إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ
(بابُ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ) الصلاة الفائتة (جَمَاعَةً، بَعْدَ ذَهابِ الوَقْتِ) أي بعد خروج وقت الصلاة.
يعني يشرع أن نصلي الصلاة الفائتة جماعة.
596 - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ، بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ.
(حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ) الزهراني أو الطُّفاوي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) ابن أبي عبد الله الدستوائي. ثقة من أوثق الناس في يحيى بن أبي كثير. تقدم.
(عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير اليمامي.
(عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) الأنصاري رضي الله عنه (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) رضي الله عنه (جَاءَ يَوْمَ) حفر (الخَنْدَقِ) في السنة الرابعة من الهجرة (بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ فَجَعَلَ) عمر (يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ) لِأَنَّهُمْ كَانُوا السَّبَبَ فِي تَأْخِيرِهِمُ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا (قَالَ) عمر (: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كِدْتُ أُصَلِّي العَصْرَ، حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ) اختلف العلماء في معنى كلام عمر هذا، فبعضهم قال: يعني أن عمر لم يدرك الصلاة في الوقت، وما صلاها إلا بعد غروب الشمس، وقال آخرون: بل معناه أنه تأخر في أدائها ولكنه أدركها قبل الغروب.
قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: "ظَاهره يَقْتَضِي أَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ صلى قبل الْغُرُوب"، قلت: لَا نسلمُ، بل يَقْتَضِي أَن كيدودَته كَانَت عِنْد كيدودتِها، وَلَا يلْزمُ وُقُوعُ الصَّلَاةِ فِيهَا، بل يلْزمُ أَن لَا تقعَ الصَّلَاةُ فِيهَا، إِذْ حَاصلُه عرفًا: "مَا صليتُ حَتَّى غربت الشَّمْس".
وَقَال اليعمري: "إِذا تقرر أَن معنى كَادَ المقاربة؛ فَقَوْل عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ:" مَا كدتُ أُصَلِّي الْعَصْر حَتَّى كَادَت الشَّمْس تغرب"؛ مَعْنَاهُ: أَنه صلى الْعَصْر قربَ غرُوبِ الشَّمْس؛ لِأَن نفيَ الصَّلَاةِ يَقْتَضِي إِثْبَاتهَا، وَإِثْبَاتَ الْغُرُوبِ يَقْتَضِي نَفْيَه، فَيَحصُلُ مِن ذَلِك لعمر ثُبُوتُ الصَّلَاةِ وَلم يثبُت الْغُرُوبُ". انتهى
(قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا»)
قال ابن حجر: "فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّ عُمَرَ كَانَ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَكَيْفَ اخْتُصَّ بِأَنْ أَدْرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ، وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَعَهُمْ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشُّغْلُ وَقَعَ بِالْمُشْرِكِينَ إِلَى قُرْبِ غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَكَانَ عُمَرُ حِينَئِذٍ مُتَوَضِّئًا فَبَادَرَ فَأَوْقَعَ الصَّلَاةَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فِي الْحَالِ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا قَدْ شَرَعَ يَتَهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ، وَلِهَذَا قَامَ عِنْدَ الْإِخْبَارِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى الْوُضُوءِ". انتهى
قال جابر رضي الله عنه: (فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ) وادٍ بالمدينة (فَتَوَضَّأَ) صلى الله عليه وسلم (لِلصَّلاَةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ) بنا جماعة (بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ).
قوله في الحديث: "فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاَةِ وَتَوَضَّأْنَا لَهَا" دليل على أنهم صلوا جماعة.
وهو محل الشاهد، وتقدم في الحديث لما فاتتهم صلاةُ الفجر صلوها جماعة.
فصلاة الفائتة جماعة سنةٌ نبوية مشروعة.
وفي الحديث أن الفائتة تُصلى أولًا ثم تصلى فريضةُ الوقت، فالترتيب بين الصلوات مطلوب، إلا إذا ضاق الوقت فلم يتسع إلا للحاضرة فتقدم. والله أعلم وقد اختلف العلماء في وجوب الترتيب.
وفيه جَوَازُ سَبِّ الْمُشْرِكِينَ المحاربين؛ لِتَقْرِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ.
قال العلماء: "لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْحَدِيثِ لَفْظَ السَّبِّ. فَيَنْبَغِي - مَعَ إطْلَاقِهِ - أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا لَيْسَ بِفُحْشٍ". انتهى
قال ابن رجب: "وفي حديث جابر، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب.
ولم يصرح فيه بأنه صلى بهم جماعة، لكن قولُه: "فتوضأَ للصلاة، وتوضأنا لها" مما يدل على أنه صلاها جماعة.
وقد خرجه الإسماعيلي في "صحيحه" ولفظه: "فصلى بنا العصر...". وذكر باقيه. وهذا تصريح بالجماعة.
وفي حديث نومهم عن صلاة الفجر، أنه صلى الله عليه وسلم صلى الفجر بأصحابه جماعة.
وأكثر العلماء على مشروعية الجماعة للفوائت.
فمن قال: إن صلاة الجماعة سنة، فهي عنده سنة للحاضرة والفائتة.
ومن قال: صلاة الجماعة فرض – كما هو ظاهر مذهب الإمام أحمد -، فاختلف أصحابُنا: هل الجماعةُ واجبةً، أو لا؟ على وجهين.
وممن قال بأن الجماعة مشروعةٌ للفوائت: مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد وغيرهم.
وحُكي عن الليث بن سعد: أن قضاء الفائتة فرادى أفضلُ.
وترده هذه الأحاديث الصحيحة ". انتهى
قال ابن بطّال: "قال بعض أهل العلم: لا أعلم خلافًا في جواز جمع الصلاة بعد ذهاب الوقت لمن فاتته بِعُذْرٍ بيِّن كالنوم وشبهه، إلا الليث بن سعد؛ فإنه قال في القوم يفوتهم الصلاة: أنهم يصلون فرادى، وهذا الحديث خلاف قوله، وحجةُ الجماعة".
وقال ابن رجب: "وفي الحديث: دليل على اتساع وقت المغرب؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابَه قاموا بعد غروب الشمس، فنزلوا إلى بُطحان، فتوضؤوا، ثم صلوا العصر قبل المغرب، ثم صلوا المغرب، فلو كان وقتُ المغرب مضيقاً لكان قد وقعت صلاة العصر في وقت المغرب، ولم يكن فرغوا منها حتى فات وقت المغرب، فتكون صلاة المغرب حينئذ مقضيةً بعد وقتها.
ويَرجعُ الكلامُ في ذلك إلى مَن كان عليه صلاةٌ فائتة، وقد ضاق وقت الصلاة الحاضرة عن فعل الصلاتين، فأكثر العلماء على أنه يبدأ بالحاضرة فيما بقي من وقتها، ثم يقضي الفائتة بعدها؛ لئلا تصير الصلاتان فائتتين، وهو قول الحسن وابن المسيب وربيعة والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة، وأحمد في ظاهر مذهبه، وإسحاق وطائفة من أصحاب مالك.
وهؤلاء أوجبوا الترتيب، ثم أسقطوه بخشية فوات الحاضرة.
وكذلك قال الشافعي، فإنه لا يوجب الترتيب، إنما يستحبه، فأسقط هاهنا استحبابه وجوازَه، وقال: يلزمه أن يبدأ بالحاضرة، ويأثم بتركه.
وقالت طائفة: بل يبدأ بالفائتة، ولا يسقط الترتيب بذلك، وهو قول عطاء والنخعي والزهري ومالك والليث والحسن بن حي.
وهو رواية عن أحمد، اختارها الخلال وصاحبُه أبو بكر.
وأنكر ثبوتها القاضي أبو يعلى، وذكر أن أحمد رجع عنها ". انتهى
قال النووي: "هذا ظاهره أنه صلاهما في جماعة، فيكون فيه دليلٌ لجواز صلاةِ الفريضةِ الفائتةِ جماعةً.
وبه قال العلماء كافة إلا ما حكاه القاضي عياض عن الليث بن سعد أنه منع ذلك، وهذا -إن صح عن الليث- مردودٌ بهذا الحديث والأحاديثِ الصحيحةِ الصريحةِ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصبح بأصحابه جماعةً حين ناموا عنها كما ذكره مسلم بعد هذا بقليل.
وفي هذا الحديث دليل على أن من فاتته صلاةٌ وذكرها في وقت أخرى ينبغي له أن يبدأ بقضاء الفائتةِ ثم يصلي الحاضرةَ، وهذا مجمع عليه، لكنه عند الشافعي وطائفةٍ على الاستحباب، فلو صلى الحاضرةَ ثم الفائتةَ جاز، وعند مالكٍ وأبي حنيفة وآخرين على الإيجاب، فلو قدم الحاضرةَ لم يصح.
وقد يَحتج به مَن يقول: إن وقت المغرب متسعٌ إلى غروب الشفق؛ لأنه قدم العصر عليها، ولو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب لئلا يفوتَ وقتُها أيضا.
ولكن لا دلالة فيه لهذا القائل؛ لأن هذا كان بعد غروب الشمس بزمنٍ بحيث خرج وقتُ المغرب عند مَن يقول إنه ضيق، فلا يكون في هذا الحديث دلالةٌ لهذا، وإن كان المختارُ أن وقتَ المغرب يمتد إلى غروب الشفق، كما سبق إيضاحه بدلائله والجواب عن معارضها". انتهى
الحديث متفق عليه.
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم