إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ
(بابُ) جواز (أَذَانِ الأَعْمَى إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ) بدخول الوقت.
قال ابن حجر: "لِأَنَّ الْوَقْتَ فِي الْأَصْلِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمُشَاهَدَةِ، وَعَلَى هَذَا الْقَيْدِ يُحْمَلُ مَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ أَعْمَى.
وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَدَاوُدَ: أَنَّ أَذَانَ الْأَعْمَى لَا يَصِحُّ؛ فَقَدْ تَعَقَّبَهُ السُّرُوجِيُّ بِأَنَّهُ غَلِطَ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ، نَعَمْ فِي الْمُحِيطِ لِلْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ". انتهى
617 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»، ثُمَّ قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى، لاَ يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ.
إسناده تقدم (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بن عمر بن الخطاب (عَنْ أَبِيهِ) عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ) للصبح (بِلَيْلٍ) أي في ليل. فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ عَادَتِهِ الْمُسْتَمِرَّةِ (فَكُلُوا وَاشْرَبُوا) قال ابن حجر: "فِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْأَذَانَ كَانَ عَلَامَةً عِنْدَهُمْ عَلَى دُخُولِ الْوَقْتِ، فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ أَذَانَ بِلَالٍ بِخِلَافِ ذَلِكَ".
(حَتَّى) أي إلى أن (يُنَادِيَ) أي يؤذن (ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ») وهم يفرقون بين صوت بلال وصوت ابن أم مكتوم.
قال ابن حجر: "اسْمُهُ عَمْرٌو كَمَا سَيَأْتِي مَوْصُولًا فِي الصِّيَامِ وَفَضَائِلِ الْقُرْآنِ، وَقِيلَ: كَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنُ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَبْدَ اللَّهِ، وَلَا يَمْتَنِعُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ اسْمَانِ، وَهُوَ قُرَشِيٌّ عَامِرِيٌّ، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَالْأَشْهَرُ فِي اسْمِ أَبِيهِ قَيْسُ بْنُ زَائِدَةَ. وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُكْرِمُهُ وَيَسْتَخْلِفُهُ عَلَى الْمَدِينَةِ، وَشَهِدَ الْقَادِسِيَّةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَاسْتُشْهِدَ بِهَا، وَقِيلَ: رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَمَاتَ، وَهُوَ الْأَعْمَى الْمَذْكُورُ فِي سُورَةِ عَبَسَ، وَاسْمُ أُمِّهِ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَخْزُومِيَّةُ. وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ وُلِدَ أَعْمَى فَكُنِّيَتْ أُمُّهُ أُمَّ مَكْتُومٍ لِانْكِتَامِ نُورِ بَصَرِهِ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ عَمِيَ بَعْدَ بَدْرٍ بِسَنَتَيْنِ". انتهى
(ثُمَّ قَالَ) أي ابن عمر أو ابن شهاب.
قال ابن حجر: "ظَاهِرُهُ أَنَّ فَاعِلَ قَالَ هُوَ ابْنُ عُمَرَ، وَبِذَلِكَ جَزَمَ الشَّيْخُ الْمُوَفَّقُ فِي الْمُغْنِي.
لَكِنْ رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ، وَالطَّحَاوِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ سِنَانٍ؛ كِلَاهُمَا عَنِ الْقَعْنَبِيِّ فَعَيَّنَا أَنَّهُ ابْنُ شِهَابٍ.
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَمُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ؛ الثَّلَاثَةُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْخُزَاعِيُّ عِنْدَ أَبِي الشَّيْخِ، وَتَمَّامٌ عِنْدَ أَبِي نُعَيْمٍ، وَعُثْمَانُ الدَّارِمِيُّ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ؛ كُلُّهُمْ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ.
وَعَلَى هَذَا فَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ إِدْرَاجٌ.
وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ كَوْنُ ابْنِ شِهَابٍ قَالَهُ أَنْ يَكُونَ شَيْخُهُ قَالَهُ، وَكَذَا شَيْخُ شَيْخِهِ.
وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ وَاللَّيْثِ؛ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَفِيهِ: قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ، فَفِي هَذَا أَنَّ شَيْخَ ابْنِ شِهَابٍ قَالَهُ أَيْضًا.
وَسَيَأْتِي فِي كِتَابِ الصِّيَامِ عَنِ الْمُصَنِّفِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ، وَسَنَذْكُرُ لَفْظَهُ قَرِيبًا، فَثَبَتَتْ صِحَّةُ وَصْلِهِ". انتهى
(وَكَانَ) ابن أم مكتوم (رَجُلًا أَعْمَى، لاَ يُنَادِي) أي لا يؤذن (حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ) بالتكرار للتأكيد، أي دخلت في الصباح، أي دخل وقت الفجر فأذن.
قال ابن رجب: "ومقصود البخاري: الاستدلالُ بحديث ابن عمر على أن أذانَ الأعمى غيرُ مكروه، إذا كان له مَن يخبره بالوقت، وسواء كان البصير المخبر له مؤذناً معه - كما كان بلالٌ وابنُ أم مكتوم- أو كان موكَّلاً بإخباره بالوقت من غير تأذين، وهذا هو قول أكثر العلماء، منهم: النخعيُّ والثوري ومالكٌ والشافعيُّ وأحمدُ وإسحاقُ وأبو ثور".
وقال: "وقالت طائفةٌ: يُكره أذان الأعمى؛ روي عن ابن مسعود وابن الزبير.
وعن ابن عباس: أنه كره إقامته.
وحكى الإمام أحمد عن الحسن: أنه كره أذان الأعمى. وهو قول أبي حنيفة وأصحابِه.
وحكاه القاضي أبو يعلى روايةً عن أحمد، وتأولها على أنه لم يكن معه ما يَهتدي به". انتهى
فوائد الحديث:
في هذا الحديث أن للفجر أذانين واحدًا قبل طلوع الفجر وواحدًا بعد طلوع الفجر.
قال ابن حجر: "وَاسْتِحْبَابُ أَذَانِ وَاحِدٍ بَعْدَ وَاحِدٍ. وَأَمَّا أَذَانُ اثْنَيْنِ مَعًا فَمَنَعَ مِنْهُ قَوْمٌ، وَيُقَالُ: إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَهُ بَنُو أُمَيَّةَ، وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لَا يُكْرَهُ إِلَّا إِنْ حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ تَهْوِيشٌ". انتهى
هو أمر محدث.
وفيه: جَوازُ أذانِ الأعْمَى، وذلك عندَ أهلِ العِلم، إذا كانَ مَعهُ مُؤذِّنٌ آخَرُ يَهْديهِ للأوقاتِ». قاله ابن عبد البر.
وفيه جَوَازِ اتِّخَاذِ مُؤَذِّنَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ.
وجوز البعض أكثر من اثنين، قال الشافعي: "وَلَا يَتَضَيَّقُ إِنْ أَذَّنَ أَكْثَرُ مِنَ اثْنَيْنِ".
وقال ابن عبد البر: «وفيه: اتِّخاذُ مُؤذِّنينِ، وإذا جاز اتِّخاذُ اثنينِ منهُم، جازَ أكثرُ، إلّا أن يَمنَعَ منهُ ما يجِبُ التَّسليمُ لهُ». انتهى
وفيه جواز تَقْلِيدِ الْأَعْمَى لِلْبَصِيرِ الثقة في دخول الوقت.
وفيه جواز شهادة الأعمى على أمر علمه، لا تبنى الشهادة فيه على الرؤية.
قال ابن عبد البر: «وفيه: دليلٌ على جَوازِ شهادةِ الأعْمَى على ما اسْتَيقنهُ من الأصواتِ، ألا تَرَى أنَّهُ كانَ إذا قيلَ لهُ: أصْبَحتَ، قَبِلَ ذلك، وشَهِدَ عليه، وعَمِلَ بهِ؟». انتهى
قال ابن رجب: «وقبول شهادة الأعمى على ما يَتقَّينه من الأصوات مذهبُ مالك وأحمد، وروي عن شريح وكثيرٍ من السلف. ومنع منها أبو حنيفة والشافعي". انتهى
وفي الحديث العمل بخبر الواحد.
وفيه جَوَاز الْأَكْلِ مَعَ الشَّكِّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ اللَّيْلِ.
قال الإمام الثَّوريُّ: "كُلْ ما شَكَكتَ، حتّى تستيقِن".
وقال ابن عبد البر: «وقد أجمعَ العُلماءُ على أنَّ منِ اسْتَيقنَ الصَّباح، لم يَجُز لهُ الأكلُ ولا الشُّربُ بعدَ ذلك».
وقال: وفيه دليلٌ على أكلِ السَّحُورِ، وعلى أنَّ اللَّيلَ كلَّهُ موضِعُ الأكلِ، والشُّربِ، والجِماع، لمن شاء، كما قال اللهُ عز وجل: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} [البقرة: 187].
وفي هذا دليلٌ على أنَّ الخَيْطَ الأبيضَ هو: اتِّضاحُ النَّهارِ».
وقال: «وفيه دليلٌ على أنَّ السُّحُورَ لا يكونُ إلّا قبلَ الفَجْر؛ لقولِهِ: "إنَّ بلالًا يُنادي بلَيل، فكلوا ". ثُمَّ منعهُم من ذلك عندَ أذانِ ابن أُمِّ مَكْتُوم.
وهُو إجماعٌ لم يُخالِفْ فيه إلّا الأعمشُ، فشذَّ، ولم يُعرَّجْ على قولِهِ». انتهى
وفيه جواز ذكر الرَّجُلِ بِمَا فِيهِ مِنَ الْعَاهَةِ إِذَا كَانَ يَقْصِدُ التَّعْرِيفَ وَنَحْوَهُ، وأن هذا ليبس من الغيبة المحرمة.
وفيه جَوَازُ نِسْبَةِ الرَّجُلِ إِلَى أُمِّهِ إِذَا اشْتُهِرَ بِذَلِكَ وَاحْتِيجَ إِلَيْهِ.
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم