إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ
(بابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بالنِّداءِ) أي يؤذن المؤذن بصوت مرتفع.
قال ابن حجر: "قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيّرِ: لَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِ رَفْعِ الصَّوْتِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَةِ الْأَذَانِ، وَهُوَ لَمْ يَنُصَّ فِي أَصْلِ الْأَذَانِ عَلَى حُكْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ النَّسَائِيُّ:" بَابُ الثَّوَابِ عَلَى رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ"". انتهى
حكم رفع الصوت بالأذان:
قال ابن رجب: "ورفع الصوت بالأذان مستحب؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن زيد لما رأى الأذان في منامه: " ألقه على بلال؛ فإنه أندى صوتاً منك". خرجه أبو داود وغيره.
والمؤذن، إما أن يؤذن لنفسه، أو يؤذن للجماعة؛ فإن أذن للجماعة فلا يحصل الإتيان بالأذان المشروع في حقهم حتى يُسمعَهم.
قال الإمام أحمد في رواية حنبل، في رجل ضعيف الصوت، لا يرفع صوته ولا يخرج من المسجد: فإذا كان يُسمع أهل المسجد والجيران فلا بأس.
قال القاضي أبو يعلى: ظاهر هذا، أنه إذا لم يُسمع الجيران لم يُصب سنة الأذان؛ لأن القصد من الأذان الإعلام، فإذا لم يُسمع الجيران لم يوجد المقصود.
فأما كمال السنة فهو: أن يرفع صوته نهاية جَهْده، ولا يزيد على ذلك حتى يَخشى على نفسه ضرراً.
قال أحمد في رواية حنبل: يرفع صوته ما استطاع.
وقال الميموني: رأيت أحمد وهو يؤذن، صوتا بين الصوتين، وكان إلى خفض الصوت أقرب.
قال القاضي: ظاهر هذا، أنه لا يرفع صوته رفعاً يخرجه عن طبعه.
ومن الأصحاب من جعل هذه رواية ثانية؛ بأن التوسط في رفع الصوت أفضل.
وفي " المراسيل" لأبي داود، عن ابن سيرين، أن بلالاً جعل أصبعيه في أذنيه في بعض أذانه، أو في إقامته، بصوت ليس بالرفيع ولا بالوضيع.
ومتى خافت ببعضه فهو كمخافتته بكله عند أصحابنا.
وإن كان يؤذن لنفسه فله أن يُسرَّ به؛ لأنه لا يُعلم غيره
وقال أصحاب الشافعي: يستحب له أن يرفع صوته ما أمكنه، بحيث لا يلحقه ضرر، فإن أسر به لم يصحَّ على الصحيح عندهم.
ولهم وجه: أنه يصح، كما لو أسر بالقراءة في صلاة الجهر.
ووجه ثالث: يصح إن سر بعضَه خاصة، ونص عليه الشافعي في الأم.
قال الماوردي منهم: لو سمع واحداً من الجماعة أجزأه؛ لأن الجماعة تحصل بهما.
وأما من يؤذن لنفسه، فيجزئه أن يُسمع نفسه على الصحيح عندهم. وقيل: يشترط إسماع من عنده. والمذهب: الأول.
ومتى رفع صوته رفعاً يَخشى على نفسه الضرر منه كُره.
وقد قال عمر لأبي محذورة لما سمعه يؤذن بمكة: أما خشيت أن ينشق مُريطاؤُك؟
ذكره أبو عبيد وغيره.
والمُريطاء: بالمد والقصر.
قال أبو عبيد: والمحفوظ: المد. قال: وهو قول الأصمعي. قال: وقال الأحمر: هي مقصورة. قال: وقال أبو عمرو: تُمد وتقصر.
وهي: ما بين السرة والعانة. قاله أبو عبيد والأكثرون.
وقيل: ما بين الصدر والعانة". انتهى
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: «أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا»
(وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ) الأموي، أمير المؤمنين، المجدد الأول على رأس المائة الأولى في الإسلام رحمه الله.
(أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا) بغير تغنٍ وترعيد وتطريب (وَإِلاَّ فَاعْتَزِلْنَا) أي اترك منصب الأذان.
أخرجه ابن سعد في الطبقات، قال: «أخبرنا قَبيصة بن عُقْبة قال: حدّثنا سفيان، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين قال: كان مؤذّن لعمر بن عبد العزيز إذا أذّن رَعَد فسمع جاريةً له تقول: قد أذّن الرَّاعِبي، فبعث إليه: أذّنْ أذانًا سَمْحًا ولا تغنّه وإلّا فاجْلس في بيتك».
وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان عن عمر بن سعيد بن أبي حسين المكي: أن مؤذنا أذن فطرَّب في أذانه، فقال له عمر بن عبد العزيز: أذّنْ أذانًا سمحًا، وإلا فاعتزلنا».
إن صح سماع عمر بن سعيد من عمر بن عبد العزيز فهو صحيح.
فهو يروي عنه غيرَ هذا بواسطة.
قال ابن رجب: «وخرج الدارقطني هذا مرفوعاً من حديث ابن عباس، وإسناده لا يصح.
وروي عن ابن عمر، أنه قال لمؤذنٍ: إني أبغضك في الله؛ إنك تبغي في أذانك.
يشير إلى أنه يتجاوز الحد المشروع بتمطيطه والتطريب فيه.
وفي رواية: أنه قال: إنك تختال في أذانك.
كأنه يشير إلى التفخيم في صوته والتشادُقِ والتكبر.
وقال أحمد في التطريب في الأذان: هو محدث.
يعني: أنه لم يكن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
والقول في الأذان بالتطريب كالقول في قراءة القرآن بالتلحين. وكرهه مالك والشافعي - أيضا.
وقال إسحاق: "هو بدعة". نقله عنه إسحاق بن منصور.
ونقل عنه حرب، قال: التَّسميحُ أحب إلي، فإن كان يؤذن بأجر فإني أكرهه - يعني: التطريب -، وإن كان بغير أجر، وكان أنشط للعامة؛ فلا بأس.
وقد يستدل لذلك بقول ابن عمر: إني أُبغضك في الله؛ إنك تحسن صوتك - يعني: في الأذان -؛ لأجل الدراهم. وسنذكره فيما بعد – إن شاء الله». انتهى
قال بعض الشراح: "فإن قلت النهي وقع عن التطريب فما المطابقة بينه وبين الترجمة؟
أجيب بأن المؤلّف أراد أنه ليس كل رفع محمودًا إلا رفعًا بهذه المثابة غير مطرّب أو غير عالٍ فظيع". انتهى
609 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ، قَالَ لَهُ: إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاَةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ: «لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ»، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي الدمشقي.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) بن أنس إمام دار الهجرة.
(عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ ثُمَّ المَازِنِيِّ) ثقة. تقدم.
(عَنْ أَبِيهِ) عَبْدُ اللَّهِ بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الأَنْصَارِيِّ تابعي ثقة. تقدم.
(أَنَّهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ) رضي الله عنه (قَالَ لَهُ) أي لعبد الله بن عبد الرحمن (إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَ) تحب (البَادِيَةَ) أَيْ لِأَجْلِ الْغَنَمِ؛ لِأَنَّ مُحِبَّهَا يَحْتَاجُ إِلَى إِصْلَاحِهَا بِالْمَرْعَى، وَهُوَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ وَهِيَ الصَّحْرَاءُ الَّتِي لَا عِمَارَةَ فِيهَا.
(فَإِذَا كُنْتَ فِي) أي بين (غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ) شك من الراوي.
أو المعنى: "وباديتك" كما في نسخة.
أو تكون للتنويع.
قال ابن حجر: "قَوْله: (فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ) يَحتمِل أَنْ تَكُونَ أَوْ شَكًّا مِنَ الرَّاوِي، ويَحتمِل أَنْ تَكُونَ لِلتَّنْوِيعِ؛ لِأَنَّ الْغَنَمَ قَدْ لَا تَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْبَادِيَةِ حَيْثُ لَا غَنَمَ". انتهى
(فَأَذَّنْتَ بِالصَّلاَةِ) وفي نسخة: "للصلاة" (فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ) أي الأذان (فَإِنَّهُ: «لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ) أي: غايته، والمدى: الغاية حيث ينتهي الصوت (جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ) عام يشمل الحي والجماد.
قال ابن حجر: "ظَاهِرُهُ يَشْمَلُ الْحَيَوَانَاتِ وَالْجَمَادَاتِ، فَهُوَ مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ:" لَا يَسْمَعُ صَوْتَهُ شَجَرٌ وَلَا مَدَرٌ وَلَا حَجَرٌ وَلَا جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ".
وَلِأَبِي دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ:" الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ".
وَنَحْوُهُ لِلنَّسَائِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ السَّكَنِ.
فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ "وَلَا شَيْءَ".
وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى غَيْرِ مَا يَقْتَضِيهِ ظَاهِرُهُ". انتهى باختصار.
قال ابن رجب: «وقوله: " كل رطب ويابس" يدل على أن الجمادات سواءٌ كانت رطبةً أو يابسة فإن لها سماعاً في الدنيا، وشهادةً في الآخرة.
فدل ذلك على صحة أشياءَ مختلف في بعضها:
منها: إدراكُ الجمادات ونطقُها.
وقد أثبت ذلك جمهور السلف، سواء كانت رطبة أو يابسة، كما دل عليه قوله: {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [سبأ: 10]، وقوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء: 44].
وخص الحسن التسبيحَ بما كان رطباً قبل أن ييبس. والجمهور على خلافه.
وأما من قال: تسبيحها: دلالاتها على صانعها بلسان الحال، فقولٌ ضعيف جداً، والأدلة الكثيرة تبطله». انتهى
(إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ») قال ابن حجر: "فائدة: السِّرُّ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ مَعَ أَنَّهَا تَقَعُ عِنْدَ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ: أَنَّ أَحْكَامَ الْآخِرَةِ جَرَتْ عَلَى نَعْتِ أَحْكَامِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا مِنْ تَوْجِيهِ الدَّعْوَى وَالْجَوَابِ وَالشَّهَادَةِ، قَالَهُ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيّرِ.
وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الشَّهَادَةِ اشْتِهَارُ الْمَشْهُودِ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْفَضْلِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَةِ، وَكَمَا أَنَّ اللَّهَ يَفْضَحُ بِالشَّهَادَةِ قَوْمًا فَكَذَلِكَ يُكْرِمُ بِالشَّهَادَةِ آخَرِينَ". انتهى
(قَالَ أَبُو سَعِيدٍ) الخدري رضي الله عنه (سَمِعْتُهُ) أي قوله: "أنه لا يسمع ..." إلى آخره (مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)
يعني قوله: «لاَ يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ المُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلاَ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ". هذا القدر من الحديث مرفوع.
وأما قوله: "إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الغَنَمَ وَالبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ". فمن قول أبي سعيد الخدري.
وجاء في رواية عن مالك أن قوله:" إذا أذنت فارفع صوتك" أيضا مرفوع، وفي أخرى أنه موقوف.
والصحيح أنها موقوفة أيضا، فالمحفوظ عن مالك الذي رواه عنه جمع من أصحابه: اللفظ الذي خرجه الإمام البخاري، ورواية سفيان هي التي بينت وفصلت وهي صحيحة. والله أعلم
قال ابن حجر: "وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَلَفْظُهُ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: إِذَا كُنْتَ فِي الْبَوَادِي فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: لَا يَسْمَعُ.. فَذَكَرَهُ.
وَرَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِذَا أَذَّنْتَ فَارْفَعْ صَوْتَكَ، فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ.." فَذَكَرَهُ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ الْغَنَمِ وَالْبَادِيَةِ مَوْقُوفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ". انتهى
وأما ابن رجب فقال: «أما الأمر برفع الصوت في الأذان، فإنما هو من قول أبي سعيد، واستَدل له بقول النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يسمع صوت المؤذن.." الحديث.
كذا رواه ابن عيينة صريحاً، وكذا ما قبله كلُّه من قول أبي سعيد». انتهى
هذا هو الصواب. والله أعلم.
قال ابن بطّال: "وفيه: أن الشغلَ بالبادية واتخاذَ الغنم مِن فعل السلف الصالح الذي ينبغي لنا الاقتداءُ بهم، وإن كان في ذلك تركٌ للجماعات ففيه عزلةٌ عن الناس، وبُعدٌ عن فتن الدنيا وزُخْرُفِها، وقد جاء أن الاعتزال للناس عند تغيُّرِ الزمان وفسادِ الأحوال مُرَغَّبٌ فيه، وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يُوْشِكُ أنْ يكونَ خيرُ مالِ المسلمِ غنمًا يَتْبَعُ بها شَعَفَ الجبالِ ومواضِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بدينهِ مِنَ الفتن".
قال المهلب: وفيه فضلُ الإعلانِ بالسنن وإظهارِ أمور الدين، وإنما أمرَه برفع صوته بالنداء ليسمعه من بَُعَد منه، فيكثرَ الشهداءُ له يوم القيامة".
وقال ابن حجر: "وَفِي الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ لِيَكْثُرَ مَنْ يَشْهَدُ لَهُ مَا لَمْ يُجْهِدْهُ أَوْ يَتَأَذَّى بِهِ.
وَفِيهِ أَنَّ حُبَّ الْغَنَمِ وَالْبَادِيَةِ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ نُزُولِ الْفِتْنَةِ مِنْ عَمَلِ السَّلَفِ الصَّالِحِ.
وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَدِّي وَمُسَاكَنَةِ الْأَعْرَابِ وَمُشَارَكَتِهِمْ فِي الْأَسْبَابِ، بِشَرْطِ حَظٍّ مِنَ الْعِلْمِ وَأَمْنٍ مِنْ غَلَبَةِ الْجَفَاءِ.
وَفِيهِ أَنَّ أَذَانَ الْفَذِّ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَلَوْ كَانَ فِي قَفْرٍ، وَلَوْ لَمْ يُرْتَجَ حُضُورُ مَنْ يُصَلِّي مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ إِنْ فَاتَهُ دُعَاءُ الْمُصَلِّينَ فَلَمْ يَفُتْهُ اسْتِشْهَادُ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِهِمْ". انتهى
الحديث تفرد به البخاري.
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم