إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ الِاسْتِهَامِ فِي الأَذَانِ
(بَابُ الِاسْتِهامِ) أي: الاقتراع بالسِّهام التي يكتب عليها الأسماء، فمن خرج له سهم جاء حظه (في) مَنْصِبِ (الأَذَانِ) أي إذا تنافس أكثر من واحد على الأذان وكانوا جميعا يصلحون لرفعه وتساووا في هذا الحق، فتشرع القرعة عندها لتعيين واحد منهم.
وَيُذْكَرُ: «أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي الأَذَانِ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ»
(وَيُذْكَرُ) بصيغة التمريض (أَنَّ أَقْوَامًا اخْتَلَفُوا فِي) منصب (الأَذَانِ) عند رجوعهم من فتح القادسية وقد أصيب المؤذن (فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ) بن أبي وقاص رضي الله عنه بعد أن اختصموا إليه إذ كان أميرًا على الناس من قِبَلِ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وزاد: فخرجت القرعة لرجل منهم فأذن.
وصله سيف بن عمر في الفتوح وهو متروك، لم يُفحِش ابن حبان فيه، فقد وافقه بعض الحفاظ على ما قال ولم ينفرد به، بل تساهل ابن حجر فيه، والتساهل عند ابن حجر كثير في الرجال إذا قارنت أحكامه بأحكام الحفظ من أئمة الحديث.
وأخرجه الطبراني من طريق سيف عنه عن عبد الله بن شبرمة عن شقيق وهو أبو وائل، فإسناده هالك.
وأخرجه البيهقي (1/ 630) عن ابن شبرمة عن سعد وهو منقطع، لذلك ذكره البخاري بصيغة التمريض والله أعلم.
وصله ابن حجر في التغليق من طريق البيهقي: "أَنا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ أَنا أَبُو الْحَسَنِ الْكَارِزِيُّ ثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ ثَنَا هُشَيْمٌ ثَنَا ابْنُ شُبْرُمَةَ قَالَ تَشَاجَّ النَّاسُ فِي الْأَذَان بالقادسية فاختصموا إِلَى سَعْدٍ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ.
قال ابن حجر: "وَهَذَا مُنْقَطع وَلذَلِك مَرضه، وَهَكَذَا رَوَاهُ سعيد بن مَنْصُور فِي سنَنه عَن هشيم". انتهى
قال الأصبهاني: "قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ القُرْعَةُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ فِي حَقِّ مَنِ اسْتَوَتْ دَعْوَاهُمْ فِي الشَّيْءِ".
قال ابن رجب: " «قال عبد الله بن الامام أحمد: ثنا أبي: ثنا هشيم، قال: ابن شبرمة أخبرنا، قال: تَشاحَّ الناسُ بالقادسية على الأذان، فارتفعوا إلى سعد، فأقرع بينهم.
وهذا إسناد منقطع.
قال عبد الله بن الامام أحمد: سألت أبي عن مسجدٍ فيه رجلان يدَّعيان أنهما أحقُّ بالمسجد، هذا يؤذن فيه وهذا يؤذن فيه؟ فقال: إذا استَوَوْا في الصلاح والورع أُقرع بينهما. وكذلك فعل سعد، فإن كان أحدهما أصلح في دينه فينبغي لهم ألا يختصموا.
فقلت: وإن كان أحدهما أسنَّ وأقدمَ في هذا المسجد، يُنفق عليه ويَحوطه ويتعاهده؟ قال: هذا أحق به.
ومعنى هذا: أنه إذا تَشاحَّ في الأذان اثنان، فإن امتاز أحدُهما بمزيد فضل في نفسه فإنه يُقدم، وهو مراد أحمد بقوله: "إن كان أحدهما أصلحَ في دينه فينبغي لهم ألا يختصموا"، يعني: أن الأصلح أحق، فلا يُنازع، فإن استَوَوْا في الفضل في أنفسهم، وامتاز أحدهم بخدمة المسجد وعِمارته؛ قدم بذلك.
وقال أصحابنا: إنه يقدم أحد المتنازعين باختصاصه بصفات الأذان المستحبة فيه، مثلُ أن يكون أحدهما أندى صوتا وأعلم بالمواقيت ونحوَ ذلك؛ فإن استَوَوْا في الفضائلِ كلِّها أُقرع بينهم حينئذ، كما فعل سعد.
والظاهر: أن مراد أحمد: التنازعُ في طلب الأذان ابتداء، فأما مَن ثبت له حقُّ الأذان في المسجد، هو مؤذن راتب فيه؛ فليس لأحد منازعته، ويُقدم على كل مَن نازعه.
وقد نقل الشالنجي عن أحمد ما يبين هذا المعنى".
ونقل كلام الشافعي وفيه إثبات القرعة بتفصيل.
وقال فيما نقله عن الشافعي: "وهذا كلُّه إذا كان التَّشاحُّ رغبةً في فضله وثوابه، فإن كان رغبةً في الرياسة والتقدمِ فينبغي أن يؤخر مَن قصد ذلك ولا يُمكَّن منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنَّا لا نُوليّ عَملنَا هذا مَن طلبه أو حرصَ عليه".
قال سيفان الثوري: إذا رأيت الرجلَ حريصاً على الإمامةِ فَأخِّرْهُ.
وكذلك إذا كان غرضُه أخذَ العِوض الذي يُعطاه أهلُ الأذان في هذه الأزمان، إما مِن بيت المال - وقد عُدم ذلك -، أو من الوقف.
فإن تشاحَّ اثنان: أحدُهما غرضُه ثوابَ الأذان، والآخرُ غرضه غرضُ الدنيا، فلا شك في أن الأول أحق.
وقد قال عثمان بن أبي العاص: إنّ مِن آخرِ ما عَهِدَ إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن أتخذ مؤذناً لا يأخذُ على أذانِه أجراً». انتهى
615 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لاَسْتَهَمُوا، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»
رجاله كلهم تقدموا، أبو صالح هو ذكوان السمان.
سوى سُمي.
هو سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي القرشي من أهل الْمَدِينَة، من أتباع التابعين، ثقة. قتل سنة ثَلَاثِينَ وَمِائَة قَتله الحرورية يومَ قُديد. روى له الجماعة.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ) أي الأذان (وَ) ما في (الصَّفِّ الأَوَّلِ) الذي يلي الإمام أي من الخير والأجر العظيم، وسيأتي بيان فضله إن شاء الله (ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا) بعد أن يتنافسوا عليهما لنيل فضلهما (إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا) أي يقترعوا (عَلَيْهِ) على ما ذكر من الأذان والصف الأوّل (لاَسْتَهَمُوا) أي لاقترعوا عليه.
ولعبد الرزاق عن مالك: "لاستهموا عليهما"؛ وهو يبين أن المراد بقوله هنا: "عليه" عائد على الاثنين. ولكنها شاذة، أصحاب مالك وهم جمع رووه باللفظ الذي في الصحيحين ولم أجد من تابع عبد الرزاق عليها، بل رواه بعض أصحابه عنه أيضا بلفظ الجماعة.
ولكن سياق الحديث يدل على أن الضمير عائد على الاثنين.
قال ابن رجب: وقد قيل: إن الضمير في قوله: "لاستهموا عليه" يعود إلى الصف الأول؛ لأنه أقرب المذكورين، ولم يقل: "عليهما".
قال: والأظهر: أنه يعود إلى النداء والصف الأول، كقوله تعالى: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ} [التوبة:62].
وقال: وقد دل الحديث على القرعة في التنافس في الصف الأول إذا استبق إليه اثنان وضاق عنهما وتشاحّا فيه، فإنه يقرع بينهما.
وهذا مع تساويهما في الصفات، فإن كان أحدهما أفضل من الآخر تَوجَّه أن يقدم الأفضل بغير قرعة، عملًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لِيَلِيَنِي منكم أولوا الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم".
خرجه مسلم من حديث ابن مسعود، ومن حديث أبي مسعود الانصاري، كلاهما عن النبي صلى الله عليه وسلم»
وقال: "وهذا مما استَدلّ به مَن يرى الترجيح عند التنافس في الأذان بالقرعة".
ثم قال: "وفيه دليل على أن الأذان لا يُشرع إعادته مرة بعد مرة- إلّا في أذان الفجر، كما جاءت السنة به- وإلا فلو شرعت إعادتُه لما استهموا، ولأذّن واحد بعد واحد". انتهى
(وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ) قال ابن رجب: «والتهجير: التكبير إلى المساجد لصلاة الظهر، والهجير والهاجرة: نصف النهار».
وقال ابن بطّال: "التهجير: السبق إلى المسجد في الهواجر، فمن ترك قائلَته وقصدَ إلى المسجد ينتظرُ الصلاةَ، فهو في صلاة وهو في رباط"(لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ) أي إلى التهجير.
قال ابن رجب: «وفيه: دليل عَلَى تعجيل الظهر».
(وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي) ثواب أداء صلاة (العَتَمَةِ) أي العشاء في الجماعة (وَ) صلاة (الصُّبْحِ) في الجماعة (لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا) أي زحفا، قال النووي: "الْحَبْوُ حَبْوُ الصَّبِيِّ الصَّغِيرِ عَلَى يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، مَعْنَاهُ: لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا مِنَ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ ثُمَّ لَمْ يَسْتَطِيعُوا الْإِتْيَانَ إِلَيْهِمَا إِلَّا حَبْوًا، لَحَبَوْا إِلَيْهِمَا وَلَمْ يُفَوِّتُوا جَمَاعَتَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ. فَفِيهِ الْحَثُّ الْبَلِيغُ عَلَى حُضُورِهِمَا". انتهى
حثّ عليهما خاصة لما فيهما من المشقة على النفوس.
قال ابن بطّال: "قال الطبري: وإنما خَصَّ العتمةَ والصبحَ دون سائر الصلوات؛ للزومها في أثقل الأوقات.
العشاءُ وقتُ الدَّعة والسكونِ مِن كلِّ تعبٍ، وقد جعل الله الليلَ سكنًا، وفيها تَكلُّفُ الحركةِ في ظلمة الليل مع خوف الهوامِّ الضارةِ في الطريق.
وأما الفجر فوقتُ اشتدادِ النومِ؛ لمحبة الناسِ استدامة الراحة، فكان خروجًا مِن الدعة إلى تعبِ الوضوء والمشي إلى المساجد، وليس كسائرِ الصلوات.
وبيَّن ذلك قوله: "أثقلُ الصلاةِ على المنافقين العشاءُ والفجر".
وقال ابن عمر: كنا إذا فقدنا الرجلَ في صلاةِ العشاء والصبحِ أَسأْنا به الظن.
وقال عمر: إني لأشهدُ الفجر في جماعةٍ أحبُّ إليَّ مِن أن أقوم ليلة.
وقال عثمان: مِن شهد العشاء فكأنما قام نصفَ ليلة، ومَن شهد الصبح كأنما قام ليلة". انتهى
قال ابن رجب: "وفي الحديث: دليل على شرف الأذان وفضله، واستحبابِ المنافسة فيه لأكابر الناس وأعيانهم، وأنه لا يوكل إلى أسقاط الناس وسفلتهم، وقد كان الأكابر ينافسون فيه".
وقال: «وفيه: دليل عَلَى جواز تسمية العشاء العتمة، وقد تقدم ذكره».
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم