إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
الحديث الخامس:
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ} [القيامة: 16] قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ - فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ} [القيامة: 17] قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} [القيامة: 18] قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ: {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَأَهُ
(حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) المنقري مولاهم التبوذكي، أبو سلمة البصري، مشهور باسمه وكنيته، ثقة ثبت حافظ، يروي عن أتباع التابعين، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، روى له الجماعة.
(حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح بن عبد الله اليَشكُري، البَزَّاز الواسطي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، وكان كتابه في غاية الإتقان، قال ابن عبد البر: "أجمعوا على أنه ثقة ثبت حجة فيما حدث من كتابه، وكان إذا حدث من حفظه ربما غلط". انتهى، من أتباع التابعين، مات سنة خمس أو ست وسبعين ومائة، روى له الجماعة.
(حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ) الهَمْداني مولاهم، أَبُو الْحَسَنِ الكوفي. هو الذي يذكر عنه أنه قال: " ما أمر الله عباده بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، فإما إلى غلو وإما إلى تقصير".
ثقة عابد، من صغار التابعين، روى له الجماعة.
(حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ) بن هشام الأَسَدِيُّ، الوَالِبِيُّ مولاهم، الكوفي، تابعي من أصحاب ابن عباس، قتله الحجاج صبرًا سنة خمس وتسعين، ثقة ثبت حافظ فقيه عابد، كان ينهى عن مجالسة أهل البدع قال أيوب، قال: قال لي سعيد بن جبير: " ألم أرك مع طلق؟ قال: قلت: بلى، فما له؟ قال: لا تجالسه؛ فإنه مرجئ ". قال أيوب: وما شاورته في ذلك، ولكن يحق للمسلم إذا رأى من أخيه ما يكره أن يأمره وينهاه". انتهى
روى له الجماعة.
قوله: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أبو العباس، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفهم في القرآن، قال: "اللَّهم فَقِّهْهُ في الدِّين وعَلِّمْهُ التَّأويلَ"، فكان يسمى البحر والحبر لسعة علمه، وقال ابن مسعود: "نِعْمَ ترجمان القرآن ابنُ عباس، لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عَاشَرَهُ منا أحد"، يعني: لو كان في السن مثلَنا ما بلغ أحد منا عشر علمه، مات سنة ثمان وستين بالطائف، وهو أحد المكثرين من الصحابة، وأحد العبادلة من فقهاء الصحابة، والعبادلة الأربعة: ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاص، وابن الزبير. روى له الجماعة.
(فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ}} كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه جبريل بالوحي، وشرع في تلاوته عليه، بادره النبي صلى الله عليه وسلم مِن حرصه صلى الله عليه وسلم على حفظه قبل أن يفرغ جبريل، وتلاه مع تلاوة جبريل إياه، فنهاه الله عن هذا، وضمِن له تعالى أنه لا بد أن يحفظه ويقرأه، ويجمعه الله في صدره.
(قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً) المعالجة المحاولة للشيء والمشقة في تحصيله، والتنزيل يعني تنزيل القرآن (وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) يحركهما ليحفظ ما ينزل عليه من القرآن خشية أن ينسى شيئاً منه. وفي رواية عند البخاري وغيره: "وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه" معناه: كثيرًا ما كان يفعل ذلك.
(فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَرِّكُهُمَا، وَقَالَ سَعِيدٌ) بن جبير راويه عن ابن عباس :( أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا، فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {لاَ تُحَرِّكْ بِهِ} أي بالقرآن {لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ؛ قَالَ: جَمْعُهُ لَكَ فِي صَدْرِكَ وَتَقْرَأَهُ) أي ولا تنساه (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ، {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ)
معنى الآيات: أي لا تحرك أيها الرسول بالقرآن لسانك وشفتيك لتأخذه على عجلة مخافة أن يتفلت منك، فإن علينا أن نجمعه لك حتى نثبته في قلبك {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} أي: إذا كمّل جبريل قراءة ما أوحى الله إليك، فحينئذ اتبع ما قرأه واقرأه {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} أي: بيان معانيه، فوعده بحفظ لفظه وحفظ معانيه، وهذا أعلى ما يكون وهو الحاصل والحمد لله مهما حاول أهل الضلال تحريفه فلن يحرف فهو محفوظ لفظاً ومعنى.
قال الشيخ السعدي: (وفي هذه الآية أدب لأخذ العلم، ألا يبادر المتعلم المعلم قبل أن يفرغ من المسألة التي شرع فيها، فإذا فرغ منها سأله عما أشكل عليه، وكذلك إذا كان في أول الكلام ما يوجب الرد أو الاستحسان، ألا يبادر برده أو قبوله، حتى يفرغ من ذلك الكلام، ليتبين ما فيه من حق أو باطل، وليفهمه فهماً يتمكن به من الكلام عليه، وفيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم كما بين للأمة ألفاظ الوحي، فإنه قد بين لهم معانيه) انتهى.
(فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَرَأَهُ) القائل ابن عباس؛ قال: "فكان رسول الله بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع..."؛ أي استمع لقراءة جبريل، (فإذا انطلق) أي: ذهب وانصرف من عنده (قرأه النبي صلى الله عليه وسلم كما قرأه) جبريل.
فامتثل صلى الله عليه وسلم لأدب ربه، فكان إذا تلا عليه جبريل القرآن بعد هذا، أنصت له، فإذا فرغ قرأه.
هذا الحديث صحيح متفق عليه من رواية موسى بن أبي عائشة عن سعيد به، لا إشكال في صحته بحمد الله.
وقد تُبع موسى على بعضه خارج الصحيحين. والله أعلم
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم