صحيح البخاري الحديث (637)

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • بَابٌ: مَتَى يَقُومُ النَّاسُ، إِذَا رَأَوُا الْإِمَامَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ؟

    (بَابٌ: مَتَى يَقُومُ النَّاسُ) الذين في المسجد ينتظرون صلاة الجماعة (إِذَا رَأَوُا الْإِمَامَ عِنْدَ الْإِقَامَةِ) للصلاة؟

    يعني عندنا أمران يحصلان لتقوم إلى الصلاة:

    الأول الإقامة، والثاني رؤية الإمام.

    فمتى تقوم إلى الصلاة وتسوية الصفوف؟

    هذه مسألتنا.

    قال ابن حجر: "قِيلَ: أَوْرَدَ التَّرْجَمَةَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ "لَا تَقُومُوا" نَهْيٌ عَنِ الْقِيَامِ، وَقَوْلُهُ "حَتَّى تَرَوْنِي" تَسْوِيغٌ لِلْقِيَامِ عِنْدَ الرُّؤْيَةِ، وَهُوَ مُطْلَقٌ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِشَيْءٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْإِقَامَةِ، وَمِنْ ثَمَّ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ، كَمَا سَيَأْتِي".

    637 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ، فَلاَ تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي»

    (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيدي.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) الدستوائي (قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ) الحارث بن ربعي رضي الله عنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ) أي: ذكرت ألفاظ الإقامة (فَلاَ تَقُومُوا) إلى الصلاة، هذا نهي عن القيام مع سماع الإقامة (حَتَّى تَرَوْنِي) أي: إلى أن تبصروني في المسجد، فإذا رأيتموني فقوموا. وهذا أمر بالقيامة عند رؤيته.

    قال ابن رجب: «وخرجه البخاري من رواية شيبان، وخرجه مسلم من رواية حجاج ومعمر.

    وفي رواية له من رواية شيبان ومعمر: "حتى تروني قد خرجت".

    وقال أبو داود: لم يذكر: "قد خرجت" إلا معمر.

    وذكر البيهقي: أنها قد رويت عن حجاج – أيضا.

    وخرجها ابن حبان في "صحيحه" من رواية معمر، ولفظه: "حتى تروني قد خرجت إليكم"".

    قلت: هي زيادة شاذة روى الحديث جمع عن يحيى بن أبي كثير لم يذكروها.

    ومعمر وحجاج وشيبان الذين زادوها روي الحديث عنهم بها وبدونها.

    قال ابن رجب: "وهذه اللفظة: يُستدَلُّ بها على مراده صلى الله عليه وسلم برؤيته: أن يخرج من بيته، فيراه من كان عند باب المسجد، ليس المراد: يراه كل من كان في المسجد.

    وهذا كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تصوموا حتى تروا الهلال"، ومعلوم أنه لو رآه واحد أو اثنان لا كتفي برؤيتهما، وصام الناس كلهم". انتهى المراد.

    فظاهر هذا الحديث أن القيام إلى الصلاة لا يكون عند الإقامة وحدها، بل لابد من رؤية الإمام يخرج من بيته إلى الصلاة مع الإقامة أيضاً، أو يكون في المسجد.

    وبه قال بعض أهل العلم.

    واختلفوا العلماء في هذا لاختلاف الأدلة.

    قال الترمذي: "وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ أَنْ يَنْتَظِرَ النَّاسُ الإِمَامَ وَهُمْ قِيَامٌ».

    وقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا كَانَ الإِمَامُ فِي المَسْجِدِ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَإِنَّمَا يَقُومُونَ إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: "قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ"، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ المُبَارَكِ". انتهى

    ونقل ابن عبد البر أقوالا عن السلف في هذا، منها:

    «قال أبو حنيفة وأصحابه إذا لم يكن الإمام معهم في المسجد فإنهم لا يقومون حتى يروا الإمام.

    وهو قول الشافعي وداود، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا كان الإمام معهم في المسجد فإنهم يقومون في الصف إذا قال المؤذن حي على الفلاح.

    وقال الشافعي وأصحابه وداود: البدار في القيام إلى الصلاة أولى في أخذ المؤذن في الإقامة؛ لأنه بدار إلى فعل بر، وليس في شيء من ذلك شيء محدود عندهم.

    وحجتهم حديث أبي قتادة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني»

    «وقال الأثرم قلت لأحمد بن حنبل في حديث أبي قتادة عن النبي عليه السلام "إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" أتذهب إليه؟

    قال: أنا أذهب إلى حديث أبي هريرة: قال: خرج علينا رسول الله وقد أقمنا الصفوف، فأقبل يمشي حتى أتى مقامَه.. فذكر أنه لم يغتسل

    إسناده جيد ورواه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، ولا أدفع حديث أبي قتادة». انتهى

    حديث أبي هريرة المعارض في ظاهره لحديث أبي قتادة سيأتي، ولفظ مسلم فيه: «أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقُمْنَا فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَتَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ، ذَكَرَ فَانْصَرَفَ، وَقَالَ لَنَا: مَكَانَكُمْ فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا وَقَدِ اغْتَسَلَ يَنْطُِفُ رَأْسُهُ مَاءً، فَكَبَّرَ فَصَلَّى بِنَا».

    قال ابن رجب: «وقد اختلف العلماء في الوقت الذي يقوم فيه الناس للصلاة.

    فقال طائفة: يقومون إذا فرغ المؤذن من الإقامة، سواء خرج الإمام أو لم يخرج.

    وحكى ذلك بعض الشافعية عن أبي حنيفة والشافعي.

    ورجح بعض متأخري الشافعية أنهم لا يقومون حتى يروه؛ لحديث أبي قتادة.

    وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة، أنه إذا لم يكن الإمام معهم كُرِه أن يقوموا في الصف والإمامُ غائب عنهم.

    وممن روي عنه، أنهم لا يقومون حتى يروا الإمام: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب. خرجه وكيع عنهما.

    واختلفت الرواية عن أحمد في هذه المسألة:

    فروي عن جماعة من أصحابه، أنهم لا يقومون حتى يروه؛ لحديث أبي قتادة، ولو علموا به، مثلُ أن يكون الإمام هو المؤذن، وقد أقام الصلاة في المنارة وهو نازل.

    وروى عنه الأثرم وغيره: أنهم يقومون قبل أن يروه إذا أقيمت الصلاة؛ لحديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم.

    وروى عنه المروذي وغيره: أنه وسع العمل بالحديثين جميعاً، فإن شاءوا قاموا قبل أن يروه، وإن شاءوا لم يقوموا حتى يروه.

    ورجح بعض أصحابنا الرواية الأولى؛ لحديث أبي قتادة، وادعى أنه ناسخ لحديث أبي هريرة؛ فإنه يدل على أن فعلهم لذلك كان سابقا، ثم نهي عنه.

    وكذا ذكر البيهقي، لكن قال: إنما نُهي عنه تخفيفاً عليهم، ورفقاً بهم، وهذا لا يمنع العمل به كالصائم في السفر ونحوه.

    وروي عن أبي خالد الوالبي، قال: خرج إلينا علي بن أبي طالب ونحن قيام، فقال: "مالي أراكم سامدين" يعني: قياماً.

    وسئل النخعي: أينتظرون الإمام قياما أو قعوداً؟ قال: قعوداً.

    وقال ابن بريدة في انتظارهم قياماً: هو السُّمُود.

    وكذا روي عن النخعي، أنه كرهه، وقال: هو السُّمُود.

    وحكي مثله عن أبي حنيفة وإسحاق.

    قال بعض أصحابنا: وروي عن أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي، وداود، أنه إن كان الإمام خارجاً من المسجد فلا تقوموا حتى تروه، وإن كان في المسجد فهو كالمشاهد؛ حملا للرؤية في الحديث على العمل، وكذا قال ابن بطة من أصحابنا.

    وإن كان الإمام في المسجد، فهو مرئي للمصلين أو بعضِهم، لكن هل يُكتفى برؤيته قاعداً، أو لا بد من رؤيته قائماً متهيأ للصلاة؟ هذا محل نظر.

    والمنصوص عن أحمد، أنه إذا كان في المسجد فإن المأمومين يقومون إذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة"، وإن لم يقم الإمام.

    والقيام للصلاة عند الإقامة متفق على استحبابه للإمام، إذا كان حاضراً في المسجد، وللمأمومين معه.

    واختلفوا في موضع القيام من الإقامة على أقوال:

    أحدها: أنهم يقومون في ابتداء الإقامة، روي عن كثير من التابعين، منهم: عمر بن عبد العزيز. وحكاه ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، وهو غريب عن أحمد.

    والثاني: إذا قال: "قد قامت الصلاة"، روي عن أنس بن مالك، والحسن بن علي، وعطاء، والحسن، وابن سيرين، والنخعي، وهو قول ابن المبارك، وزفر، وأحمد، وإسحاق.

    والثالث: إذا قال: "حي على الفلاح"، وحكي عن أبي حنيفة، ومحمد.

    والرابع: إذا فرغت الإقامة، وحكي عن مالك، والشافعي.

    وحكى ابن المنذر عن مالك، أنه لم يوقت في ذلك شيئاً.

    وقال الماوردي - من الشافعية -: إن كان شيخاً بطيء النهضة قام عند قوله: "قد قامت الصلاة"، وإن كان سريع النهضة قام بعد الفراغ؛ ليستووا قياما في وقت واحد.

    فإن تأخر قيام الإمام عن فراغ الإقامة لعذر كما كان النبي صلى الله عليه وسلم أحيانا يناجي بعض أصحابه طويلا، فهل يتأخر قيامُ المأمومين إلى حين قيامه؟ الأظهر: نعم.

    ويدل عليه ما خرجه البخاري - وسيأتي قريباً عن شاء الله -، عن أنس، قال: أقيمت الصلاة والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلا في جانب المسجد، فما قام إلى الصلاة حتى نام القوم.

    ونومهم يدل على أنهم كانوا جلوسا؛ إذ لو كانوا قياما ينتظرون الصلاة كان أبعد لنومهم". انتهى

    الحديث متفق عليه

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم