقُّ الْمُرْتَفِعُ كَالشُّرَافَةِ، وَيُقَالُ أَيْضًا لِمَدْخَلِ النَّهْرِ". قاله في الفتح (الَّذِي بَيْنَهُ) وفي نسخة: «الَّذي كان بينه» (وَبَيْنَ الجَبَلِ الطَّوِيلِ نَحْوَ الكَعْبَةِ) أي: ناحيتها، قال نافعٌ: (فَجَعَلَ) عبد الله (المَسْجِدَ الَّذِي بُنِيَ ثَمَّ) أي: هناك (يَسَارَ المَسْجِدِ بِطَرَفِ الأَكَمَةِ، وَمُصَلَّى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَسْفَلَ مِنْهُ عَلَى الأَكَمَةِ السَّوْدَاءِ، تَدَعُ مِنَ الأَكَمَةِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ) تقريباً خمسة أمتار (أَوْ نَحْوَهَا، ثُمَّ تُصَلِّي) حال كونك (مُسْتَقْبِلَ الفُرْضَتَيْنِ مِنَ الجَبَلِ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَ الكَعْبَةِ).
قال ابن كثير: "وَهَذِهِ الْأَمَاكِنُ لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ كَثِيرٌ مِنْهَا أَوْ أَكْثَرُهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ غُيِّرَ أَسْمَاءُ أَكْثَرِ هَذِهِ الْبِقَاعِ الْيَوْمَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ الَّذِينَ هُنَاكَ، فَإِنَّ الْجَهْلَ قَدْ غَلَبَ عَلَى أَكْثَرِهِمْ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَهَا الْبُخَارِيُّ رحمه الله، فِي كِتَابِهِ لَعَلَّ أَحَدًا يَهْتَدِي إِلَيْهَا بِالتَّأَمُّلِ وَالتَّفَرُّسِ وَالتَّوَسُّمِ، أَوْ لَعَلَّ أَكْثَرَهَا أَوْ كَثِيرًا مِنْهَا كَانَ مَعْلُومًا فِي زَمَانِ الْبُخَارِيِّ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ". انتهى
وقال ابن حجر: "(تَنْبِيهَاتٌ):
الْأَوَّلُ: اشْتَمَلَ هَذَا السِّيَاقُ عَلَى تِسْعَةِ أَحَادِيثَ أَخْرَجَهَا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ فِي مَسْنَدِهِ مُفَرَّقَةً مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ يُعِيدُ الْإِسْنَادَ فِي كُلِّ حَدِيثٍ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرِ الثَّالِثَ.
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْهَا الْحَدِيثَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ.
الثَّانِي: هَذِهِ الْمَسَاجِدُ لَا يُعْرَفُ الْيَوْمَ مِنْهَا غَيْرُ مَسْجِدَيْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَالْمَسَاجِدُ الَّتِي بِالرَّوْحَاءِ يَعْرِفُهَا أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ فِي أَخْبَارِ الْمَدِينَةِ لَهُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةُ بَسْطٍ فِي صِفَةِ تِلْكَ الْمَسَاجِدِ". انتهى
قال ابن رجب: "قد ذكرنا فيما سبق في (باب: اتخاذ المساجد في البيوت) حكمَ اتباعِ آثار النبي صلى الله عليه وسلم، والصلاةِ في مواضعِ صلاته، وأن ابن عمر كان يفعل ذلك، وكذلك ابنه سالم.
وقد رخص أحمد في ذلك على ما فعله ابن عمر، وكره ما أحدثه الناس بعد ذلك من الغلو والإفراط، والأشياء المحدثة التي لا أصل لها في الشريعة.
وقد كان ابن عمر مشهورا بتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك صلاته في المواضع التي كان يصلي فيها.
وهي على نوعين:
أحدهما: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقصده للصلاة فيه، كمسجد قباء، ويأتي ذكره في موضعه من الكتاب إن شاء الله تعالى.
والثاني: ما صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقا لإدراك الصلاة له عنده، فهذا هو الذي اختُص ابن عمر باتباعه.
وقد روى ابن سعد: أنا معن بن عيسى: ثنا عبد الله بن المؤمل، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: ما كان أحد يتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله، كما كان ابن عمر يتبعه.
ثم ذكر ما ورد من آثارٍ في تتبع ابن عمر آثار النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن حجر: "وَمُحَصِّلُ ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَتَبَرَّكُ بِتِلْكَ الْأَمَاكِنِ، وَتَشَدُّدُهُ فِي الِاتِّبَاعِ مَشْهُورٌ، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ رَأَى النَّاسَ فِي سَفَرٍ يَتَبَادَرُونَ إِلَى مَكَانٍ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالُوا: قَدْ صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: مَنْ عُرِضَتْ لَهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَإِلَّا فَلْيَمْضِ، فَإِنَّمَا هَلَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُمْ تَتَبَّعُوا آثَارَ أَنْبِيَائِهِمْ، فَاتَّخَذُوهَا كَنَائِسَ وَبِيَعًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ عُمَرَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ زِيَارَتَهُمْ لِمِثْلِ ذَلِكَ بِغَيْرِ صَلَاةٍ أَوْ خَشِيَ أَنْ يُشْكِلَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَا يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ فَيَظُنَّهُ وَاجِبًا، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَأْمُونٌ مِنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ عِتْبَانَ وَسُؤَالُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ لِيَتَّخِذَهُ مُصَلًّى وَإِجَابَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَى ذَلِكَ، فَهُوَ حُجَّةٌ فِي التَّبَرُّكِ بِآثَارِ الصَّالِحِينَ".
قال ابن باز: هذا خطأ، والصواب ما تقدم، وغير النبي صلى الله عليه وسلم لا يقاس عليه في مثل هذا.
والحق أن عمر رضي الله عنه أراد بالنهي عن تتبع آثار الأنبياء، سد الذريعة إلى الشرك، وهو أعلم بهذا الشأن من ابنه رضي الله عنهما.
وقد أخذ الجمهور بما رآه عمر.
وليس في قصة عتبان ما يخالف ذلك؛ لأنه في حديث عتبان قد قصد أن يتأسى به صلى الله عليه وسلم في ذلك، بخلاف آثاره في الطرق ونحوها فإن التأسي به فيها وتتبعها لذلك غير مشروع؛ كما دل عليه فعل عمر، وربما أفضى ذلك بمن فعله إلى الغلو والشرك كما فعل أهل الكتاب. والله أعلم". انتهى
قال الشيخ عبد المحسن العباد في "التحذير من تعظيم الآثار غير المشروعة".
وأمَّا الآثار التي أوردها الكاتب في تتبُّع آثار النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم المكانية، فهي عن ابن عمر رضي الله عنه، وهذا مشهور عنه، والمشهور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم خلافُ ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (2/278 ـ 279) :
"فأمَّا قصدُ الصلاة في تلك البقاع التي صلَّى فيها اتفاقاً، فهذا لم يُنقل عن غير ابن عمر من الصحابة، بل كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حُجَّاجاً وعُمَّاراً ومسافرين، ولَم يُنقل عن أحد منهم أنَّه تحرَّى الصلاة في مصلَّيات النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أنَّ هذا لو كان عندهم مستحبًّا لكانوا إليه أسبقَ؛ فإنَّهم أعلمُ بسنَّته وأتبعُ لها من غيرهم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي وسنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين من بعدي، تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ، وإيَّاكم ومحدثات الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة".
وتَحرِّي هذا ليس من سنة الخلفاء الراشدين، بل هو مِمَّا ابتُدع، وقول الصحابي إذا خالفه نظيره ليس بحجة، فكيف إذا انفرد به عن جماهير الصحابة؟!
أيضاً فإنَّ تحرِّي الصلاة فيها ذريعةٌ إلى اتِّخاذها مساجد، والتشبُّه بأهل الكتاب مِمَّا نُهينا عن التشبه بهم فيه، وذلك ذريعة إلى الشرك بالله، والشارعُ قد حسَم هذه المادة بالنهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، وبالنهي عن اتخاذ القبور مساجد، فإذا كان قد نهي عن الصلاة المشروعة في هذا المكان وهذا الزمان سدًّا للذريعة، فكيف يُستحبُّ قصد الصلاة والدعاء في مكان اتَفقَ قيامُهم فيه، أو صلاتُهم فيه، من غير أن يكونوا قد قصدوه للصلاة فيه والدعاء فيه؟! "
أقول -العباد-: بل إنَّ عمر رضي الله عنه نهى عن ذلك، فعن المعرور بن سويد قال: "كنت مع عمر بين مكة والمدينة، فصلى بنا الفجر فقرأ {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} و {لِإِيلافِ قُرَيْشٍ} ، ثمَّ رأى قوماً ينزلون فيُصلُّون في مسجد فسأل عنهم، فقالوا: مسجد صلَّى فيه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال: إنَّما هلك مَن كان قبلكم أنَّهم اتخذوا آثار أنبيائهم بيَعا، مَن مرَّ بشيء من المساجد فحضرت الصلاة فليُصلِّ، وإلَاّ فليمض" رواه عبد الرزاق (2/118 ـ 119) وابن أبي شيبة (2/376 ـ 377) بإسناد صحيح.
قال شيخ الإسلام معلِّقاً على هذا الأثر: "فلمَّا كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يقصد تخصيصَه بالصلاة فيه، بل صلَّى فيه لأنَّه موضع نزوله، رأى عمر أنَّ مشاركتَه في صورة الفعل من غير موافقة له في قصده ليس متابعة، بل تخصيص ذلك المكان بالصلاة من بدع أهل الكتاب التي هلكوا بها، ونهى المسلمين عن التشبه بهم في ذلك، ففاعل ذلك متشبِّه بالنَبيِّ صلى الله عليه وسلم في الصورة، ومتشبِّه باليهود والنصارى في القصد الذي هو عمل القلب" مجموع الفتاوى (1/281)
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم