بَابُ الدُّعَاءِ عِنْدَ النِّدَاءِ
(بابُ) استحباب (الدُّعَاءِ عِنْدَ) تمام (النِّدَاءِ) أي عند الانتهاء من الأذان.
614 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ وَالفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ "
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ) هو علي بن عياش بن مسلم الألهاني، أبو الحسن الحمصي البكَّاء. يروي عن أتباع التابعين، ثقة حجة، مات سنة تسع عشرة ومائتين. روى له الجماعة سوى مسلم.
(قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ) أبو بشر الحمصي.
(عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ) بن عبد الله بن الهُدَيْر. التيمي المدني.
(عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ) أي الأذان.
ظاهره يقول هذا حال سماعه وقبل الانتهاء منه، وليس هو على ظاهره، بل المراد يقوله بعد الانتهاء من الأذان؛ لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِي الْوَسِيلَةَ؛ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ. فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ».
قال ابن رجب: "ظاهره أنه يقول ذلك في حالِ سماعِ النداء قبل فراغِهِ. ويَحتمِل أنه يريدُ به حينَ يَفرغُ مِن سَماعه.
وحديث عبد الله بن عمرو صريحٌ في أنه يسألُ الوسيلةَ بعد إجابة المؤذن والصلاةِ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا هو الأظهر؛ فإنه يشرعُ قبل جميعِ الدعاء تقديمُ الثناءِ على الله والصلاةِ على رسوله، ثم يدعو بعد ذلك". انتهى
فالسنة أن يقولَ مثلَ ما يقول المؤذن، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقولُ بعدها: (اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ) أي: ألفاظ الأذان (التَّامَّةِ) الكاملة.
قال ابن رجب: "والمرادُ بالدعوة التامة: دعوةُ الأذان؛ فإنها دعاء إلى أشرف العبادات، والقيامِ في مقامِ القربِ والمناجاة؛ فلذلك كانت دعوةً تامةً - أي: كاملةً لا نقصَ فيها-، بخلافِ ما كانت دعواتُ أهل الجاهلية: إمّا في استنصارٍ على عدو، أو إلى نعيِ ميتٍ، أو إلى طعامٍ، ونحوِ ذلك مما هو ظاهره النقصُ والعيب".
قال ابن بطّال: "يعني الأذانَ المشتملَ على شهادةِ الإخلاصِ لله تعالى، والإيمانِ بنبيه عليه السلام، وبذلك تم استحقاقُ الدخولِ في الإسلام".
(وَالصَّلاَةِ القَائِمَةِ) أي: التي ستقوم وتحضر.
(آتِ) أي أعطِ (مُحَمَّدًا) صلى الله عليه وسلم (الوَسِيلَةَ) المنزلة العلية في الجنة التي لا تنبغي إلا له، وقد ورد من حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: "سلوا الله لي الوسيلة"، قالوا: يا رسول الله! وما الوسيلة؟ قال: "أعلى درجةٍ في الجنة، لا ينالُها إلا رجلٌ واحد، أرجو أن أكون أنا".
(وَالفَضِيلَةَ) المرتبة الزائدة على سائر المخلوقين. قال ابن رجب: "فالمراد- والله أعلم-: إظهار فضيلته على الخلق أجمعين يوم القيامة وبعده، وإشهادُ تفضيله عليهم في ذلك الموقف، كما قال: "أنا سيِّدُ ولد آدم يوم القيامة..." ثم ذكر حديث الشفاعة.
(وَابْعَثْهُ) عليه الصلاة والسلام فأقمه (مَقَامًا مَحْمُودًا) هو المقام الذي يحمده لأجله جميع أهل الموقف، وهو مقام الشفاعة في الموقف يوم القيامة (الَّذِي وَعَدْتَهُ) بقولك سبحانك {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمودًا} وهو مقام الشفاعة العظمى.
المقام المحمود هو الشفاعة العظمى لا شك في ذلك، ولكن هل يدخل في المقام المحمود أيضا معه إقعاد النبي صلى الله عليه وسلم على العرش؟
قاله مجاهد والإسناد إليه ضعيف.
ولكن قال الإمام أحمد: «قد تلقته العلماء بالقبول».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكان السلف والأئمة يروونه ولا ينكرونه، ويتلقونه بالقبول». انتهى
ونقل البعض عليه الإجماع، فهو قول أهل السنة.
قال الطبري رحمه الله: «وهذا ليس مناقضا لما استفاضت به الأحاديثُ من أن المقامَ المحمودَ هو الشفاعة باتفاق الأئمة من جميع مَن ينتحلُ الإسلام ويدعيه لا يقول إن إجلاسه على العرش منكرًا، وإنما أنكره بعض الجهمية ولا ذِكرُه في تفسير الآية منكر». انتهى نقله عنه شيخ الإسلام وفصل الطبري ذلك في تفسيره.
وقالوا: «مَنْ رَدَّ حَدِيثَ مُجَاهِدٍ فَهُوَ جَهْمِيُّ».
قال أبو داود السجستاني: "مَنْ أَنْكَرَ هَذَا فَهُوَ عِنْدَنَا مُتَّهَمٌ، وَقَالَ: مَا زَالَ النَّاسُ يُحَدِّثُونَ بِهَذَا، يُرِيدُونَ مُغَايَظَةَ الْجَهْمِيَّةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ يُنْكِرُونَ أَنَّ عَلَى الْعَرْشِ شَيْئًا". انتهى
وقال الآجري في الشريعة: «وَأَمَّا حَدِيثُ مُجَاهِدٍ فِي فَضِيلَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَتَفْسِيرُهُ لِهَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهُ يُقْعِدُهُ عَلَى الْعَرْشِ ، فَقَدْ تَلَقَّاهَا الشُّيُوخُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَّقْلِ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، تَلَقَّوْهَا بِأَحْسَنِ تَلَقٍّ ، وَقَبِلُوهَا بِأَحْسَنِ قَبُولٍ، وَلَمْ يُنْكِرُوهَا، وَأَنْكَرُوا عَلَى مَنْ رَدَّ حَدِيثَ مُجَاهِدٍ إِنْكَارًا شَدِيدًا، وَقَالُوا: مَنْ رَدَّ حَدِيثَ مُجَاهِدٍ فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ.
قُلْتُ: فَمَذْهَبُنَا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَبُولُ مَا رَسَمْنَاهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِمَّا تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهُ، وَقَبُولُ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، وَتَرْكُ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُنَاظَرَةِ فِي رَدِّهِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِكُلِّ رَشَادٍ وَالْمُعِينُ عَلَيْهِ». انتهى
قال ابن القيم في البدائع: «فائدة: قال القاضي: صنف المرُّوْذيُّ كتابًا في فضيلة النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وذكر فيه إقعادَهُ على العرش، قال القاضي: وهو قولُ أبي داودَ، وأحمدَ بنِ أصرمَ، ويحيى بن أبي طالبٍ، وأبى بكر بن حماد، وأبى جعفر الدّمشقيُّ، وعباس الدُّوري، وإسحاقَ بنِ راهويه، وعبد الوهاب الورَّاق، وإبراهيم الأصبهاني، وإبراهيمَ الحربى، وهارون بن معروف، ومحمدِ بن إسماعيل السُّلَمِيِّ، ومحمدِ بن مُصْعَب العابدِ، وأبى بكر بن صَدَقةَ، ومحمد بن بشر بن شَرِيكٌ، وأبي قِلابَةَ، وعلي بن سهل، وأبي عبد الله بن عبد النور، وأبى عبيد، والحسنْ بن فضل، وهارون بن العباس الهاشميِّ، وإسماعيلَ بن إبراهيمَ الهاشميِّ، ومحمَّد بن أبي عمران الفارسيِّ الزَّاهد، ومحمد ابن يونس البصري، وعبد الله بن الإمام أحمد، والمرُّوْذي، وبشر الحافي. انتهى.
قلتُ -الكلام لابن القيم-: وهو قول ابن جرير الطبريِّ، وإمام هؤلاء كلِّهم مجاهِدٌ إمام التفسير، وهو قول أبي الحسن الدارقطني، ومن شعره فيه:
حديثُ الشفاعةِ في أحمد … إلى أحمدَ المصطفى نُسندُه
وجاء حديثٌ بإقعاده … على العرشِ أيضًا فلا نجْحدُهْ
أَمِرُوا الحديثَ على وجهِهِ … ولا تُدْخِلوا فيه ما يُفسِدُهْ
ولا تنكِروا أنَّه قاعد … ولا تنكِروا أنهْ يُقْعِدهْ». انتهى
وقد توسع الخلال في كتابه السنة في ذكر هذه المسألة.
وأما زيادة: " إنك لا تخلف الميعاد " في هذا الدعاء فأخرجها البيهقي وغيره، وهي ضعيفة.
قال الإمام الألباني رحمه الله: «وقد صح الحديث من رواية جابر مرفوعاً بلفظ - فذكر لفظه، وقال-:" رواه البخاري، وأصحاب "السنن"، وغيرهم، وهو مخرج في "صحيح أبي داود" (540) وغيره. وزيادة: "إنك لا تخلف الميعاد" فيه؛ شاذة لا تصح كما بينته هناك. وقد رويت في حديث آخر في إجابة المؤذن فيه زيادات منكرة، منها هذه، وهو مخرج برقم (6714)». انتهى
وذكره وفصل فيها في الإرواء (243).
(حَلَّتْ) أي وجبت (لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ).
قال ابن رجب: "قيل: معناه: نالته وحصُلت له ووجبت.
وليس المراد بهذه الشفاعة: الشفاعة في فصل القضاء؛ فإن تلك عامة لكل أحد، ولا الشفاعة في الخروج من النار ولا بد؛ فإنه قد يقول ذلك من لا يدخل النار.
وإنما المراد- والله أعلم-: أنه يصير في عناية رسول الله صلى الله عليه وسلم، بحيث تتحتم له شفاعته؛ فإن كان ممن يدخل النار بذنوبه شفع له في إخراجه منها، أو في منعه من دخولها، وإن لم يكن من أهل النار؛ فيشفع له في دخوله الجنة بغير حساب، أو في رفع درجته في الجنة". انتهى
فائدة:
قال ابن رجب: وأما رواية من روي: "اللهم، رب هذه الدعوة التامة والصلاةِ القائمة"، كما هي رواية البخاري والترمذي وغيرهما، فيقال: كيف جعل هذه الدعوةَ مربوبةً، مع أن فيها كلمةَ التوحيد، وهي من القرآن، والقرآن غير مربوب ولا مخلوق؟
وبهذا فرّق مَن فرق من أهل السنة بين أفعال الإيمان وأقواله، فقال: أقواله غير مخلوقة، وأفعاله مخلوقة؛ لأن أقواله كلَّها ترجع إلى القران؟
وأجيب عن هذا بوجوه..".
فذكر وجوها أقواه:
ومنها: أن هذه الكلمات من التهليل والتكبير هي من القرآن بوجه، وليست منه بوجهه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "أفضل الكلام بعد القرآن أربعٌ، وهن من القرآن: سبحانَ الله، والحمد الله، ولا إله الا الله، والله أكبر".
فهي من القرآن إذا وقعت في أثناء القرآن، وليست منه إذا وقعت من كلام خارجٍ عنه، فيصح أن تكون الكلماتُ الواقعة من ذلك في ضمن ذلك مربوبةً".
وقال: "ومنها: أن الرب ما يُضاف إليه الشيءُ، وإن لم يكن خلقًا له، كرب الدار ونحوِه.
فالكلام يضاف إلى الله؛ لأنه هو المتكلم به، ومنه بدأ، واليه يعود، فهذا بمعنى إضافته إلى ربوبية الله.
وقد صرح بهذا المعنى الأوزاعيُّ، وقال فيمن قال: "برب القرآن": "إن لم يُرد ما يريد الجهمية فلا بأس".
يعني: إذا لم يرد بربوبيته خَلقَه كما يريده الجهمية، بل أراد إضافة الكلام إلى المتكلم به». انتهى باختصار
وقال الشيخ ابن عثيمين: "وقوله: «رَبَّ»: «ربّ» هنا بمعنى صاحبَ الدَّعوة الذي شرعها، ولو كانت «ربّ» بمعنى خالق أشكل علينا؛ لأنَّ هذه الدَّعوة فيها أسماء الله وهي غير مخلوقة؛ لأنها من الكلام الذي أخبر به عن نفسه، وكلامه غير مخلوق، لكن لو فَسَّرنا «ربّ» بمعنى خالق على إرادة اللفظ الذي هو فعل المؤذِّن، فهذا لا إشكال فيه". انتهى
الحديث أخرجه البخاري دون مسلم
وقد طعن في هذا الحديث أبو حاتم الرازي.
قال ابن رجب: "هذا مما تفرد به البخاري دون مسلم.
وخرجه الترمذي، وقال: حسن غريب من حديث ابن المنكدر، لا نعلم أحدًا رواه غير شعيب بن أبي حمزة.
وذكر ابن أبي حاتم، عن أبيه، قال: قد طُعِن في هذا الحديث، وكان
عرض شعيب بن أبي حمزة على ابن المنكدر كتاباً، فأمر بقراءته عليه، فعرف بعضاً، وأنكر بعضاً، وقال لابنه - أو لابن أخيه -: اكتب هذه الأحاديث، فدون شعيبٌ ذلك الكتاب.
ولم تثبت رواية شعيب تلك الأحاديث على الناس، وعُرض عليّ بعضُ تلك الكتبُ فرأيتها مشابهة لحديث إسحاق بن أبي فروة، وهذا الحديث من تلك الأحاديث. انتهى.
وقد روى الأثرم، عن أحمد، قال: نظرت في كتب شعيب، أخرجها إلي ابنُه، فإذا فيها من الصحة والحسن والمشكل نحوِ هذا.
وقد روي عن جابر من وجه آخر بلفظ فيه بعض مخالفة، وهو يدل على أن لحديث جابر أصلاً".
ثم خرجه من طريق ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر، وقواه بحديث عبد الله بن عمرو عند المسلم المتقدم. وذكر بعض الآثار.
وقد قوى ابن رجب في شرح العلل ما قاله أبو حاتم واستدل له. والله أعلم
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم