شرح صحيح البخاري ح(533و538)

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • بابُ الإِبْرادِ بِالظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الحَرِّ

    (بابُ) فضلِ (الإِبرادِ بالظُّهْرِ) أي: بتأخير إقامتها عن أول وقتها (في شِدَّةِ الحَرِّ) إلى حين ذهاب شدّة الحر.

    533 - 534 - حدَّثنا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: حَدَّثَنا أبو بَكْرٍ، عن سُلَيْمانَ: قالَ صالِحُ بْنُ كَيْسانَ: حدَّثنا الأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُ: عن أَبِي هُرَيْرَةَ. وَنافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّهُما حَدَّثاهُ عن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ قالَ: «إِذا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عن الصَّلاةِ؛ فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».

    (حدَّثنا أَيُّوبُ بْنُ سُلَيْمانَ) بن بلال القرشي التيمي مولاهم، أبو يحيى المدني، يروي عن أتباع التابعين، صدوق. مات سنة أربع وعشرين ومائتين. روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.

    (قالَ: حَدَّثَنا أبو بَكْرٍ) عبد الحميد بن عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي. صدوق. تقدم

    (عن سُلَيْمانَ) بن بلال التيمي مولاهم، أبو أيوب المتقدم، شيخ البخاري. ثقة. تقدم

    قال ابن رجب: "وهذا من جملة نسخة يرويها أيوب، عن أبي بكر، عن سليمان.

    والبخاري يخرج منها كثيراً، وقد توقف فيها أبو حاتم الرازي؛ لأنها مناولةٌ، فإنه قال: "قال ابن أبي أويس: أخذتُ أنا وأيوبُ بنُ سليمان بنِ بلال مِن أخي ألفاً ومائتي ورقةً مناولةً، فعارضنا بها".

    قال أبو حاتم: "فزهِدتُ فيها من أجل ذلك، فلم أسمعها مِن واحد منهما".

    قال ابن رجب: ولكن الرواية بالمناولة جائزة عند الأكثرين.

    وقد ذكر الطبراني أن هذا الحديثَ تفرد به أيوب بهذا الإسناد.

    ولكن قد روي حديثُ الأعرج، عن أبي هريرة من غير هذا الوجه.

    خرجه ابن ماجه عن هشام بن عمار، عن مالك، عن أبي الزناد، عنه.

    وهو في " الموطأ" كذلك.

    وكذلك حديث نافع، خرّجه ابن ماجه - أيضا - من طريق الثقفي، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أبرِدوا بالظهر". انتهى

    (قالَ صالِحُ بْنُ كَيْسانَ) ثقة. تقدم

    (حدَّثنا الأَعْرَجُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ) ابن هرمز، ثقة. تقدم.

    (وَغَيْرُهُ) قال الحافظ ابن حجر: "هو أبو سلمة بن عبد الرحمن فيما أظن".

    (عن أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه.

    قال صالح بن كيسان: وحدثنا (وَنافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) ابن الخطاب.

    (عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله عنه (أَنَّهُما) أي: أبو هريرة وابن عمر (حَدَّثاهُ) أي: حدّثا من حدّث صالح بن كيسان، أو الضمير في أنهما للأعرج ونافع؛ يعني: أن الأعرج ونافعًا حدّثاه، يعني: صالح بن كيسان عن شيخهما بذلك، ولابن عساكر وهو عند الإسماعيلي "حدّثا" بغير ضمير، وحينئذ فلا يحتاج إلى التقدير المذكور. كذا في الشرح.

    (عن رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَنَّهُ قالَ: «إِذا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عن الصَّلاةِ) وفي رواية: "بالصلاة" بـ"عن" و"الباء"، والمعنى واحد، والمقصود بصلاة الظهر، كما في رواية أبي سعيد، والمطلق يحمل على المقيد.

    أي: أخّروا صلاة الظهر عند وقت شدة الحر؛ أخروها عن وقت شدة الحر إلى أن ينكسر حر الشمس ويبرد النهار.

    فالتأخير إلى وقت ذهاب شدّة الحر، وسيأتي قدْره.

    (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ) نار (جَهَنَّمَ) أي من سطوعها وهيجانها وغليانها.

    قال صاحب المحكم: "فاحَ الحَرُّ يَفِيحُ فَيْحاً: سَطَعَ وهاج.

    وَفِي الحَدِيث: " شِدَّةُ الحرِّ من ‌فَيْح ‌جَهَّنَم ".

    وأفِحْ عَنْك من الظهيرة، أَي أقِم حَتَّى يسْكُنَ عَنْك حرُّ النَّهَار ويبَرُدَ". انتهى

    الحديثان متفق عليهما من غير هذا الطريق.

     

    535 - حدَّثنا ابْنُ بَشَّارٍ، قالَ: حدَّثنا غُنْدَرُ، قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ، عن المُهاجِرِ أَبِي الحَسَنِ: سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ: عن أَبِي ذَرٍّ، قالَ: أَذَّنَ مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ، فقالَ: «أَبْرِدْ أَبْرِدْ». أَوْ قالَ: «انْتَظِرِ انْتَظِرْ». وَقالَ: «شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عن الصَّلاةِ». حَتَّى رَأَيْنا فَيْءَ التُّلُولِ.

    (حدَّثنا) محمد (ابْنُ بَشَّارٍ) بُندار.

    (قالَ: حدَّثنا غُنْدَرُ) محمد بن جعفر.

    (قالَ: حدَّثنا شُعْبَةُ) بن الحجاج أبو بسطام.

    كلهم ثقات تقدموا.

    (عن المُهاجِرِ أَبِي الحَسَنِ) التيمي مولاهم، الكوفي الصائغ. تابعي، ثقة. روى له الجماعة سوى ابن ماجه.

    اسمه مهاجر، والألف واللام فيه كالتي في الحسن والعباس.

    (سَمِعَ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ) الجهني، أبو سليمان الكوفي. تابعي مخضرم. ثقة جليل القدر. مات بعد الثمانين، وقيل غير ذلك. روى له الجماعة.

    (عن أَبِي ذَرٍّ) جندب بن جنادة الغفاري الصحابي رضي الله عنه، تقدم.

    أنه (قالَ: أَذَّنَ) بلال (مُؤَذِّنُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الظُّهْرَ، فقالَ) عليه الصلاة والسلام لبلال رضي الله عنه («أَبْرِدْ أَبْرِدْ») مرتين (أَوْ قالَ) عليه الصلاة والسلام: («انْتَظِرِ انْتَظِرْ») مرتين كذلك.

    فإن قلت: ينبغي أن يبقى الأذانُ في وقته، وتؤخَر الإقامة إلى حين الإبراد؛ فالإبراد للصلاة لا للأذان.

    أجيب: بأنه مبني على أن الأذان هل هو للوقت أو للصلاة؟

    قال ابن حجر: "وفيه خلاف مشهور، والأمر المذكور يقوي القول بأنه للصلاة". انتهى

    فإذا كان الأذان للصلاة فيؤخر مع الصلاة للإبراد.

    وسيأتي إن شاء الله في حديث أبي ذر: "فأراد المؤذّن أن يؤذن للظهر"، فقال له: "أبرِد".

    فظاهره يدل على أنه يُشرع الإبرادُ بالأذان عند إرادةِ الإبراد بالصلاة، فلا يؤذن إلا في وقتٍ يصلي فيه، فإذا أُخرت الصلاةُ أُخر الأذانُ معها، وإن عُجِّلت عُجِّل الأذانُ.

    (وَقالَ) عليه الصلاة والسلام («شِدَّةُ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عن الصَّلاةِ») أي: إذا اشتد الحر فتأخروا عن الصلاة مبردين. قال أبو ذر: كان يقول أبردوا (حَتَّى) أي: أخّرنا إلى أن (رَأَيْنا فَيْءَ التُّلُولِ) جمع تل؛ وهو كلُّ ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك، وهي في الغالب منبطحةٌ غيرُ شاخصةٍ لا يظهر لها ظل إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر. كذا قال الحافظ.

    قال ابن رجب: يعني: "حتى مالت الشمس وبعُدت عن وسط السماء، حتى ظهر للتُّلول فيء.

    وفي النهاية: "والتُّلول: بضم التاء جمع التل، وهو: الرّابية؛ وأراد بالفيء الزائدَ على ما يبقى عند الزوال؛ فإنّ الذي بالمدينة ما يُرى في التُّلول إلا إذا زاد على ذلك القدر". انتهى

    وقد اختلف العلماء في غاية الإبراد، فقيل: حتى يصير الظل ذراعًا بعد ظل الزوال.

    والذراع من خمسين إلى ستين سم.

    قال صاحب المنحة: "وغاية الإبراد: أن يصير الظلُّ ذراعًا بعد ظلِّ الزوال، أو رُبعَ قامةٍ، أو ثلثَها، أو نصفَها، أو يختلفُ باختلاف الأوقات. أقوالٌ". انتهى

    وذكر ابن رجب أقوالًا في المسألة.

    وقال: "وفي حديث أبي ذر دليل على أن حد الإبراد إلى أن يظهر فيءُ التُّلُولِ ونحوُها". انتهى

    قال ابن باز: حتى يمضي نصف الوقت.

    وقال: "إلا إذا كان في شدة الحر، فالسُنة الإبراد في الأذان والصلاة إذا كان شدة حر شرع للجميع الإبراد في الأذان، والإبراد بالصلاة، حتى ينكسر الحر، حتى يكون للحيطان ظل يمشي معها الناس، كما كان يفعله عليه الصلاة والسلام". انتهى

    وقال في موضع آخر: "المشروع للإمام أن يبرد بالظهر في حال شدة الحر، ولو في السفر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا اشتد الحر ‌فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم» وليس له حد محدود فيما نعلم، وإنما يشرع للإمام التحري في ذلك، فإذا انكسرت شدة الحر وكثر الظل في الأسواق كفى ذلك. والله ولي التوفيق". انتهى

    وقال ابن عثيمين رحمه الله: "والإبراد إنما يكون إبرادا إذا أخرت صلاة الظهر حتى تنكسر الأفياء ويبرد الجو، وذلك بأن تكون قبل صلاة العصر. أمّا الإبراد الذي يفعله بعض الناس سابقا بأن يؤخروا صلاة الظهر عن العادة بنصف ساعة أو ساعة فليس إبرادا في الحقيقة بل هذا لا يزيد الجو إلا حراً".

    وقال في شرح قوله:" ثم أذَّن لمَّا ساوى الظِلُّ التُّلُولَ": يعني: قُرب وقت صلاة العصر؛ لأنه إذا ساوى الشيءُ ظِلَّه؛ لم يبقَ ما يسقط من هذا الظلِّ إلا فيء الزَّوال، وفيءُ الزَّوال في أيَّام الصيف وشدَّة الحَرِّ قصير جداً.

    فقوله في الحديث: «حتى سَاوى الظِلُّ التُّلُولَ»، يعني: مع فيءِ الزَّوال، وهذا متعيِّن؛ لأنه لو اعتبرت المساواة بعد فيء الزَّوال؛ لكان وقت الظُّهر قد خرجَ؛ فينبغي في شِدَّة الحرِّ الإبرادُ إلى هذا الوقت، يعني: قُرب صلاة العصر.

    وقال بعض العلماء: بل حتى يكون للشَّواخص ظِلٌّ يُستظلُّ به. لكن هذا ليس بمنضبط؛ لأنه إذا كان البناء عالياً وُجِدَ الظِلُّ الذي يُستظلُّ به قريباً، وإذا كان نازلاً فهو بالعكس. فمتى يكون للنَّاس ظِلٌّ يمشون فيه؟!

    لكن أصحُّ شيء أن يكون ظِلُّ كلِّ شيء مثله مضافاً إليه فيء الزَّوال، يعني: أنه قُرب صلاة العصر، وهذا هو الذي يحصُل به الإبراد". انتهى

    وقال ابن باز: فالسنة للجميع أن يؤخروا الصلاة بعض الشيء، حتى ينكسر الحر، وحتى يخف الحر بعض الشيء، معلوم أنه يتأخر إلى ما بعد العصر شدة الحر، لكن المقصود أنه يؤخرها بعض الشيء، حتى يكثر الظل في الأسواق، وحتى يتسهل للناس المشي إلى المساجد في الظل في ظل الحيطان، بعدما تميل الشمس إلى جهة الغرب كثيراً، ليتيسر لهم الظل وينكسر الحر والشدة؛ ولهذا قال أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه: «كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، حتى إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أحدُنا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنَ الأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ وَسَجَدَ عَلَيْهِ» فدل على أن هناك حرًّا شديداً، ولكن بعدما ينكسر بعض الشيء، ويؤخر بعض الوقت، مثل نصف ساعة أو ساعة، وما يقارب ذلك، حتى ينكسر الحر بعد الزوال في شدة الحر، سواء كان في مدينة أو قرية أو في سفر". انتهى

    لعل ما قاله ابن باز أقرب للصواب. والله أعلم

    الحديث متفق عليه.

     

    536 - 537 - حدَّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ، قالَ: حَفِظْناهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: «إِذا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، واشْتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّها، فقالتْ: يا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا. فَأَذِنَ لَها بِنَفَسَيْنِ، نَفَسٍ فِي الشِّتاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فهو أَشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الحَرِّ، وَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ».

    (حدَّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) ابن المديني.

    (قالَ: حدَّثنا سُفْيانُ) بن عيينة.

    (قالَ: حَفِظْناهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب. الإمام.

    (عن سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ) ابن حَزْن القرشي المخزومي. إمام.

    (عن أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (عن النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) أنه (قالَ: «إِذا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلاةِ) المراد الظهر لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالبًا في أوّل وقتها (فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ).

    (واشْتَكَتِ النَّارُ إلى رَبِّها) شكاية حقيقية بلسان المقال (فقالتْ: يا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا) أي فخفف عني.

    قال ابن رجب: "فالمحققون من العلماء على أن الله أنطقها بذلك نطقاً حقيقياً كما يُنطِقُ الأيديَ والأرجلَ والجلودَ يوم القيامة، وكما أنطق الجبال وغيرَها مِن الجمادات بالتسبيح والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرَ ذلك مما يُسمعُ نطقه في الدنيا". انتهى

    فخفف الله عنها: (فَأَذِنَ لَها) ربها عز وجل (بِنَفَسَيْنِ) النفس: ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء (نَفَسٍ فِي الشِّتاءِ، وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، فهو أَشَدُّ ما تَجِدُونَ) أي الذي تجدونه (مِنَ الحَرِّ) أي من ذلك النَّفس (وَأَشَدُّ ما تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) من ذلك النفس.

    والزمهرير: شدة البرد.

    قال ابن هبيرة: "في هذا الحديث من الفقه أن في النار عذابًا من حر وبرد، فإنه قال: إن شدة ما ترون من الحر، وشدة ما ترون من الزمهرير، يعني أن ذينك من ‌جهنم. انتهى

    وفيه أن النار مخلوقة موجودة الآن؛ خلافًا لأهل البدع الذين قالوا تخلق يوم القيامة.

     

    538 - حدَّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، قالَ: حدَّثنا أَبِي، قالَ: حدَّثنا الأَعْمَشُ: حدَّثنا أبو صالِحٍ: عن أَبِي سَعِيدٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ».

    تابَعَهُ سُفْيانُ وَيَحْيَى وَأَبُو عَوانَةَ، عن الأَعْمَشِ.

    (حدَّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ) بن غياث. ثقة ربما أخطأ، من أثبت الناس في أبيه.

    (قالَ: حدَّثنا أَبِي) حفص بن غياث. ثقة ثبت إذا حديث من كتابه، وله أخطاء إذا حدث من حفظه، من أثبت الناس في الأعمش.

    (قالَ: حدَّثنا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران.

    (حدَّثنا أبو صالِحٍ) ذكوان السمان.

    كلهم ثقات تقدموا.

    (عن أَبِي سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنه (قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»).

    (تابَعَهُ سُفْيانُ) أي تابع سفيانُ الثوري: حفصَ بن غياث. وقد وصله المصنف في صفة النار من بدء الخلق.

    (وَ) تابعَه أيضاً (يَحْيَى) بن سعيد القطان.

    وصله الإمام أحمد في مسنده عنه.

    (وَ) تابع حفصًا أيضًا (أَبُو عَوانَةَ) الوضاح بن عبد الله اليشكري.

    في روايتهم (عن الأَعْمَشِ) في لفظ: "أبردوا بالظهر".

    أحكام الإبراد الفقهية:

    قال ابن رجب: "والأمر بالإبراد أمرُ ندب واستحباب، لا أمر حتم وإيجاب، هذا مما لا خلاف فيه بين العلماء.

    فإن شذ أحدٌ مِن أهل الظاهر جرياً على عادتهم، ولم يبال بخرق إجماع المسلمين، كان محجوجاً بالإجماع قبله، وبحديث عمرو بن عبسة وأبي هريرة المذكورين، فإنهما يصرحان بأن الصلاة بعد الزوال مشهودة محضورة متقبلة، ولم يفرق بين فرض ونفل.

    وذهب طائفة من العلماء إلى أن الإبراد رخصة، وأن تركه سنة، والصلاة في أول الوقت بكل حال أفضل، وهو قول الليث بن سعد وطائفةٍ من أصحاب الشافعي.

    والأحاديث الصحيحة تردُّه.

    وقد جعل مالكٌ القولَ بترك الإبراد قولَ الخوارج".

    "وأما صلاة الظهر في غير شدة الحر، فجمهور العلماء على أن الأفضل تعجيلها، وفيه خلاف عن مالك يأتي ذكره فيما بعد - إن شاء الله". انتهى

    قال ابن عثيمين: "وهل الأمر هنا رخصة أو عبادة، فمن العلماء من قال إنه رخصة، وبناءً على ذلك إذا كان الأهون للناس أن لا يبرِد فإنه لا يسن الإبراد.

    ومنهم من قال هو عبادة، وبناءً على ذلك يسن الإبراد مطلقاً ما لم يشق.

    فعلى الوجه الأول أنه رخصة نقول الإبراد في زمننا لا داعي له لأنه يوجد مكيفات والبرود.

    ومن قال إنه سنة قال يسن الإبراد ولو لم يكن هناك أدنى مشقة". انتهى

     

    وقال ابن رجب: "وقد بوب البخاري على هذه الأحاديث: "الإبراد بالظهر في شدة الحر" فدل ذلك على أنه يرى الإبراد في شدة الحر بكل حال، سواء كان في البلاد الحارة أو غيرها، وسواء كان يصلِّي جماعة أو وحده.

    وهذا قول كثير من أهل العلم، وذكر طائفةٌ من المالكية كالقاضي إسماعيل وأبي الفرج أنه مذهب مالك، وذكر صاحب " المغني" من أصحابنا أنه ظاهر كلام أحمد والخرقي، ورجحه، وكذلك حكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، وحكاه الخطابي عن أحمد، ورجحه ابن المنذر، وحكاه عن أهل الرأي، وحكاه الترمذي في " جامعه" عن ابن المبارك وأحمد وإسحاق، ورجحه.

    ولذلك ذكر بعض الشافعية أنه ظاهر الحديث، ومال إليه، والمنصوص عن الشافعي: أنه لا يُستحب الإبراد إلا في شدة الحر في البلاد الحارة، لمن يصلي جماعةً، في موضع يقصده الناسُ مِن بُعد، كذا نص عليه في "الأم"، وعليه جمهور أصحابه". انتهى

    وذكر أقوالا أخرى.

    قال ابن عثيمين: بعض العلماء يقول: إنَّما الإبراد لمن يصلِّي جماعة، وزاد بعضهم: إذا كان منزله بعيداً بحيث يتضرَّرُ بالذَّهاب إلى الصَّلاة.

    وهذا قيدٌ لما أطلقه النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: «إذا اشتدَّ الحرُّ ‌فأبردوا بالصَّلاة» والخطاب للجميع، وليس من حقِّنا أن نقيِّد ما أطلقه الشَّارع، ولم يُعلِّلِ الرَّسول عليه الصلاة والسلام ذلك بأنه لمشقَّة الذَّهاب إلى الصلاة، بل قال: «إنَّ شدَّةَ الحَرِّ من فَيْحِ جهنَّم». وهذا يحصُل لمن يُصلِّي جماعة، ولمن يصلِّي وحده، ويدخل في ذلك النِّساء، فإنه يُسنُّ لهنَّ الإبراد في صلاة الظُّهر في شدَّة الحرِّ". انتهى

    فإن قلت: ما الجمع بين هذا وبين حديث خباب عند مسلم:

    قال زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: «أَتَيْنَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا». قَالَ زُهَيْرٌ: قُلْتُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: أَفِي الظُّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَفِي تَعْجِيلِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ.

    أي لم يُزِل شكوانا؟

    أجاب البعض: بأن الإبراد رخصةٌ، والتقديمُ أفضل.

    وقال آخرون: أنه منسوخ بالأمر بالإبراد، وهو جواب الإمام أحمد والأثرم.

    وقال آخرون: إنهم طلبوا منه التأخير الفاحش المقارب آخر الوقت، فلم يجبهم إليه.

    وقال ابن رجب: "وزعمت طائفة أن معنى حديث خباب: أنهم شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم يعذبون في رمضاء مكة في شدة الحر، وسألوه أن يدعو لهم، فلم يجبهم.

    وهذا بعيد، وألفاظ الحديث ترده، وقد سبق ذكره". انتهى

    قال ابن رجب: واختلفوا في المعنى الذي لأجله أُمِر بالإبراد.

    فمنهم من قال: هو حصول الخشوعِ في الصلاة؛ فإن الصلاةَ في شدة الحر كالصلاة بحضرة طعام تتوق نفسُه إليه، وكصلاةِ من يدافع الأخبثين، فإن النفوس حينئذ تتوق إلى القيلولة والراحة.

    وعلى هذا فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة.

    ومنهم من قال: هو خشية المشقة على مِن بَعُد مِن المسجد بمشيه في الحر، وعلى هذا فيختص الإبراد بالصلاة في مساجد الجماعة التي تُقصد من الأمكنة المتباعدة.

    ومنهم من قال: هو وقتُ تنفسِ جهنم...". إلخ انتهى المراد.

     

     

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم