صحيح البخاري الحديث (626)

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • بَابُ مَنِ انْتَظَرَ الإِقَامَةَ

    هذا الباب عقده البخاري ليبين جواز انتظار المصلي للإقامة خارج المسجد، وأن يؤخر دخول المسجد خارجاً منه حتى تقام الصلاة، فيدخلَ حينئذ.

    لكن هل هذا خاص بالإمام؛ لأن المأمومَ رُغِّب في التبكير للصلاة والسبق إلى الصف الأول، أم هو للإمام والمأموم إذا كان قريبا من المسجد واستعد للصلاة، وله أجر من انتظر الصلاة حتى لو انتظرها في بيته، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم؟

    فيه خلاف سيأتي.

    626 - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَكَتَ المُؤَذِّنُ بِالأُولَى مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ قَامَ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ، بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ، حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ».

    (حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ) الحكم بن نافع.

    (قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) بن أبي حمزة.

    (عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَكَتَ) بالتاء.

    قال ابن حجر: "أَيْ فَرَغَ مِنَ الْأَذَانِ بِالسُّكُوتِ عَنْهُ، هَذَا فِي الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ بِالْمُثَنَّاةِ الْفَوْقَانِيَّةِ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمُوَحَّدَةِ. وَمَعْنَاهُ: صَبَّ الْأَذَانَ وَأَفْرَغَهُ فِي الْآذَانِ، وَمِنْهُ أَفْرَغَ فِي أُذُنِي كَلَامًا حَسَنَا. اهـ.

    وَالرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تَثْبُتْ فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ: إِنَّ سُوَيْدَ بْنَ نَصْرٍ - رَاوِيَهَا عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ - ضَبَطَهَا بِالْمُوَحَّدَةِ.

    وَأَفْرَطَ الصَّغَانِيُّ فِي الْعُبَابِ فَجَزَمَ أَنَّهَا بِالْمُوَحَّدَةِ، وَكَذَا ضَبَطَهَا فِي نُسْخَتِهِ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَابَلَهَا عَلَى نُسْخَةِ الْفَرَبْرِيِّ، وَأَنَّ الْمُحَدِّثِينَ يَقُولُونَهَا بِالْمُثَنَّاةِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهَا تَصْحِيفٌ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ". انتهى

    إذا سكت (المُؤَذِّنُ بـِ) المناداة (الأُولَى مِنْ صَلاَةِ الفَجْرِ) أي: فرغ من أذان الفجر الذي يكون عند دخول الوقت، وهو الأول بالنسبة للإقامة، والثاني بالنسبة للأذان الأول الذي يكون في الليل.

    قال ابن حجر: «وَالْمُرَادُ بِالْأُولَى الْأَذَانُ الَّذِي يُؤَذَّنُ بِهِ عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَهُوَ أَوَّلُ بِاعْتِبَارِ الْإِقَامَةِ، وَثَانٍ بِاعْتِبَارِ الْأَذَانِ الَّذِي قَبْلَ الْفَجْرِ».

    قال ابن الملقن: «توضحه رواية مسلم السالفة: بين النداء والإقامة».

    (قَامَ) أي: النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم (فَرَكَعَ) وفي رواية: يركع (رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ صَلاَةِ الفَجْرِ) وهي سنة الفجر (بَعْدَ أَنْ يَسْتَبِينَ الفَجْرُ) من الاستبانة وهو ظهروه، وفي نسخة: «يستنير» من الاستنارة (ثُمَّ اضْطَجَعَ) عليه الصلاة والسلام في بيته بعد أن صلى سنة الفجر (عَلَى شِقِّهِ) أي: جنبه (الأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ المُؤَذِّنُ لِلْإِقَامَةِ) يعلمه بإقامة الصلاة.

    قال ابن رجب: "«وإنما المقصودُ هنا: قولُها: "حتى يأتيه المؤذنُ للإقامة"؛ فإن هذا يدل على أنه يجوز انتظار المصلي للإقامة، وأن يؤخِّر دخولَ المسجدِ خارجاً منه حتى تقامَ الصلاة، فيدخلَ حينئذ.

    وهذا هو مقصود البخاري في هذا الباب، وأراد بذلك مخالفةَ مَن كره انتظارَ الإقامة، فإن طائفةً من السلف كرهوه وغلظوا، حتى روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: هو هَرَب من دين محمد والإسلام.

    وقد كرهه مِن المتأخرين مِن أصحابنا، وقالوا: يُكره للقادر على الدخول إلى المسجد قبل الإقامة أن يجلس خارج المسجد ينتظر الإقامة، ذلك تَفوتُ به فضيلةُ السبق إلى المسجد وانتظارِ الصلاة فيه، ولُحوق الصف الأول».

    وذكر أدلة استحباب التهجير إلى الصلاة.

    ومنها قول ابن عبد البر: لا أعلم خلافاً بين العلماء أن من بكَّرَ وانتظر الصلاة، وإن لم يصلِّ في الصف الأول؛ أفضل ممن تأخر، وإن صلى في الصف الأول".

    وقال: «فمن كان فارغاً لا شغل له، وجلس إلى الصلاة قبل الإقامة على باب المسجد، أو قريباً منه ينتظر أن تقام الصلاة فيدخلَ المسجد، وخصوصاً إن كان على غير طهارةٍ، وإنما ينتظر في المسجد إذا دخل المسجد بعد الإقامة، فهو مُقصِّر راغب عن الفضائل المندوب إليها.

    ولكن هذا كله في حق المأموم، وقد تقدم من حديث أبي المثنى، عن ابن عمر، قال: كان أحدنا إذا سمع الإقامة توضأ وخرج من وقته.

    وفيه دليل على أن الصحابة كانوا ينتظرون الإقامة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم.

    فأما الإمام، فإنه إذا انتظر إتيان المؤذن له في بيته حتى يؤذِنَه بالصلاة

    ويخرج معه فيقيم الصلاة حينئذ بالمسجد فيصلي بالناس، فهذا غير مكروه بالإجماع، وهذه كانت عادة النبي صلى الله عليه وسلم». انتهى

    وأما ابن بطَّال فقال: "في هذا الحديث دليل على أن ما جاء في الحضِّ على التهجير والترغيب في الاستباق إلى المساجد، إنما كان لمن هو على مسافة من المسجد لا يسمع فيها الإقامة من بيته، ويخشى إن لم يُبَكِّر أن يفوته فضل انتظار الصلاة، وأمَّا مَنْ كان مجاور المسجد حيث يسمع الإقامة ولا تخفى عليه، فانتظارها في داره كانتظاره لها في المسجد، له أجر منتظر الصلاة؛ لأنه لا يجوز أن يترك الرسول الأفضل من الأعمال في خاصَّته ويحضَّ عليها أمته، بل كان يلتزم التشديد في نفسه، ويحب التخفيف على أمته، ولو لم يكن له في بيته فضل الانتظار لخرج إلى المسجد قبل الإقامة، ليأخذ بحظ من الفضل. والله أعلم".

    وقال ابن حجر: (قَوْلُهُ: (بَابُ مَنِ انْتَظَرَ الْإِقَامَةَ) مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ مِنَ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ: "ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ". وَأَوْرَدَهَا مَوْرِدَ الِاحْتِمَالِ تَنْبِيهًا عَلَى اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الْمَأْمُومَ مَنْدُوبٌ إِلَى إِحْرَازِ الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُشَارِكَ الْإِمَامَ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ مَنْزِلُهُ قَرِيبًا مِنَ الْمَسْجِدِ.

    وَقِيلَ: يُسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الَّذِي وَرَدَ مِنَ الْحَضِّ عَلَى الِاسْتِبَاقِ إِلَى الْمَسْجِدِ هُوَ لِمَنْ كَانَ عَلَى مَسَافَةٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ يَسْمَعُ الْإِقَامَةَ مِنْ دَارِهِ فَانْتِظَارُهُ لِلصَّلَاةِ إِذَا كَانَ مُتَهَيِّئًا لَهَا كَانْتِظَارِهِ إِيَّاهَا فِي الْمَسْجِدِ.

    وَفِي مَقْصُودِ التَّرْجَمَةِ أَيْضًا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: كَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ ثُمَّ لَا يُقِيمُ حَتَّى يَخْرُجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم". انتهى

    وسيأتي ما يتعلق بسنة الفجر في موضعه إن شاء الله.

     

     

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم