إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابٌ: هَلْ يَتَتَبَّعُ المُؤَذِّنُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا؟ وَهَلْ يَلْتَفِتُ فِي الأَذَانِ؟
وَيُذْكَرُ عَنْ بِلاَلٍ: «أَنَّهُ جَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ».
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ: «لاَ يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ».
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «لاَ بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ».
وَقَالَ عَطَاءٌ: «الوُضُوءُ حَقٌّ وَسُنَّةٌ».
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ».
ذكر في هذا الباب ثلاث مسائل:
وهذا ثابت في الحديث المذكور، وسنة مستحبة إذا كان الأذان على المنارة، وأما إذا كان بالمكبرات والمؤذن داخل المسجد فالظاهر لي أنه لا داعي له؛ لأن الالتفات هذا لإبلاغ الصوت عن اليمين والشمال، والحكم يدور مع علته، وتكفي غلبة الظن لمعرفة العلة، وبالمكبرات يحصل الإبلاغ بغير الالتفات. هذا اختيار ابن باز وابن عثيمين وهو الصحيح خلافا للألباني رحمهم الله جميعًا.
أما كيفية ذلك فقال ابن عثيمين رحمه الله:
«قيل: إنه يلتفت يميناً لـ (حي على الصلاة) في المرتين جميعاً، وشمالاً لـ (حي على الفلاح) للمرتين جميعاً.
وقال بعضهم: يلتفت يميناً لـ (حي على الصلاة) في المرة الأولى، وشمالاً للمرة الثانية، و (حي على الفلاح) يميناً للمرة الأولى وشمالاً للمرة الثانية ليعطي كل جهة حظها من (حي على الصلاة) و (حي على الفلاح) ، ولكن المشهور وهو ظاهر السنة أنه يلتفت يميناً لـ (حي على الصلاة) في المرتين جميعاً وشمالاً لـ (حي على الفلاح) في المرتين جميعاً، ولكن يلتفت في كل الجملة وما يفعل بعض المؤذنين أنه يقول: حي على ثم يلتفت لا أصل له». انتهى
قال ابن باز: «حي على الصلاة على اليمين، وحي على الفلاح على الشمال». انتهى
هذا لا يصح فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، فليس سنة على الصحيح.
هذه الخلاصة وستأتي أقوال العلماء فيها.
(بابٌ هَلْ يَتَتَبَّعُ الْمُؤَذِّنُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا) أي جهتي اليمين والشمال.
قال الشراح: "قال الجوهري: تتبعت الشيء تطلبته تبعًا إياه، والمعنى هنا: أن المؤذن يجعل فاه في: "حي على الصلاة وحي على الفلاح" يمينًا وشمالًا، ويلوي عنقه معه كأنه يتطلب فاه». انتهى
(وَهَلْ يَلْتَفِتُ) المؤذن برأسه (فِي الأَذَانِ؟) يمينًا وشمالاً، أي في الحيعلتين.
قالوا كأنه تفسير لما تقدم، فمعنى تتبع فاه: الالتفات برأسه عند قوله حي على الصلاة حي على الفلاح يمينا وشمالا.
قال العلماء ذكرها بلفظ الاستفهام لاختلاف العلماء فيها.
(وَيُذْكَرُ) ذكره بصيغة التمريض لأنه ضعيف (عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ جَعَلَ) أنملتي (إِصْبَعَيْهِ) السبابتين (فِي) صماخي (أُذُنَيْهِ) أي في ثقبيهما.
قال الشراح في تعليله: ليعينه ذلك على زيادة رفع صوته، أو ليكون علامة للمؤذن ليعرف مَن يراه على بعد، أو كان به صمم أنه يؤذن.
أخرجه الترمذي وابن ماجه وغيرهما في حديث عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ المخرج في هذا الباب قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِالْأَبْطَحِ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ، فَخَرَجَ بِلَالٌ فَأَذَّنَ، فَاسْتَدَارَ فِي أَذَانِهِ، وَجَعَلَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْه».
ولفظ الترمذي: «قال: رأيتُ بلالًا يُؤَذِّنُ ويَدُورُ، ويُتْبِعُ فاهُ ها هنا وها هنا، وإصْبَعَاهُ في أُذُنَيْهِ».
وهي زيادة شاذة، الكلام فيها يطول.
قال الإمام أحمد: عندما سئل عن إدخال إصبعيه في الأذن.
قال: ليس هذا في الحديث.
قال ابن رجب: "هذا يدل على أن حديث أبي جحيفة غير محفوظ".
وقال: «ورواه عبد الرزاق، عن سفيان، ولفظ حديثه: عن أبي جحيفة، قال: رأيت بلالاً يؤذن ويدور ويتتبع فاه هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في اذنيه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة له حمراء.." وذكر بقية الحديث.
خرجه الإمام أحمد عن عبد الرزاق.
وخرجه من طريقه الترمذي، وقال: حسن صحيح.
وخرجه البيهقي، وصححه - أيضًا.
وهذا هو الذي علقه البخاري هاهنا بقوله: "ويذكر عن بلال، أنه جعل إصبعيه في أذنيه".
وقال البيهقي: لفظة الاستدارة في حديث سفيان مدرجة، وسفيان إنما روى هذه اللفظة، في "الجامع" – رواية العدني، عنه - عن رجل لم يسمه، عن عون.
قال: وروي عن حماد بن سلمة، عن عون بن أبي جحيفة - مرسلاً، لم يقل: "عن أبيه". والله أعلم.
قلت: وكذا روى وكيع في "كتابه" عن سفيان، عن عون، عن أبيه، قال: أتينا النبي صلى الله عليه وسلم، فقام بلال فأذن، فجعل يقول في أذانه، يَحرِف رأسه يميناً وشمالاً.
وروى وكيع، عن سفيان، عن رجل، عن أبي جحيفة، أن بلالاً كان يجعل إصبعيه في أذنيه.
فرواية وكيع، عن سفيان تُعلَّلُ بها روايةُ عبد الرزاق عنه.
ولهذا لم يخرجها البخاري مسندة، ولم يخرجها مسلم - أيضا -، وعلقها البخاري بصيغة التمريض، وهذا من دقة نظره ومبالغته في البحث عن العلل والتنقيب عنها رضي الله عنه». انتهى
ثم ذكر بقية طرقه وذكر عللها.
قال ابن حجر: «وَرَوَاهُ جمَاعَة عَن سُفْيَان لم يذكرُوا هَذِه الزِّيَادَة "فِي الاستدارة وَجعل الإصبعين فِي الْأُذُنَيْنِ" لَكِن رَوَاهُ بعض أَصْحَاب سُفْيَان عَن سُفْيَان ففصل هَذِه اللَّفْظَة". وذكر الروايات.
وخرج البيهقي في سننه شواهدها وكذلك فعل ابن حجر في التغليق، ولا يصح منها شيء.
(وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ) بن الخطاب (لَا يَجْعَلُ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ) المراد بالإصبع كالسابقة الأنملة، فهو من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء.
أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق في المصنف بإسناد صحيح.
قال القسطلاني: "وعبر في الأول بقوله: ويذكر بالتمريض، وفي الثاني بالجزم، ليفيد أن ميله إلى عدم جعل إصبعيه في أُذنيه، فللَّه درّه من إمام ما أدق نظره".
(وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ) النخعي: (لَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذِّنَ) المؤذن وهو (عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ).
أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور بإسناد صحيح.
(وَقَالَ عَطَاءٌ) بن أبي رباح: (الْوُضُوءُ) للأذان (حَقٌّ) ثابت في الشرع (وَسُنَّةٌ) أخرجه سعيد بن منصور وعبد الرزاق بإسناد صحيح.
(وَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) سواء كان على وضوء أو لم يكن، وسواء كان جنبًا أو لم يكن.
أخرجه مسلم، وهو يؤيد ما قاله النخعي، فالظاهر أن البخاري يرجح قوله.
634 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّهُ رَأَى بِلاَلًا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ».
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) الفريابي.
(قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) الثوري (عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ، عَنْ أَبِيهِ، «أَنَّهُ رَأَى بِلاَلًا يُؤَذِّنُ فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَهُنَا بِالأَذَانِ) أي في الأذان.
يعني الذي يتتبع أبو جحيفة؛ لأن بلالا يحرك رأسه ويتجه بفمه يمينا وشمالا عند قوله حي على الصلاة حي على الفلاح، فهو يتتبعه في النظر إليه.
ولمسلم: "فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يمينًا وشمالاً، يقول: حي على الصلاة حيّ على الفلاح".
ففيه تقييد الالتفات في الأذان، وأن محله عند الحيعلتين، أي من غير تحويل صدره عن القبلة، وقدميه عن مكانهما فهذا معنى الاستدارة، وأن يكون الالتفات يمينًا في الأولى وشمالاً في الثانية، وفائدته تعميم الناس بالإسماع.
قال في المدوّنة وأنكر مالك دورانه لغير الإسماع.
قال ابن بطَّال: "إنما يتبع المؤذن فاه هاهنا وهاهنا، ليعمَّ الناس باستماعه، وأمَّا إدخاله أصبعيه في أذنيه؛ فذلك ليتقَوَّى على تأدية صوته وإسماعه الناس، وهذا كله مباح عند العلماء، فما كان أندى لصوته، كان له فعله".
وقال ابن رجب: " «وقد ذكر البخاري في هذا الباب ثلاث مسائل:
الأولى: الالتفاتُ في الأذان يميناً وشمالاً.
والسنة عند جمهور العلماء أن يُؤذن مستقبلَ القبلة، ويُديرُ وجهه في قول: "حي على الصلاة، حي على الفلاح" يميناً وشمالاً.
وأنكر ابن سيرين الالتفات، حكاه ابن المنذر وابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن سيرين: أنه إذا أذن المؤذنُ استقبل القبلة، وكان يكره أن يستدير في المنارة.
وروى وكيع، عن الربيع، عن ابن سيرين، قال: "المؤذن لا يزيل قدميه".
وكأن الروايتين لا تصرحان بكراهة لوي العنق.
وكذلك مالك.
وفي "تهذيب المدونة": ولا يدور في أذانه، ولا يلتفت، وليس هذا من الأذان، إلا أن يريد بالتفاته أن يُسمع الناسَ فيؤذنُ كيف تيسر عليه.
قال: ورأيت المؤذنين بالمدينة يتوجهون القبلةَ في أذانهم، ويقيمون عرضاً، وذلك واسع يصنع كيف شاء. انتهى.
وفي حديث عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في منامه أنه رأى الذي علمه النداءَ في نومه، قامَ فاستقبل القبلة فأذن.
خرجه أبو داود من حديث معاذ.
والذين رأوا الالتفات، قال أكثرهم: يلتفت بوجهه، ولا يلوي عُنقه، ولا يزيل قدميه، وهو قول الثوريِّ، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه، وأبي ثور، وحكاه ابن المنذر عن أبي حنيفة وأصحابه.
وحكي - أيضًا - عن الحسن والنخعي والليث بن سعد.
وقال: "وقالت طائفة: إن كان في منارة ونحوها دار في جوانبها؛ لأنه أبلغ في الإعلام والإسماع، وهو رواية عن أحمد وإسحاق، وظاهر فيه مالك إذا أراد الإعلام.
وروي عن الحسن أنه يدور.
وظاهرُ كلام أصحابنا اختصاصُ الالتفات بالأذان.
وللشافعية في الالتفات في الإقامة وجهان".
لا يصح دليل في الالتفات في الإقامة
وقال: "المسألة الثانية: جَعلُ الأصبعين في الأذنين.
وقد حكى عن ابن عمر، أنه كان لا يفعل ذلك.
وظاهر كلام البخاري يدل على أنه غير مستحب؛ لأنه حكى تركه عن ابن عمر.
وأما الحديث المرفوع فيه فعلقه بغير صيغة الجزم، فكأنه لم يثبت عنده.
وذكر ابن رجب مذهب ابن سيرين وابن عمر.
وقال: وأكثر العلماء على أن ذلك مستحب.
قال الترمذي في "جامعه": العمل عند أهل العلم على ذلك، يُستحبُّ أن يُدخلَ المؤذن إصبعيه في أذنيه في الأذان.
وقال بعض أهل العلم: وفي الإقامة – أيضًا، وهو قول الأوزاعي. انتهى.
وقال إسحاق كقول الأوزاعي.
ومذهب مالك: إن شاء جعل أصبعيه في أذانه وإقامَتهِ، وإن شاء ترك. ذكره في "التهذيب".
وظاهر هذا: يقتضي أنه ليس بسنة.
وقد سهل أحمد في تركه، وفي جعل الأصبعين في إحدى الأذنين".
لا يصح دليل في جعل الأصبعين في الأذنين في الأذان ولا في الإقامة.
وقال: المسألة الثالثة: الأذان على غير وضوء.
حكى البخاري عن عطاء، أنه قال: الوضوء حق وسنة - يعني في الأذان -، وعن النخعي، أنه قال: لا بأس أن يؤذن على غير وضوء.
ورجح قوله بقول عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه.
وقد خرجه مسلم من حديث البهي، عن عروة، عن عائشة.
وممن قال بالكراهة: مجاهد والأوزاعي والشافعي وإسحاق.
وممن ذهب إلى الرخصة: الحسنُ والنخعي وقتادة وحماد ومالك وسفيان وابن المبارك.
ورخص أحمد في الأذان على غير وضوء، دون الإقامة.
وكذا قال الحسن وقتادة ومالك.
وقال الأوزاعي: إن أحدث في أذانه أتمه، وإن أحدث في إقامته - وكان وحده - قطعها.
واستحب الشافعي لمن أحدث في أذانه أن يتطهر، ويبنى على ما مضى منه.
قال إسحاق: لم يختلفوا في الإقامة أنها أشد.
وقال الزهري: قال أبو هريرة: لا يُنادي بالصلاة إلا متوضئٌ.
ورواه معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن أبي هريرة؛ مرفوعاً.
خرجه الترمذي من الطريقين، وذكر أن الموقوف أصح. قال: والزهري لم يسمع من أبي هريرة.
وقال: وأما أذان الجنب، فأشد كراهة من أذان المحدث.
واختلفوا: هل يعتد به، أم لا؟
فقال الأكثرون: يعتد به، منهم: سفيان وأبو حنيفة ومالك والأوزاعي وابن المبارك والشافعي وأحمد.
وقال: إسحاق والخِرقي من أصحابنا: لا يعتد به، ويعيده. انتهى باختصار.
لا يشترط الوضوء لا للأذان ولا للإقامة ولا يجب، ويعتد بأذان الجنب ولا يحرم. والله أعلم
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم