شرح صحيح البخاري ح(504و505و506)

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • بَابُ الصَّلاَةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ

    (بابُ) جوازِ (الصَّلاةِ بَيْنَ السَّواري في غَيْرِ جَماعَةٍ) أما في جماعة فتكره.

    قال ابن رجب: "مقصود البخاري بهذا الباب: أن من صلى بين ساريتين منفرداً -كمن يصلي تطوعًا- فإنه لا يُكره له ذلك كما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة، وكان ابن عمر يفعله.

    وكذا لو صلى جماعةً، وكان إمامَهم، ووقف بين الساريتين وحدَه، وقد فعل ذلك سعيد بن جبير وسويد بن غَفَلة.

    ورخص فيه سفيانُ للإمام، وكرهه للمأمومين.

    وإنما يُكره ذلك؛ لصفٍّ تقطعه السواري، فلو صلى اثنان أو ثلاثة جماعةً بين ساريتين لم يُكره - أيضا - هذا قولُ أصحابنا، وأصحاب الشافعي، وغيرِهم من العلماء، وعلى مثل ذلك حملوا ما ورد من النهي عنه - مرفوعا، وموقوفا ...".

    ثم ذكر ما ورد، وتكلم في صحتها.

    ثم قال: "قال ابن المنذر: لا أعلم في هذا خبراً يثبت".

    وقال ابن رجب: وقال -أي ابن المنذر-: "وقد روي النهيُّ عنه، عن حذيفة وابن مسعود وابن عباس، وهو قول النخعي.

    وحكاه الترمذي عن أحمد وإسحاق.

    وذكر ابن رجب روايات عن أحمد.

    وقال: "ورخص فيه ابن سيرين وأبو حنيفة ومالك وابن المنذر.

    وفي "تهذيب المدونة" للمالكية: لا بأس بالصلاة بين الأساطين لضيق المسجد.

    وقد روي عن حذيفة، أنه كرهه لقطع الصفوف، أيضا.

    وقال: ومن أهل الحديث من حمل الكراهة على من صلى وحده مع الجماعة بين السواري؛ لأنه يصير فذًّا، بخلاف من صلى مع غيره.

    وهذا بعيد جداً، ولا فرق في هذا بين ما بين السواري وغيرها". انتهى

    قال ابن المنذر: وقد اختلف أهل العلم في الصف ‌بين ‌السواري، فكرهت طائفةٌ الصفَّ ‌بين ‌السواري، وممن كره ذلك ابنُ مسعود، وحذيفةُ بنُ اليمان، وروي ذلك عن ابن عباس، وكره ذلك النخعي.

    وقال: ورخصت طائفةٌ فيه، وممن رخص فيه ابنُ سيرين، ومالكٌ، وأصحابُ الرأي.

    قال أبو بكر: ليس في هذا الباب خبرٌ يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عنه، وأعلى ما فيه قولُ أنس: "كنا نتقيه"، ولو اتقى متقٍ كان حسنًا، ولا مأثم عندي على فاعله". انتهى

    قال ابن العربي: "ولا خلاف في جوازه عند الضيق، وأما عند السعة فهو مكروه للجماعة، فأما الواحد فلا بأس به، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة بين سواريها". انتهى

    في النهي عن الصلاة بين السواري واتقاء الصلاة بينها حديثان:

    حديث هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا نُنْهَى أَنْ نَصُفَّ ‌بَيْنَ ‌السَّوَارِي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَنُطْرَدُ عَنْهَا طَرْدًا.

    انفرد بإخراجه ابن ماجه، دون بقية الستة.

    قال البزار: لا نعلم روى هذا الحديث عن قتادة إلا هارون. انتهى

    وهارون بن مسلم البصري، مجهول.

    قال ابن رجب: وقال ابن المديني: إسناده ليس بالصافي. قال وأبو مسلم هذا مجهول. وكذا قال أبو حاتم: هو مجهول.

    وقال ابن رجب: "وفيه عن ابن عباس مرفوعاً ولا يثبت". انتهى

    وحديث:

    عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدُفِعْنَا إِلَى السَّوَارِي فَتَقَدَّمْنَا، وَتَأَخَّرْنَا، فَقَالَ أَنَسٌ: كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم».

    وهو صحيح، عبد الحميد هو المِعولي، وثقه النسائي، وقال الدارقطني: يحتج به.

    وخلاصة حكم المسألة:

    تجوزُ صلاةُ الجماعةِ بين السواري مِن غير كراهة عند الضيق، وأما عند السَّعة فتكره للجماعة.

    أما المنفرد، فلا بأس بها، ولا تكره؛ لصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة بين سواريها.

    ولا تكره كذلك للإمام كما تقدم في كلام ابن رجب، ولا للاثنين والثلاثة الذين لا تقطع صفهم السارية. والله أعلم  

     

    504 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: " دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البَيْتَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ، وَبِلاَلٌ فَأَطَالَ، ثُمَّ خَرَجَ وَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ، فَسَأَلْتُ بِلاَلًا: أَيْنَ صَلَّى؟ قَالَ: بَيْنَ العَمُودَيْنِ المُقَدَّمَيْنِ"

    (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي المنقري.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ) بن أسماء الضُّبَعي البصري.

    (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنه (قَالَ: " دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) الكعبة (البَيْتَ) الحرام (وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ) بن حارثة (وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ) الحجبي، صاحب مفتاح البيت (وَبِلاَلٌ) بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَأَطَالَ) النبي صلى الله عليه وسلم المُكث فيه (ثُمَّ خَرَجَ).

    قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه (وَكُنْتُ أَوَّلَ النَّاسِ دَخَلَ عَلَى أَثَرِهِ) أو إِثْرِه، والذي في اليونينية: "أَثَرِه"، ومعناهما واحد أي بعده (فَسَأَلْتُ بِلاَلًا: أَيْنَ صَلَّى) النبي صلى الله عليه وسلم؟ (قَالَ) بلال: صلى (بَيْنَ العَمُودَيْنِ المُقَدَّمَيْنِ) قال ابن حجر: "فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ: "الْمُتَقَدِّمَيْنِ" كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ الَّتِي تَلِيهَا: "جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَلَيْسَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ مُخَالَفَةٌ.

    لَكِنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: "وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ"؛ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ يُشْعِرُ بِكَوْنِ مَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ كَانَ اثْنَيْنِ، وَلِهَذَا عَقَّبَهُ الْبُخَارِيُّ بِرِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ الَّتِي قَالَ فِيهَا: "عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ".

    وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ حَيْثُ ثَنَّى أَشَارَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْبَيْتُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَحَيْثُ أَفْرَدَ أَشَارَ إِلَى مَا صَارَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ.

    وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ: "وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ"؛ لِأَنَّ فِيهِ إِشْعَارًا بِأَنَّهُ تَغَيَّرَ عَنْ هَيْئَتِهِ الْأُولَى.

    وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: لَفْظُ الْعَمُودِ جِنْسٌ يَحْتَمِلُ الْوَاحِدَ وَالِاثْنَيْنِ، فَهُوَ مُجْمَلٌ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ: "وَعَمُودَيْنِ"، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: لَمْ تَكُنِ الْأَعْمِدَةُ الثَّلَاثَةُ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ، بَلِ اثْنَانِ عَلَى سَمْتٍ، وَالثَّالِثُ عَلَى غَيْرِ سَمْتِهِمَا، وَلَفْظُ الْمُقَدَّمَيْنِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ مُشْعِرٌ بِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

    قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا رِوَايَةُ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي بَابِ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى}، فَإِنَّ فِيهَا: "بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِ الدَّاخِلِ" وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ عَمُودَانِ عَلَى الْيَسَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى بَيْنَهُمَا، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ ثَمَّ عَمُودٌ آخَرُ عَنِ الْيَمِينِ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، أَوْ عَلَى غَيْرِ سَمْتِ الْعَمُودَيْنِ، فَيَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ: "جَعَلَ عَنْ يَمِينِهِ عَمُودَيْنِ"، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: "جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ".

    وذكر احتمالا آخر.

     

    505 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الكَعْبَةَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلاَلٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الحَجَبِيُّ فَأَغْلَقَهَا عَلَيْهِ، وَمَكَثَ فِيهَا، فَسَأَلْتُ بِلاَلًا حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاَثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ البَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى ". وَقَالَ لَنَا: إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، وَقَالَ: «عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ».

    (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي الدمشقي.

    (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) بن أنس إمام دار الهجرة.

    (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الكَعْبَةَ وَ) دخل معه (أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَبِلاَلٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الحَجَبِيُّ) نسبةً إلى حِجَابَةَ ‌الْكَعْبَةِ، وهي فتحها وإغلاقها وحفظها وخدمتها (فَأَغْلَقَهَا) أي: الحجبي أغلق باب الكعبة (عَلَيْهِ) صلى الله عليه وسلم (وَمَكَثَ) النبي صلى الله عليه وسلم (فِيهَا).

    قال ابن عمر: (فَسَأَلْتُ بِلاَلًا حِينَ خَرَجَ: مَا صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) في الكعبة (قَالَ) بلال (جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ، وَثَلاَثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ، وَكَانَ البَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ، ثُمَّ صَلَّى)

    قال البخاري: (وَقَالَ لَنَا إِسْمَاعِيلُ) وفي نسخة: "قال لنا إسماعيل". قال ابن حجر: "وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ: "قَالَ لَنَا" فَوَضَّحَ وَصْلَهُ". (حَدَّثَنِي مَالِكٌ) بن أنس الإمام (وَقَالَ: «عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ")

    قال ابن حجر: "وَقَدْ ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ الِاخْتِلَافَ عَلَى مَالِكٍ فِيهِ، فَوَافَقَ الْجُمْهُورُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ: "عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ".

    وَوَافَقَ إِسْمَاعِيلَ فِي قَوْلِهِ: "عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ": ابْنُ الْقَاسِمِ، وَالْقَعْنَبِيُّ، وَأَبُو مُصْعَبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو حُذَافَةَ، وَكَذَا الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ مَهْدِيٍّ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا.

    وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيُّ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ مُسْلِمٌ: "جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ، وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ" عَكْسَ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ، وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَبِشْرُ بْنُ عُمَرَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُمَا.

    وَجَمَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ تَعَدُّدِ الْوَاقِعَةِ، وَهُوَ بَعِيدٌ لِاتِّحَادٍ مَخْرَجِ الْحَدِيثِ.

    وَقَدْ جَزَمَ الْبَيْهَقِيُّ بِتَرْجِيحِ رِوَايَةِ إِسْمَاعِيلَ وَمَنْ وَافَقَهُ.

    وَفِيهِ اخْتِلَافٌ رَابِعٌ: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، عَنْ مَالِكٍ: جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ.

    وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُهُ بِأَنْ يَكُونَ هُنَاكَ أَرْبَعَةُ أَعْمِدَةٍ، اثْنَانِ مُجْتَمِعَانِ وَاثْنَانِ مُنْفَرِدَانِ، فَوَقَفَ عِنْدَ الْمُجْتَمِعَيْنِ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: "وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ"، بَعْدَ قَوْلِهِ: "وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ"، وَقَدْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَمْ يُتَابَعْ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ". انتهى

     

     

    وقال ابن رجب: "قد دلَّ هذان الحديثان على أن البيت الحرام كان فيه ستةُ أعمدة حين دخله النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت الأعمدةُ صفين، في كل صف ثلاثةُ أعمدة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الأعمدةَ الثلاثةَ التي تلي باب البيت خلف ظهره، وتقدم إلى الأعمدة المتقدمة، فصلى بين عمودين منها".

    بَابٌ

    506 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ «إِذَا دَخَلَ الكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ، وَجَعَلَ البَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ، فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبًا مِنْ ثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ، صَلَّى يَتَوَخَّى المَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلاَلٌ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِيهِ»، قَالَ: وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِنَا بَأْسٌ إِنْ صَلَّى فِي أَيِّ نَوَاحِي البَيْتِ شَاءَ

    (بَابٌ)

    قال ابن حجر: "قوله: (باب) كذا للأكثر بلا ترجمة، وهو كالفصل من الباب الذي قبله، وكأنه فصله عنه لأنه ليس فيه تصريحٌ بكون الصلاةِ وقعت بين السواري، لكن فيه بيانُ مقدار ما كان بينه وبين الجدار من المسافة. وسقط لفظ (باب) من رواية الأصيلي". انتهى

    وقال غيره: "وإنَّما فصَل هذا الحديث عمَّا قبلَه بـ (باب)؛ لأنَّه ليس صريحًا في الصَّلاة بين الأُسطُوانتين، لكنْ هو المراد بدليل باقي الأحاديث، أو أنَّ كونَه مُقابِلًا للباب قريبًا من الجدار يَستلزم أَنْ يكون بين الأُسطُوانتين". انتهى

    (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ) الحزامي.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ) أنس بن عياض بن ضمرة الليثي.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ) بن أبي عياش، صاحب المغازي.

    (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ، كَانَ «إِذَا دَخَلَ الكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ) أي مقابل (وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ، وَجَعَلَ البَابَ قِبَلَ) أي مقابل (ظَهْرِهِ، فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ) الذي أمامه (قَرِيبًا) قال ابن حجر: "كَذَا وَقَعَ بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَاسْمُهَا مَحْذُوفٌ". انتهى

    أي القدر أو المكان قريبًا (مِنْ ثَلاَثَةِ أَذْرُعٍ، صَلَّى يَتَوَخَّى) أي يتحرّى ويقصد (المَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلاَلٌ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِيهِ». قَالَ) ابن عمر رضي الله عنهما (وَلَيْسَ عَلَى أَحَدِنَا بَأْسٌ إِنْ صَلَّى فِي أَيِّ نَوَاحِي البَيْتِ شَاءَ).

    قال ابن حجر: "وَمُرَادُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ مُوَافَقَةُ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، بَلْ مُوَافَقَةُ ذَلِكَ أَوْلَى وَإِنْ كَانَ يَحْصُلُ الْغَرَضُ بِغَيْرِهِ".

    وقال غيره: "هذا من كلام ابن عمر؛ دفع به وهم من يتوهم أنه لا يُصلي إلا في المكان الذي صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم".

    وجعله ابن رجب من قول نافع فقال: "الظاهر أنه من قول نافع، وقد وافقه أكثرُ العلماء على ذلك، منهم: الثوري والشافعي.

    وقد روي عن أحمد أنه لا يصلي في الكعبة إلا إلى الجهة التي صلى إليها النبي صلى الله عليه وسلم.

    وحمله أصحابنا على الاستحباب، وقد سبق ذلك". انتهى

    وفي الحديث دليل صحة الصلاة في الكعبة.

    وفيه الدنو من السترة. وقد تقدم.

    وقال ابن رجب: "وفي الحديث - أيضا - دليل على أن من دخل مسجدا وأراد أن يصلي فيه تطوعا، فالأولى له أن يصلي في صدر المسجد، لا عند بابه".

    الحديث متفق عليه وقد تقدم.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم