صحيح البخاري الحديث (628)

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • بَابُ مَنْ قَالَ: لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ

     (بَابُ) ذكرِ حجةِ (مَنْ قَالَ) من أهل العلم (لِيُؤَذِّنْ فِي السَّفَرِ مُؤَذِّنٌ وَاحِدٌ).

    اختلف العلماء في مراد البخاري بهذه الترجمة، فقال ابن المنير: «وَفَائِدَة التَّرْجَمَة التَّنْبِيه على أَن وَاحِدًا من الْمُسَافِرين يَكْفِي أَذَانه دون بَقِيَّة الرّفْقَة، لِئَلَّا يتخيل أَنه لَا يَكْفِي الْأَذَان إِلَّا من جَمِيعهم، وَقد قَالَ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور، فِي التَّرْجَمَة الثَّانِيَة بعد هَذِه، إِنَّه قَالَ للرفيقين: " أذنا وأقيما "، فَبين بِهَذِهِ التَّرْجَمَة أَن التَّعَدُّد لَيْسَ شرطا». انتهى

    وقال غيره: مراده: أن المسافرين لا يشرع لهم تكرير الأذان وإعادته مرتين في الفجر ولا في غيره". انتهى

    628 - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ، أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا، قَالَ: «ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ».

    (حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ) العَمّي، أبو الهيثم البصري.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) بن خالد بن عجلان الباهلي مولاهم.

    (عَنْ أَيُّوبَ) ابن أبي تميمة السختياني.

    (عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ) عبد الله بن زيد الجرمي.

    (عَنْ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ) أبو سليمان الليثي رضي الله عنه. صحابي، نزل البصرة، ومات سنة أربع وسبعين. روى له الجماعة.

    قال: (أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفَرٍ) عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة (مِنْ قَوْمِي) هم بنوا ليث بن بكر، قال ابن عبد البر في نسب مالك: "ولم يختلفوا أنَّه لَيثِيٌّ مِن بني ليثِ بنِ بكرِ بنِ عبدِ مَنَاةَ». انتهى (فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ) أي عند النبي صلى الله عليه وسلم (عِشْرِينَ لَيْلَةً) بأيامها ففي رواية: "عشرين يومًا وليلة" (وَكَانَ) صلى الله عليه وسلم (رَحِيمًا رَفِيقًا) من الرفق، ضد الشدة، وفي رواية: "رقيقًا" من الرِّقَّةِ، ضد الغلظة والقسوة، أي: رقيق القلب، هذه من صفاته الطيبة التي ينبغي أن نتبعه عليها ونتخلق بها.

    (فَلَمَّا رَأَى) عليه الصلاة والسلام (شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا، قَالَ: «ارْجِعُوا) إلى أهليكم (فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَصَلُّوا) في سفركم وحضركم كما رأيتموني أصلي (فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ) المكتوبة، أي حان وقتُها (فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ) ظاهره أن ذلك بعد وصولهم إلى أهليهم، لكن الرواية الآتية: "إذا أنتما خرجتما فأذّنا.." تدل على شمول السفر، وهو محل الشاهد من الحديث (وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ) في السن.

    وإنما قدّمه- وإن كان الأحفظ والأفقه مقدمًا عليه-؛ لأنهم استووا في ذلك، لأنهم مكثوا عنده عشرين ليلة، فاستووا في الأخذ عنه عادة، فلم يبق ما يقدم به إلا السن.

    قال ابن بطال: «هكذا روى هذا الحديث وهيب، عن أيوب: "وصلوا"، ورواه عبد الوهاب، عن أيوب في كتاب خبر الواحد: "وصلوا كما رأيتموني أصلي"، وقصر وهيب في هذه الزيادة، وبها يتم الحديث.

    والمؤذن الواحد يجزئ في السفر والحضر.

    وقد اختلفت الآثار، كم كان يؤذن للنبي، فروى عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان لرسول الله مؤذنان: ابنُ أم مكتوم، وبلال.

    وقال السائب ابن أخت نَمر: ما كان للنبي عليه السلام، إلا مؤذنٌ واحد يؤذن إذا قعد على المنبر، ويقيم إذا نزل، ثم أبو بكر، ثم عمر كذلك، حتى كان عثمانُ وفشا الناسُ وكثروا، زاد النداءَ الثالث عند الزوراء.

    قال المهلب: وإنما اشترط السن في الإمامة لعلمه عليه السلام، باستوائهم في القراءة والفقه، فطلب الكمال بالسن وسيأتي الكلام في هذا المعنى في بابه، إن شاء الله». انتهى

    وقال ابن الملقن: «إن قلت: ما وجه هذِه الترجمة؟ وظاهر الحديث أنه عليه السلام إنما بيَّن لهم حالهم إذا وصلوا إلى أهلهم لا في السفر؛ حيث قال: "فإذا حضرت الصلاة -يعني: فيهم- فليؤذن لكم أحدكم".

    فالجواب أنه ليس الكلام قاصرًا على ذلك، بل عامًّا في أحوالهم منذ خروجهم مِن عندِهُ.

    وفائدة الترجمة أن أذان الواحد يكفي عن الجماعة لئلا يُتخيل أنه لا يكفي إلا من جميعهم، وقد قال في الحديث الآخر للرفيقين "أذنا وأقيما"، فبيّن هنا أن التعدد ليس شرطًا". انتهى

    الحديث متفق عليه.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم