صحيح البخاري الحديث (618و619و620)

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • بَابُ الأَذَانِ بَعْدَ الفَجْرِ

    (بابُ الأَذانِ بَعْدَ) طلوع (الفَجْرِ).

    قال ابن بطّال: "الأذان بعد الفجر لا خلاف فيه بين الأئمة، وإنما اختلفوا في جوازه قبل الفجر على ما يأتي ذكره في الباب بعد هذا، إن شاء الله".

     

    618 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ، وَبَدَا الصُّبْحُ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلاَةُ».

    الإسناد تقدم مرارا (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنهما

    (قَالَ: أَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ) أخته وهي أكبر منه سنا، حفصة بنت عمر بن الخطاب، أم المؤمنين رضي الله عنها. تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت خُنيس بن حذافة رضي الله عنه، أحد المهاجرين، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد عائشة، سنة ثلاث من الهجرة في المدينة، ومات وهي زوجته، وماتت سنة إحدى وأربعين، وقيل غير ذلك. روى لها الجماعة.

    («أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا اعْتَكَفَ المُؤَذِّنُ لِلصُّبْحِ)

    قال القسطلاني: " أي: جلس ينتظر الصُّبح لكي يؤذِّن، أو انتصب قائمًا للأذان، كأنَّه من ملازمة مراقبة الفجر.

    وهذه روايةُ الأَصيليِّ والقابسيِّ وأبي ذَرٍّ فيما نُقِل عن ابن قُرْقُول، وهي الَّتي نقلها جمهور رواة البخاريِّ عنه، وروايةُ عبد الله بن يوسف عن مالكٍ أيضًا خلافًا لسائر رواة «المُوطَّأ»، حيث روَوْه بلفظ: «كان إذا سكت المؤذِّن من الأذان لصلاة الصُّبح»، قال الحافظ ابن حجرٍ: وهو الصَّواب.

    ولأبي الوقت والأَصيليِّ: «إذا اعتكف وأذَّن» بواو العطف على سابقه"، وقال: ولابن عساكر: «إذا اعتكف أذَّن» بإسقاط الواو.

    ولأبي ذَرٍّ -وعزاها العينيُّ كابن حجرٍ للهَمْدانيِّ-: «كان إذا أذَّن المؤذِّن» بدلُ قوله: «اعتكف» ". انتهى باختصار.

    هذه روايات البخاري.

    وقد روى الحديث جمعٌ عن نافع.

    وأكثر روايات هذا الحديث عن مالك وغيره: «إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ». وبهذا اللفظ أخرجه مسلم.

    فهذه هي الرواية الصحيحة للحديث، قال ابن حجر: «وَقَدْ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْوَهْمَ فِيهِ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ". انتهى

    أي بعد أذان المؤذن لصلاة الصبح.

    (وَبَدَا) أي: ظهر (الصُّبْحُ، صَلَّى) عليه الصلاة والسلام (رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) سنة الصبح (قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلاَةُ) أي قبل الإقامة لصلاة الصبح.

    قال ابن بطال: فإن كانت رواية التنيسي عن مالك محفوظة ولم تكن غلطًا، فوجه موافقتها للترجمة أن المؤذنَ كان يعتكف للصبح؛ أي: ينتظر الصبح لكي يؤذن، والعكوف في اللغة: الإقامة، فكان يرقب طلوع الفجر ليؤذن في أوله، فإذا طلع الفجر أذن، فحينئذ كان يركع الرسول ركعتي الفجر قبل أن تقام الصلاة.

    ويشهد لصحة هذا المعنى روايةُ الجماعةِ عن مالك: "كان إذا سكت المؤذنُ صلى ركعتين خفيفتين"؛ فدلَّ أن ركوعه كان متصلاً بأذانه، ولا يجوز أن يكون ركوعه إلا بعد الفجر، فكذلك كان الأذان بعد الفجر، وعلى هذا المعنى حمله البخاري؛ ولذلك ترجم له: "بابُ الأذانِ بعد الفجر"، وأردف عليه حديثَ عائشة: "أن النبي كان يصلي ركعتين خفيفتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح"، ليدل أن هذا النداءَ كان بعد الفجر.

    فمن أنكر هذا لزمه أن يقول إنَّ صلاة الصبح لم يكن يُؤذَّنُ لها بعد الفجر، وهذا غير سائغ مِن القول". انتهى

    قال ابن رجب: "وليس في هذا الحديث دلالة صريحة على أنه كان لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر؛ فإنها قالت: "كان إذا سكت المؤذن وبدا الفجر صلى"، فلم تذكر أنه كان يصلي إلا بعد فراغ الأذان بعد طلوع الفجر، وهذا يشعر بأنه كان الأذان قبل الفجر، وإلا لم تحتج إلى ذكر طلوع الفجر مع الأذان». انتهى

    وإن كان الحديث ليس صريحا في المراد، إلا أن إشارته كافية، وما قاله ابن بطال أظهر.

    وأصرح منه حديث عائشة الآتي: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي بِاللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلِّي إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصُّبْحِ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ».

    وفي رواية لمسلم: "فَإِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَتَبَيَّنَ لَهُ الْفَجْرُ، وَجَاءَهُ الْمُؤَذِّنُ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ».

    وحديث حفصة متفق عليه

     

    619 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، «كَانَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ بَيْنَ النِّدَاءِ وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلاَةِ الصُّبْحِ»

    (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميمي النحوي أبو معاوية الضرير. (عَنْ يَحْيَى) بن أبي كثير.

    (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) ابن عبد الرحمن بن عوف.

    (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها («كَانَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ) سُنّة الصبح (بَيْنَ النِّدَاءِ) أي الأذان (وَالإِقَامَةِ مِنْ صَلاَةِ) فرض (الصُّبْحِ).

    قال ابن حجر: «قَالَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيّرِ: حَدِيثُ عَائِشَةَ أَبْعَدُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهَا: بَيْنَ النِّدَاءِ وَالْإِقَامَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَ الْأَذَانِ بَعْدَ الْفَجْرِ. ثُمَّ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِمَا مُحَصِّلُهُ: إِنَّهَا بِالرَّكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، وَهُمَا لَا يُصَلَّيَانِ إِلَّا بَعْدَ الْفَجْرِ، فَإِذَا صَلَّاهُمَا بَعْدَ الْأَذَانِ اسْتَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ وَقَعَ بَعْدَ الْفَجْرِ. انْتَهَى. وَهُوَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ غَيْرُ سَالِمٍ مِنَ الِانْتِقَادِ.

    وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ الْمُصَنِّفَ جَرَى عَلَى عَادَتِهِ فِي الْإِيمَاءِ إِلَى بَعْضِ مَا وَرَدَ فِي طُرُقِ الْحَدِيثِ الَّذِي يُسْتَدَلُّ بِهِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا أَوْرَدَهُ بَعْدَ بَابَيْنِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عَائِشَةَ وَلَفْظُهُ: كَانَ إِذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الْفَجْرُ». انتهى

    وقال ابن رجب: «وليس صريحاً في أن الأذانَ كانَ بعد طلوعِ الفجر؛ فإنه إذا كان يؤذن قبل طلوع الفجر، ثم يمهل حتى يطلع الفجر، ثم يصلي ركعتين، فقد صلى -لعل صوابها: فقد صدق- عليه أنه صلى بين النداء والإقامة.

    وقد رواه جماعةٌ عن يحيى بن أبي كثير بهذا اللفظ.

    ورواه معاوية بن سلَّام، عن يحيى، ولفظه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الصبح قام فركع ركعتين خفيفتين.

    خرجه النسائي».

    ثم ذكر روايات قال: إنها أصرح من هذا منها حديث عائشة الذي تقدم.

     

    620 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ بِلاَلًا يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»

    تقدم هذا الحديث:

    قَالَ: («إِنَّ بِلاَلًا يُنَادِي) أي: يؤذن (بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى) أي إلى أن (يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) الأعمى

    فإن قلت: لا مطابقة بين الترجمة والحديث إذ لو كان أذانه بعد الفجر لما جاز الأكل إلى أذانه.

    قال ابن بطال: وأما مذهبُ البخاري في هذا الحديث على ما ترجم به في هذا الباب: فإنَّ أذانَه كان بعد طلوع الفجر، والحجةُ له على ذلك نصٌ ودليلٌ:

    فأما الدليل فقوله عليه السلام: "إن بلالاً ينادي بليل، فكلوا واشربوا حتى يناديَ ابنُ أم مكتوم"، فلو كان أذانُ ابنِ أمِّ مكتوم قبلَ الفجر لم يكن لقوله: "إن بلالاً ينادي بليل" معنًى؛ لأن أذانَ ابنِ أم مكتوم أيضًا كذلك هو في الليل، وإنما يصح الكلامُ أن يكون نداءُ ابنِ أم مكتوم في غير الليل، في وقتٍ يَحرمُ فيه الطعام والشراب اللذان كانا مباحين في وقت أذان بلال.

    وقد روي هذا المعنى نصًا في بعضِ طرقِ هذا الحديث؛ ذكره البخاريُّ في كتاب الصيام في باب قولِ النبيّ عليه السلام: "لا يمنعنَّكم مِن سَحوركم أذانُ بلال"، مِن روايةِ عائشةَ قالت: "إن بلالاً يؤذنُ بليلٍ، فقال عليه السلام: "كلوا واشربوا حتى يؤذنَ ابنِ أمِّ مكتوم، فإنه لا يؤذنُ حتى يطلعَ الفجرُ"، وهذا نصٌ قاطعٌ للخلاف". انتهى

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم