إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابٌ: كَمْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ، وَمَنْ يَنْتَظِرُ الإِقَامَةَ
(بَابٌ) في بيان (كَمْ) من الوقت (بَيْنَ الأَذَانِ والإِقامَةِ) للصلاة.
قال ابن حجر: «وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِبِلَالٍ: "اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْحَاكِمُ لَكِنْ إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ، أَخْرَجَهُمَا أَبُو الشَّيْخِ.
وَمِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَخْرَجَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِ الْمُسْنَدِ.
وَكُلُّهَا وَاهِيَةٌ.
فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ التَّقْدِيرَ بِذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ.
وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: لَا حَدَّ لِذَلِكَ غَيْرَ تَمَكُّنِ دُخُولِ الْوَقْتِ وَاجْتِمَاعِ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي التَّطَوُّعِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ إِلَّا فِي الْمَغْرِبِ كَمَا سَيَأْتِي». انتهى
أقل حده للجماعة على الاستحباب: التمكن من الوضوء وصلاة ركعتين للأحاديث التي خرجها البخاري هنا، واجتماع الناس للصلاة ما لم يخرج وقت الاختيار.
والمنفرد يعجل ويصليها في أول وقتها متى علم بدخول الوقت واستعد للصلاة، إلا في الصلاة التي يستحب تأخيرها كالعشاء.
قال العلماء: «وَالْحَاصِل أَن الْوَصْل بَينهمَا مَكْرُوه؛ لِأَن الْمَقْصُود بِالْأَذَانِ إِعْلَام النَّاس بِدُخُول الْوَقْت لِيَتَأَهَّبُوا للصَّلَاة بِالطَّهَارَةِ فيحضروا الْمَسْجِد لإِقَامَة الصَّلَاة وبالوصل يَنْتَفِي هَذَا الْمَقْصُود». انتهى
(ومَن ينتظر الإقامَةَ).
قال ابن حجر: «وَوَقَعَ هُنَا فِي رِوَايَةٍ نُسِبَتْ لِلْكُشْمِيهَنِيِّ:" وَمَنِ انْتَظَرَ الْإِقَامَةَ". وَهُوَ خَطَأٌ فَإِنَّ هَذَا اللَّفْظَ تَرْجَمَةٌ تَلِي هَذِهِ». انتهى
قال القسطلاني: "ولذا ضُرب عليها في فرع اليونينية". انتهى
624 - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ الجُرَيْرِيِّ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلاَةٌ، ثَلاَثًا لِمَنْ شَاءَ»
(حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ) بن شاهين (الوَاسِطِيُّ).
قال ابن حجر: "هُوَ ابْنُ شَاهِينَ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي عَنَاهُ الدِّمْيَاطِيُّ وَنَقَلْنَاهُ عَنْهُ فِي الَّذِي مَضَى، لَكِنِّي رَأَيْتُهُ كَمَا نَقَلْتُهُ أَوَّلًا بِخَطِّ الْقُطْبِ الْحَلَبِيِّ، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ وَهْبٍ الْعَلَّافِ وَهُوَ وَاسِطِيٌّ أَيْضًا لَكِنْ لَيْسَتْ لَهُ رِوَايَةٌ عَنْ خَالِدٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّحَّانُ".
وأخرجه البيهقي في سننه وصرح بأنه إسحاق بن شاهين، وكذا الروياني في مسنده.
(قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ) بن عبد الله الطحان.
(عَنِ الجُرَيْرِيِّ) سعيد بن إيَاس الجُرَيري، أبو مسعود البصري. من أتباع التابعين، ثقة اختلط قبل موته بثلاث سنين، مات سنة أَربعٍ وأربعين ومائة. فمن روى عنه قبل ذلك فحديثه عنه صحيح. روى له الجماعة.
وخالد الطحان ممن روى عنه بعد الاختلاط، ولكنه متابع كما سيأتي.
قال أبو طالب عَن أحمد بْن حَنْبَل: الجريري محدث أهل البصرة.
وَقَال عَباس الدُّورِيُّ عَنْ يحيى بْن مَعِين: ثقة.
وَقَال أَبُو حاتم: تغير حفظه قبل موته، فمن كتب عنه قديماً فهو صَالِح، وهُوَ حسن الحديث.
وَقَال يحيى بْن سَعِيد القطان عَنْ كهمس: أَنكَرْنا الجُريري أيام الطاعون.
وَقَال أَبُو عُبَيد الآجري عَن أَبِي دَاوُد: أرواهم عَنِ الجريري إسماعيلُ بن علية، وكل من أدرك أَيُّوب فسماعه من الجُريري جيد.
وَقَال النَّسَائي: ثقة، أُنكر أيام الطاعون.
قال ابن حجر: "وهو معدود فيمن اختلط، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ سَمَاعَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُ كَانَ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ، وَخَالِدٌ مِنْهُمْ.
لَكِنْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، وَعَبْدِ الْأَعْلَى، وَابْنِ عُلَيَّةَ، وَهُمْ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ، وَهِيَ إِحْدَى فَوَائِدِ الْمُسْتَخْرَجَاتِ أَيْضًا.
وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى أَيْضًا، وَقَدْ قَالَ الْعِجْلِيُّ: إِنَّهُ مِنْ أَصَحِّهِمْ سَمَاعًا مِنَ الجريري، فإنه سمع منه قَبْلَ اخْتِلَاطِهِ بِثَمَانِ سِنِينَ.
وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ مَعَ ذَلِكَ الْجُرَيْرِيُّ بَلْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ كَهَمْسُ بْنِ الْحَسَنِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ". انتهى
(عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ) عبد الله بن بريدة بن الحُصَيب الأسلمي.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ) أي الأذان والإقامة، فهو من باب التغليب؛ كالعمرين، والقمرين (صَلاَةٌ) وقت صلاة نافلة، قالها (ثَلاَثًا) وقال في المرة الثالثة كما في رواية ستأتي: (لِمَنْ شَاءَ) فيدل هذا على الاستحباب لا على الوجوب، وهو الذي جعل العلماء يفسرون الأذانين بالأذان والإقامة؛ لأن الصلاة التي بين الأذانين -كأذان الظهر والعصر مثلًا- مفروضة وليست مستحبة.
قال ابن بطَّال: "وأما قوله: (بين كل أذانين صلاة)؛ فإنه يريد بين الأذان والإقامة موضع صلاة لمن شاء، لا خلاف في ذلك بين العلماء إلا المغرب وحدها؛ فإنهم اختلفوا في الركوع قبلها، فأجازه أحمد وإسحاق، واحتجَّا بهذا الحديث، وأباه سائر الفقهاء".
قال ابن حجر: "(بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ) أي أذان وإقامة، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ مَفْرُوضَةٌ، وَالْخَيْرُ نَاطِقٌ بِالتَّخْيِيرِ لِقَوْلِهِ لِمَنْ شَاءَ.
وَأَجْرَى الْمُصَنِّفُ التَّرْجَمَةَ مَجْرَى الْبَيَانِ لِلْخَبَرِ؛ لِجَزْمِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمُرَادُ.
وَتَوَارَدَ الشُّرَّاحُ عَلَى أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ؛ كَقَوْلِهِمُ الْقَمَرَيْنِ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُطْلِقَ عَلَى الْإِقَامَةِ أَذَانٌ لِأَنَّهَا إِعْلَامٌ بِحُضُورِ فِعْلِ الصَّلَاةِ، كَمَا أَنَّ الْأَذَانَ إِعْلَامٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ.
وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ قَوْلِهِ "أَذَانَيْنِ" عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ نَافِلَةٌ غَيْرُ الْمَفْرُوضَةِ". انتهى
احتماله الأخير ضعيف بين الضعف.
قال الترمذي بعد أن ساق حديث: "بين كل أذانين صلاة، لمن شاء": وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ المَغْرِبِ، فَلَمْ يَرَ بَعْضُهُمُ الصَّلَاةَ قَبْلَ المَغْرِبِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَ صَلَاةِ المَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ».
وقَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ: «إِنْ صَلَّاهُمَا فَحَسَنٌ» وَهَذَا عِنْدَهُمَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ".
وما قاله هذان الإمامان هو الموافق لظاهر الحديث وفعل الصحابة رضي الله عنهم، فتجوز النافلة بعد أذان المغرب وقبل فريضته.
وحديث: «بين كل أذانين صلاة إلا المغرب» ضعيف.
وما ذكر عن إبراهيم النخعي أن أبا بكر وعمر وعثمان لم يكونوا يصلونها ضعيف منقطع.
وما روي عن أبي شعيب عن طاوس قال: سئل ابن عمر عن
الركعتين قبل المغرب فقال: ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله يصليهما؛ اختلفوا في صحته، وعلى صحته فقال البيهقي: «القَولُ في مِثلِ هذا قَولُ مَن شاهَدَ دونَ مَن لم يُشاهِدْ، وبِاللَّهِ التَّوفيقُ». انتهى
يعني هو مخالف بما هو أصح منه وأكثر من أن الصحابة كانوا يصلون.
وثبت عندنا كما تقدم أن وقت المغرب موسع وليس مضيقا كما ذهب إليه البعض فيتسع لصلاة نافلة قبل فريضة المغرب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وثبت في الصحيح أن أصحابه كانوا يصلون بين أذان المغرب وإقامتها ركعتين وهو يراهم ولا ينهاهم، فإذا كان التطوع بين أذاني المغرب مشروعًا فلأن يكون مشروعا بين أذاني العصر والعشاء بطريق الأولى؛ لأن السنة تعجيل المغرب باتفاق الأئمة فدل ذلك على أن الصلاة قبل العصر وقبل المغرب وقبل العشاء؛ من التطوع المشروع وليس هو من السنن الراتبة التي قدرها بقوله، ولا داوم عليها بفعله». انتهى
ومراد البخاري من تخريج هذا الحديث في هذا الباب: أنه يوجد فاصل زمني بين الأذان والإقامة يكفي لصلاة ركعتين على الأقل.
قال ابن رجب: "وحديث ابن مُغفَّل يدلَّ على أنَّ بين كل أذانِ صلاةٍ وإقامتِها صلاةٌ لمن شاء، فدخل في ذلك المغربُ وغيرُها، فدلَّ على أنَّ بين أذان المغرب وإقامتها ما يتسع لصلاة ركعتين". انتهى
الحديث متفق عليه
625 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الأَنْصَارِيَّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ، حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم وَهُمْ كَذَلِكَ، يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ المَغْرِبِ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ»، قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ، وَأَبُو دَاوُدَ: عَنْ شُعْبَةَ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا قَلِيلٌ.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) محمد بن جعفر (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ عَامِرٍ الأَنْصَارِيَّ) رجاله كلهم ثقات تقدموا.
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) رضي الله عنه (قَالَ: «كَانَ المُؤَذِّنُ إِذَا أَذَّنَ) للمغرب (قَامَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ) يتسارعون ويستبقون إلى السواري للاستتار بها ممّن يمرّ بين أيديهم لكونهم يصلون فرادى (حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلم) من بيته إليهم (وَهُمْ كَذَلِكَ) أَيْ فِي تِلْكَ الْحَالِ.
وَزَادَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ: "فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا".
(يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْن قَبْلَ المَغْرِبِ) قال أنس: (وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ شَيْءٌ») كثير من الوقت.
قال البخاري (قَالَ عُثْمَانُ بْنُ جَبَلَةَ) ابن أبي روّاد (وَأَبُو دَاوُدَ) قال الحافظ ابن حجر: "هو الطيالسي فيما يظهر لي وليس هو الحفري"، وكذا قال ابن رجب أنه الطيالسي (عَنْ شُعْبَةَ: لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا) أي بين الأذان والإقامة للمغرب (إِلَّا قَلِيلٌ) هذه الرواية المعلقة تبين أن المراد في الرواية السابقة نفي الشيء الكثير، لا الكل.
قال ابن رجب: «فأما قوله في آخر الحديث: "ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء"، فمراده - والله أعلم - لم يكن شيء كثير؛ بدليل رواية عثمان بن جَبَلة وأبي داود الطيالسي التي ذكرها البخاري تعليقاً: "ولم يكن بينهما إلا قليل".
وقال ابن حجر: «(شَيْءٌ) التَّنْوِينُ فِيهِ لِلتَّعْظِيمِ، أَيْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ كَثِيرٌ، وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الرِّوَايَةَ الْمُعَلَّقَةَ مُعَارِضَةٌ لِلرِّوَايَةِ الْمَوْصُولَةِ، بَلْ هِيَ مُبَيِّنَةٌ لَهَا، وَنَفْيُ الْكَثِيرِ يَقْتَضِي إِثْبَاتُ الْقَلِيلِ.
وَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِسْمَاعِيلِيُّ مَوْصُولَةً مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ:" وَكَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ قَرِيبٌ".
وَلِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَامِرٍ، عَنْ شُعْبَةَ نَحْوُهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيّرِ: يُجْمَعُ بَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ بِحَمْلِ النَّفْيِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُبَالَغَةِ مَجَازًا، وَالْإِثْبَاتُ لِلْقَلِيلِ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَحَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حَدِيثَ الْبَابِ عَلَى ظَاهِرِهِ، فَقَالَ: "دَلَّ قَوْلُهُ: "وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ" عَلَى أَنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ" مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ الْمَغْرِبِ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ بَيْنَهُمَا بَلْ كَانُوا يَشْرَعُونَ فِي الصَّلَاةِ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ وَيَفْرُغُونَ مَعَ فَرَاغِهِ".
قَالَ: "وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ مِنْ طَرِيقِ حَيَّانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ.." مِثْلَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، وَزَادَ فِي آخِرِهِ: "إِلَّا الْمَغْرِبَ" اهـ.
وَفِي قَوْلِهِ "وَيَفْرُغُونَ مَعَ فَرَاغِهِ" نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ شُرُوعِهِمْ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا رِوَايَةُ حَيَّانَ وَهُوَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّحْتَانِيَّةِ فَشَاذَّةٌ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ صَدُوقًا عِنْدَ الْبَزَّارِ وَغَيْرِهِ؛ لَكِنَّهُ خَالَفَ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ فِي إِسْنَادِ الْحَدِيثِ وَمَتْنِهِ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ: "وَكَانَ بُرَيْدَةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ"، فَلَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ مَحْفُوظًا لَمْ يُخَالِفْ بُرَيْدَةُ رِوَايَتَهُ.
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنِ الْفَلَّاسِ أَنَّهُ كَذَّبَ حَيَّانَ الْمَذْكُورَ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: "ظَاهِرُ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَقَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ كَانَ أَمْرًا أَقَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ عَلَيْهِ، وَعَمِلُوا بِهِ حَتَّى كَانُوا يَسْتَبِقُونَ إِلَيْهِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَكَأَنَّ أَصْلَهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ".
وَأَمَّا كَوْنُهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُصَلِّهِمَا فَلَا يَنْفِي الِاسْتِحْبَابَ، بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنَ الرَّوَاتِبِ".
وَإِلَى اسْتِحْبَابِهِمَا ذَهَبَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُصَلِّيهِمَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَعَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُصَلُّونَهُمَا. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَادَّعَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ نَسْخَهُمَا فَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ حَيْثُ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَبَيَّنَ لَهُمْ بِذَلِكَ وَقْتَ الْجَوَازِ، ثُمَّ نَدَبَ إِلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْمَغْرِبِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا، فَلَوِ اسْتَمَرَّتِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِغَيْرِهَا لَكَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى مُخَالَفَةِ إِدْرَاكِ أَوَّلِ وَقْتِهَا. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ دَعْوَى النَّسْخِ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَالْمَنْقُولُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنْهُ، وَرِوَايَةُ أَنَسٍ الْمُثْبِتَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى نَفْيِهِ، وَالْمَنْقُولُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ عَنْهُمْ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ وَلَا الْكَرَاهَةِ. وَسَيَأْتِي فِي أَبْوَابِ التَّطَوُّعِ أَنَّ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ سُئِلَ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَقَالَ: كُنَّا نَفْعَلُهُمَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قِيلَ لَهُ: فَمَا يَمْنَعُكَ الْآنَ؟ قَالَ: الشُّغْلُ. فَلَعَلَّ غَيْرَهُ أَيْضًا مَنَعَهُ الشُّغْلُ.
وَقَدْ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ قَوِيَّةٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُوَاظِبُونَ عَلَيْهِمَا.
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ: اخْتَلَفَ فِيهَا الصَّحَابَةُ وَلَمْ يَفْعَلْهَا أَحَدٌ بَعْدَهُمْ، فَمَرْدُودٌ بِقَوْلِ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ، وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ أَخْرَجَ ذَلِكَ بِأَسَانِيدَ مُتَعَدِّدَةٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، وَيَحْيَى بْنِ عَقِيلٍ، وَالْأَعْرَجِ، وَعَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ سَئلَ عَنْهُمَا فَقَالَ: حَسَنَتَيْنِ وَاللَّهِ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهِمَا. وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ. وَعَنْ مَالِكٍ قَوْلٌ آخَرُ بِاسْتِحْبَابِهِمَا. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: قَوْلُ مَنْ قَالَ «إِنَّ فِعْلَهُمَا يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِيرِ الْمَغْرِبِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا خَيَالٌ فَاسِدٌ مُنَابِذٌ لِلسُّنَّةِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَزَمَنُهُمَا زَمَنٌ يَسِيرٌ لَا تَتَأَخَّرُ بِهِ الصَّلَاةُ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا.
قُلْتُ: وَمَجْمُوعُ الْأَدِلَّةِ يُرْشِدُ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَخْفِيفِهِمَا كَمَا فِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ.
قِيلَ: وَالْحِكْمَةُ فِي النَّدْبِ إِلَيْهِمَا رَجَاءُ إِجَابَةِ الدُّعَاءِ، لِأَنَّ الدُّعَاءَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لَا يُرَدُّ، وَكُلَّمَا كَانَ الْوَقْتُ أَشْرَفَ كَانَ ثَوَابُ الْعِبَادَةِ فِيهِ أَكْثَرَ.
وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ أَنَسٍ عَلَى امْتِدَادِ وَقْتِ الْمَغْرِبِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاضِحٍ.
(تَنْبِيهَانِ):
(أَحَدُهُمَا) مُطَابَقَةُ حَدِيثِ أَنَسٍ لِلتَّرْجَمَةِ مِنْ جِهَةِ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ الصَّحَابَةَ إِذَا كَانُوا يَبْتَدِرُونَ إِلَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَعَ قِصَرِ وَقْتِهَا، فَالْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّنَفلِ قَبْلَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّلَوَاتِ تَقَعُ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِرَكْعَتَيْنِ إِلَّا مَا ضَاهَى الْمَغْرِبَ فِي قِصَرِ الْوَقْتِ كَالصُّبْحِ.
(الثَّانِي): لَمْ تَتَّصِلْ لَنَا رِوَايَةُ عُثْمَانَ بْنِ جَبَلَةَ - وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ - إِلَى الْآنَ. وَزَعَمَ مُغْلَطَايْ وَمَنْ تَبِعَهُ أَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ وَصَلَهَا فِي مُسْتَخْرَجِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ إِنَّمَا أَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ.
وَكَذَلِكَ لَمْ تَتَّصِلْ لَنَا رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ الطَّيَالِسِيُّ فِيمَا يَظْهَرُ لِي، وَقِيلَ هُوَ الْحَفَرِيُّ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْفَاءِ.
وَقَدْ وَقَعَ لَنَا مَقْصُودُ رِوَايَتِهِمَا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ، وَأَبِي عَامِرٍ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ». انتهى
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم