إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ
(بابُ فَضْلِ التَّهْجيرِ) أي: التبكير، وهو المبادرة في أول الوقت (إلى) صلاة (الظُّهْرِ).
أي فضيلة ذلك والأجر الذي يحصل عليه فاعله.
وفي رواية لابن عساكر "إلى الصلاة"؛ وهي أعمّ وأشمل.
قال ابن حجر: "قَوْلُهُ: (بَابُ فَضْلِ التَّهْجِيرِ إِلَى الظُّهْرِ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنِ التِّينِ وَغَيْرِهُ، وَفِي بَعْضِهَا: "إِلَى الصَّلَاةِ"، وَعَلَيْهِ شَرْحُ ابْنُ بَطَّالٍ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي بَابِ الِاسْتِهَامِ فِي الْأَذَانِ". انتهى
وقال ابن بطَّال: "والتهجير: السير في الهاجرة؛ وهي شدة الحر، ويدخل في معنى التهجير: المسارعة إلى الصلوات كلها قبل دخول أوقاتها؛ ليحصل له فضل الانتظار قبل الصلاة". انتهى
652 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ».
653 - ثُمَّ قَالَ: " الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ، وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ "
وَقَالَ: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لاَسْتَهَمُوا عَلَيْهِ
654 - وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا».
هذه ثلاثة أحاديث بإسناد واحد.
(حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد (عَنْ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بن الحارث بن المغيرة (عَنْ أَبِي صَالِحٍ) ذكوان (السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ) هو: ما تشعّب من ساق الشجر، دِقاقها، وغِلاظها (عَلَى الطَّرِيقِ، فَأَخَّرَهُ) عنِ الطريق أي أبعده عن طريق الناس حتى لا يؤذي أحدا (فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ) ذلك؛ أي أثنى عليه، وجازاه (فَغَفَرَ لَهُ) ذنوبه.
قال النوويّ رحمه الله: وفيه فضيلة إماطة الأذى عن الطريق، وهو كلُّ مُؤْذٍ، وهذه الإماطة أدنى شُعَب الإيمان، كما سبق الحديث في ذلك في "كتاب الإيمان"". انتهى
وسيأتي هذا الحديث.
(ثُمَّ قَالَ) عليه الصلاة والسلام: (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ) أي الذي يموت في مرض الطاعون (وَالمَبْطُونُ) الذي يموت بداء البطن (وَالغَرِيقُ) هو الذي يموت غَرَقًا في الماء (وَصَاحِبُ الهَدْمِ) أي الذي مات تحت الهدم، كالذي ينهدم عليه البيت (وَالشَّهِيدُ) المقتول (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الذي مات في الجهاد، في معركة لإعلاء كلمة لا إله إلا الله.
هذا الأخير هو فقط الذي لا يغسل ولا يكفن لا يصلى عليه، ويبعث بدمه ويشفع شفاعة الشهداء كرامة له.
وأما الباقي فلا، لهم أجر الشهيد فقط.
وقال النوويّ رحمه الله: وفي رواية مالك في "الموطأ" من حديث جابر بن عَتِيك: "الشهداء سبعة، سوى القتل في سبيل الله - فذكر - المطعون، والمبطون، والغَرِق، وصاحب الهدم، وصاحب ذات الجَنْب، والحَرِق، والمرأة تموت بجُمع"، وفي رواية لمسلم: "مَن قُتِل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد"، وهذا الحديث الذي رواه مالك صحيح بلا خلاف، وإن كان البخاريّ ومسلم لم يُخْرجاه.
ثم ذكر معاني الخمسة التي تقدّمت، ثم قال: وصاحب ذات الجَنْب معروف، وهي قُرْحة تكون في الجنب باطنًا، والحريق الذي يموت بحريق النار، وأما المرأة تموت بِجُمْع، فهو بضم الجيم، وفتحها، وكسرها، والضم أشهر، قيل: التي تموت حاملًا جامعةً ولدها في بطنها، وقيل: هي البكر، والصحيح الأول».
وقال: «قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلِّهم غير المقتول في سبيل الله: أنهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء، وأما في الدنيا فيُغْسَلون، ويُصَلَّى عليهم، وقد سبق في "كتاب الإيمان" بيان هذا، وأن الشهداء ثلاثة أقسام: شهيد في الدنيا والآخرة، وهو المقتول في حرب الكفار، وشهيد في الآخرة دون أحكام الدنيا، وهم هؤلاء المذكورون هنا، وشهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو مَن غَلَّ في الغنيمة، أو قُتل مُدْبِرًا". انتهى
وسيأتي هذا أيضا.
وَقَالَ) عليه الصلاة والسلام (لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ) الأذان (وَالصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا لاَسْتَهَمُوا عَلَيْهِ) أي إلا أن يقترعوا عليه لاقترعوا.
(وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ) التبكير لصلاة الظهر، والهاجرة نصف النهار (لاَسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي العَتَمَةِ) العشاء في المسجد (وَالصُّبْحِ) من الأجر (لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا») زحفا.
تقدم هذا الحديث في باب الاستهام في الأذان رقم 615
ومحل الشاهد فيه.
قال ابن رجب: "والكلام عَلَى إزالة الشوك من الطريق، وعلى عدد الشهداء يأتي فِي موضعهما إن شاء الله تعالى.
وأما مَا يتعلق بالصلاة من الحَدِيْث، فثلاثة أشياء:
أحدها: ذكر الاستهام عَلَى النداء والصف الأول، وقد سبق الكلام عَلَى ذَلِكَ فِي الأذان.
الثاني: الاستباق إلى التهجير.
والتهجير: التكبير إلى المساجد لصلاة الظهر، والهجير والهاجرة: نصف النهار".
وذكر حديثين. وقال: "وفيه: دليل عَلَى تعجيل الظهر.
والثالث: المبادرة إلى شهود العتمة والصبح، وسيأتي القول فِيهِ فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وفيه: دليل عَلَى جواز تسمية العشاء العتمة، وقد تقدم ذكره". انتهى
قال ابن حجر: "فِي هَذَا الْمَتْنِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ: قِصَّةُ الَّذِي نَحَّى غُصْنَ الشَّوْكِ، وَالشُّهَدَاءُ، وَالتَّرْغِيبُ فِي النِّدَاءِ وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ ذِكْرُ التَّهْجِيرِ".
وقال: "وَكَأنَ قُتَيْبَةُ حَدَّثَ بِهِ عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا مَجْمُوعًا فَلَمْ يَتَصَرَّفْ فِيهِ الْمُصَنِّفُ كَعَادَتِهِ فِي الِاخْتِصَارِ، وَتَكَلَّفَ الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيّرِ إِبْدَاءَ مُنَاسَبَةٍ لِلْأَوَّلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الطَّاعَةَ وَإِنْ قَلَّتْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ، وَاعْتَرَفَ بِعَدَمِ مُنَاسَبَةِ الثَّانِي". انتهى
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم