إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ الأَذَانِ قَبْلَ الفَجْرِ
(بابُ) استحبابِ أو مشروعية (الأَذَانِ قَبْلَ) طلوع (الفَجْرِ) الصادق، أي في الليل، ولا يكتفى به عن أذان الفجر الذي يشرع بعد طلوع الفجر الصادق.
وقد اختلف العلماء: هل هو مشروع قبل الفجر أم لا؟ وهل يُكتفى به عن الذي بعد الفجر أم لا؟
قال ابن حجر: "وَإِلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ مُطْلَقًا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. وَخَالَفَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ.
وَإِلَى الِاكْتِفَاءِ مُطْلَقًا ذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ وَأَصْحَابُهُمْ، وَخَالَفَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ بِهِ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاء.
وَادَّعَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ، وَتُعُقِّبَ بِحَدِيثِ الْبَابِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ مَسْكُوتٌ عَنْهُ فَلَا يَدُلُّ، عَلَى التَّنَزُّلِ فَمَحَلُّهُ فِيمَا إِذَا لَمْ يَرِدْ نُطْقٌ بِخِلَافِهِ، وَهُنَا قَدْ وَرَدَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ، وَعَائِشَةَ بِمَا يُشْعِرُ بِعَدَمِ الِاكْتِفَاءِ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي إِيرَادِ الْبُخَارِيِّ لِحَدِيثِهِمَا فِي هَذَا الْبَابِ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
نَعَمْ حَدِيثُ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ يَدُلُّ عَلَى الِاكْتِفَاءِ، فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَأَنَّهُ اسْتَأْذَنَهُ فِي الْإِقَامَةِ فَمَنَعَهُ، إِلَى أَنْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَأَمَرَهُ فَأَقَامَ، لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ.
وَأَيْضًا فَهِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ وَكَانَتْ فِي سَفَرٍ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: "إِنَّهُ مَذْهَبٌ وَاضِحٌ، غَيْرَ أَنَّ الْعَمَلَ الْمَنْقُولَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهِ". انْتَهَى.
فَلَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِالْعَمَلِ عَلَى قَاعِدَةِ الْمَالِكِيَّةِ.
وَادَّعَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ - كَمَا حَكَاهُ السُّرُوجِيُّ مِنْهُمْ - أَنَّ النِّدَاءَ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَكُنْ بِأَلْفَاظِ الْأَذَانِ، وَإِنَّمَا كَانَ تَذْكِيرًا أَوْ تَسْحِيرًا كَمَا يَقَعُ لِلنَّاسِ الْيَوْمَ، وَهَذَا مَرْدُودٌ، لَكِنَّ الَّذِي يَصْنَعُهُ النَّاسُ الْيَوْمَ مُحْدَثٌ قَطْعًا، وَقَدْ تَضَافَرَتِ الطُّرُقُ عَلَى التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الْأَذَانِ، فَحَمْلُهُ عَلَى مَعْنَاهُ الشَّرْعِيِّ مُقَدَّمٌ.
وَلِأَنَّ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ لَوْ كَانَ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ لَمَا الْتَبَسَ عَلَى السَّامِعِينَ. وَسِيَاقُ الْخَبَرِ يَقْتَضِي أَنَّهُ خَشِيَ عَلَيْهِمُ الِالْتِبَاسَ.
وَادَّعَى ابْنُ الْقَطَّانِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً وَفِيهِ نَظَرٌ". انتهى
621 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ - أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ - أَذَانُ بِلاَلٍ مِنْ سَحُورِهِ، فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ - أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ - لِيَرْجِعَ قَائِمَكُمْ، وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ، وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ الفَجْرُ - أَوِ الصُّبْحُ -» وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ وَطَأْطَأَ إِلَى أَسْفَلُ حَتَّى يَقُولَ هَكَذَا وَقَالَ زُهَيْرٌ: «بِسَبَّابَتَيْهِ إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ».
(حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ) هو أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي اليربوعي الكوفي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) بن معاوية الجعفي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ) بن طرخان (التَّيْمِيُّ) ثقة مدلس، وقد صرح بالتحديث عند ابن خزيمة.
(عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) عبد الرحمن بن مُل (النَّهْدِيِّ).
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه.
إسناد صحيح ليس فيه سوى تدليس سليمان، وقد صرح بالتحديث عند ابن خزيمة، والأكثر يروونه بالعنعنة.
قال ابن رجب: "قال علي بن المديني: إسناده جيد، ولم نجده عن ابن مسعود إلا من هذا الطريق".
وقال البزار: "وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ".
وقال ابن حجر: "فِي رِوَايَةِ ابْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ.
وَلَمْ أَرَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ عَنْهُ، وَلَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُثْمَانَ إِلَّا مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ عَنْهُ. وَاشْتُهِرَ عَنْ سُلَيْمَانَ، وَلَهُ شَاهِدٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ". انتهى
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ – أَوْ) قال (أَحَدًا مِنْكُمْ - أَذَانُ بِلاَلٍ مِنْ) أكل (سَحُورِهِ) ما يتسحر به (فَإِنَّهُ) أي بلالاً (يُؤَذِّنُ – أَوْ) قال (يُنَادِي بِلَيْلٍ) أي في الليل (لِيَرْجِعَ) أي ليردّ (قَائِمَكُمْ) المتهجد.
أي ليترك المتهجد صلاته ويوتر (وَلِيُنَبِّهَ) يوقظ (نَائِمَكُمْ) ليتأهب للصلاة.
قال ابن رجب: "وفُسِّر رجوع القائم: بأن المصلي يترك صلاتَه، ويشرعُ في وترِه، ويختِمُ به صلاته.
وهذا مما استدل به من يقول: إن وقت النهي عن الصلاة يدخل بطلوع الفجر كما سبق.
فَذَكَرَ لأذانه قبل الفجر فائدتين:
إحداهما: إعلام القائم المصلي بقرب الفجر، وهذا يدلُّ على أنه كان يؤذن قريباً من الفجر، وقد ذكرنا في الباب الماضي، أنه كان يؤذن إذا طلع الفجر الأول.
والثانية: أن يستيقظ النائمُ، فيتهيأُ للصلاة بالطهارة؛ ليدرك صلاةَ الفجر مع الجماعة في أول وقتها؛ وليدركَ الوترَ إن لم يكن أوتر، أو يدركَ بعضَ التهجدِ قبل طلوعِ الفجر، وربما تسحر المريدُ للصيام حينئذ، كما قال: "لا يمنعن أحداً منكم أذانُ بلالٍ عن سَحوره".
وفي هذا تنبيه على استحباب إيقاظ النوَّامِ في آخر الليل بالأذان ونحوِه من الذكر". انتهى
وقال صلى الله عليه وسلم: (وَلَيْسَ أَنْ يَقُولَ) أي يَظهرَ (الفَجْرُ - أَوِ الصُّبْحُ -») شك من الراوي (وَقَالَ) أي أشار عليه الصلاة والسلام (بِأَصَابِعِهِ وَرَفَعَهَا إِلَى فَوْقُ) بالضم على البناء (وَطَأْطَأَ) أي خفض أصبعيه (إِلَى أَسْفَلُ) فأشار عليه الصلاة والسلام إلى الفجر الكاذب المسمى عند العرب بذنب السرحان؛ وهو الضوء المستطيل من العلو إلى السُّفل وهو من الليل فلا يدخل به وقت الصبح، ويجوز فيه التسحر، وأشار إلى الصادق بقوله: (حَتَّى يَقُولَ) أي يَظهر الفجر (هَكَذَا - وَقَالَ زُهَيْرٌ) ابن معاوية الجعفي في تفسير معنى هكذا؛ أي: أشار («بِسَبَّابَتَيْهِ) اللتين تليان الإبهام، سميتا بذلك لأنهما يشار بهما عند السب (إِحْدَاهُمَا فَوْقَ الأُخْرَى، ثُمَّ مَدَّهَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ») أي وضع السبابتين فوق بعضهما ثم فرّقهما إلى اليمين واليسار؛ ليحكي صفة الفجر الصادق؛ لأنه يطلع معترضًا ثم يعمّ الأفق ذاهبًا يمينًا وشمالاً.
هذا الحديث دلالته ظاهرة وبينة لما ترجم له البخاري من الأذان قبل الفجر، وقد بُيّن فيه سبب هذا الأذان، فليس هو الأذان الذي لصلاة الفجر.
الحديث متفق عليه.
622 و623 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، قَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، وَعَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ح وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى المَرْوَزِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ»
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن راهويه الحنظلي كما جزم به المزي فيما حكاه الحافظ ابن حجر وارتضاه، أو هو إسحاق بن منصور الكوسج، أو إسحاق بن نصر السعدي؛ وكلٌّ ثقة على شرط المؤلّف، فلا قدح في ذلك. قاله الشراح.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حماد بن أسامة.
(قَالَ: عُبَيْدُ اللَّهِ) بن عمر العمري.
(حَدَّثَنَا) أي: قال أبو أسامة: حدّثنا عبيد الله (عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ) بن أبي بكر الصديق (عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها.
(وَعَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر، عطف على قوله "عن القاسم"؛ أي: حدثنا عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة، وعن نافع (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) بن الخطاب رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:
(ح) تحويل الإسناد.
قال البخاري (وَحَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ عِيسَى) بن دينار الزهري، أبو يعقوب (المَرْوَزِيُّ).
(قَالَ: حَدَّثَنَا الفَضْلُ بْنُ مُوسَى) السِّيْناني، أبو عبد الله المروزي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها.
قال ابن حجر: "وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَخْرَجَ الْحَدِيثَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ ذَكَرَ لَهُ فِيهِ إِسْنَادَين نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَالْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأَمَّا الثَّانِي فَاقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى الْإِسْنَادِ الثَّانِي".
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ بِلاَلًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى) أي إلى أن (يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ) وزاد المؤلّف في الصيام: "فإنه لا يؤذن حتى يطلعَ الفجر".
قال ابن حجر: (قَوْلُهُ: (حَتَّى يُؤَذِّنَ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ:" حَتَّى يُنَادِيَ"، وَقَدْ أَوْرَدَهُ فِي الصِّيَامِ بِلَفْظِ: "يُؤَذِّنَ". وَزَادَ فِي آخِرِهِ: "فَإِنَّهُ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ". قَالَ الْقَاسِمُ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانَيْهِمَا إِلَّا أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلُ ذَا".
وَفِي هَذَا تَقْيِيدٌ لِمَا أُطْلِقَ فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى مِنْ قَوْلِهِ: "إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ"، وَلَا يُقَالُ: إِنَّهُ مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ الْقَاسِمَ تَابِعِيٌّ فَلَمْ يُدْرِكِ الْقِصَّةَ الْمَذْكُورَةَ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، وَعِنْدَ الطَّحَاوِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ.. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، قَالَتْ: "وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَصْعَدَ هَذَا"؛ وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ فِيِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ: "قَالَ الْقَاسِمُ"، أَيْ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَائِشَةَ.
وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَفِيهَا نَظَرٌ أَوْضَحْتُهُ فِي كِتَابِ الْمُدْرَجِ.
وَثَبَتَتِ الزِّيَادَةُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ أُنَيْسَةَ الَّذِي تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ هُوَ وَقْتُ السُّحُورِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَوْجُهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَحَكَى تَصْحِيحَهُ عَنِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ، وَالْمُتَوَلِّي وَقَطَعَ بِهِ الْبَغَوِيُّ، وَكَلَامُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ يُشْعِرُ بِهِ..". انتهى المراد.
قال ابن المنذر في الأوسط: ذِكرُ الأذانِ للصلواتِ قبل دخولها أو قال: قبل دخول أوقاتها.
قال: أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يُؤذَّنَ للصلوات بعد دخول أوقاتها، إلا الفجر؛ فإنهم اختلفوا في الأذان لصلاة الفجر قبل دخول وقتها".
وذكر بعض الأقوال، وقال: "وقالت طائفة: لا بأس أن يُؤذَّنَ للصبح قبل طلوع الفجر إذا كان للمسجد مؤذنان، يؤذن أحدُهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعد طلوع الفجر.
قالت: والأذان معناه إعلام بدخول أوقات الصلوات، ودعاءٌ إليها، فغير جائز أن يُدعى إليها ويُؤمر بحضورها قبل دخول وقتها، وذَكرَ بعضُهم الأخبارَ التي ذكرناها في كتاب السنن، والكتابِ الذي اختصرت منه هذا الكتاب عن ابن عمر، وأبي عمير بن أنس عن عمومته من الأنصار، وحديثَ عبد الله بن زيد، وهي الأخبار التي فيها ذكرُ الناقوس وغيرُ ذلك.
فدلت هذِه الأخبار على أن الأذان إنما جُعل ليَعلمَ الناسُ أن الصلاة قد حضر وقتها، ووجب فرضها.
وحجة أخرى، وهي أنهم قد أجمعوا على أن الأذان للصلوات الأربع لا يجوز إلا بعد دخول وقتها، فكذلك الصلاةُ الخامسةُ غيرُ جائز أن يُؤذنَ لها إلا بعد دخول وقتها قياسًا عليها.
وقالوا: ونحن نقول بالخبر الذي فيه ذكر أذان بلال بالليل، إذا كان للمسجد مؤذنان أو أكثر فلا بأس أن يُؤذنَ أحدُهم قبل طلوع الفجر لينتبه النائمُ بأذانه، ويَرجعَ القائمُ فيستعدان للصلاة، ثم يُؤذنُ الآخرُ بعد طلوع الفجر فيكونُ أذانُه دعاءً إلى الصلاة وإعلامًا بأن الصلاة قد حضر وقتها ليشهدها الناس، وفي خبر ابن مسعود بيانُ العلةِ التي لها كان أذان بلال.
قال أبو بكر: وقد ذكرت باقي حجج هذِه الطائفة في الكتاب الذي اختصرت منه هذا الكتاب. وكذلك نقول.
وقد ثبت أن بلالًا كان يؤذن بعد طلوع الفجر، ولعلّ أذانَه كان بعد طلوع الفجر حيث كان يُؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم أذن بعد ذلك قبل طلوع الفجر، وأذن ابنُ أم مكتوم بعد طلوع الفجر.
وفي خبر ابن مسعود معنى أذانِ بلالٍ، وأذانِ ابن أم مكتوم".
وخرج حديث أذان بلال بعد طلوع الفجر.
وقال: «وقال قائل: لما جاءت هذِه الأخبار، وجاءت الأخبار التي فيها أن بلالًا يؤذن بليل لم تكن هذِه مخالفة لتلك، إذ قد يَحتمِل أن يكون بلالٌ لم يكن يؤذن إلا بعد طلوع الفجر لما كان وحده، وإذا كان معه غيرُه أذن بليل لاستيقاظِ النُّوَّام ورجوعِ القوام، ثم يتلوه ابن أم مكتوم بالأذان بعد دخول الوقت داعيًا إلى الصلاة، كما كان بلالٌ داعيًا إلى الصلاة حيث كان مؤذنًا وحده، والله أعلم". انتهى
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم