إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله
قوله (أَعْلَمُكُمْ)يدل على أن العلم بالله يتفاضل وهو درجات، وأن بعض الناس فيه أفضلُ من بعض، وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يشمل توحيده وشرعه وما يتعلق بذلك، فهذا من الإِيمان، بل هو أصل في الإيمان.
وقوله تعالى {بما كسبت قلوبكم} كَسْب القلب عمله أَيعَزَمْتُمْ وَقَصَدْتُمْ الْيَمِينِ، وَكَسَبَ الْقَلْبُ: الْعَقْدَ وَالنِّيَّةَ، وهذا يدل على أن للقلب عملاً كما أن للجوارح عملاً، هذه الآية بمعنى قوله تعالى {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} قال مجاهد في قوله تعالى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} قال: أن تحلف على الشيء وأنت تعلمه.
لذلك قال البخاري (المَعْرِفَةَ فِعْلُ القَلْبِ)
يعني المعرفة التي معها تصديق من عمل القلب، يعني هي مما في القلب من الإيمان، وهي خصلة من خصال الإيمان وتتفاضل، وقد تقدم هذا.
المعرفةوالتصديق بالله وملائكته وكتبه ورسله، وكلِّما جاء به رسولُه صلى الله عليه وسلم،التي توجبأعمال القلوبمن محبة اللهوالخشيةوالإخلاص ومحبة رسوله، وغيرها من أعمال القلوب، توجبها في القلوب السليمة من أمراضها، هذه المعرفة والتصديق منالإيمان، وكلما زادت زاد الإيمان، وينقص بنقصها، وإذا زالت زال الإيمان.
وهذه الإيمان الباطن.
وأعمال القلوب تستلزم أعمال الجوارح، وأعمال الجوارح الإيمان الظاهر.
وورد في كلام السلف استعمال (المعرفة) بمعنى العلم والتصديق معًا.
ويجعل العلماء المعرفة والتصديق قولَ القلب، وأعمالَ القلوب من المحبة والتعظيم والخشية وغيرها؛ عملَ القلب.
الأشاعرة وهم مرجئة، يقولون الإيمان: التصديق، ولكنهم يدخلون أعمال القلوب في الإيمان.
والجهمية يقولون الإيمان: المعرفة، ولا يدخلون أعمال القلوب في الإيمان.
والجهمية ومن تبعهم مختلفون في التفريق بين المعرفة والتصديق.
الأشاعرة يفرقون بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون المعرفة ضدها الجهل، والتصديق ضده التكذيب.
ويمكن أن يكون المرء عارفاً غيرَ مصدق.
وقال ابن تيمية: "وأيضاً فإن الفرقَ بين معرفةِ القلب وبين مجردِ تصديق القلب الخالي عن الانقياد -الذي يُجعل قولُ القلب- أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه.
وقال: "وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون: إن ما قاله ابن كلاب والأشعري من الفرق كلام باطل لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق".
وقال: "ولهذا قالوا: إن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بقلبه خبر بخلاف علمه؛ وإنما يمكنه أن يقول ذلك بلسانه، وأما أنه يقوم بقلبه خبر بخلاف ما يعلمه فهذا غير ممكن". والله أعلم
فعلى هذا قول الجهمية الإيمان المعرفة يدخل فيه التصديق.
والخلاصة أن البخاريَّ أراد أن يثبت أن القلب له عمل، والعلم من عمله، والعلم يتفاضل. والله أعلم
والقلب فيه إيمانُالعلم والتصديقِ وأعمالِ القلوب، عند أهل السنة، كما تقدم.
هذه كلها من الإيمان، وهي قول القلب وعمله.
وخالف في المعرفة وأنها من الإيمان مرجئة الكراميةأَتْبَاعُ مُحَمَّدِ بْنِ كَرَّامٍ، أَبِي عَبْدِ اللَّهِ السِّجِسْتَانِيِّ الْمُتَوَفَّى فِي الْقُدْسِ سَنَةَ 255
فقالوا الإيمان الكلمة، فمن نطق بالشهادتين فقد آمن، فالمنافقون مؤمنون عندهم.
قال أبو الحسن الأشعري وهو يذكر فرق المرجئة: والفرقةُ الثانيةَ عشرةَ من المرجئة: الكرامية، أصحاب محمد بن كرام، يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان، دون القلب، وأنكروا أنتكون معرفةُ القلبِ أو شيءٌ غيرَ التصديق باللسان إيماناً، وزعموا أن المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين على الحقيقة، وزعموا أن الكفر بالله هو الجحود والإنكار له باللسان". انتهى
وقال ابن تيمية: والقول الثاني -أي من أقوال المرجئة-: من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا لا يعرف لأحد قبل الكرامية.
وقال: "وأحمد ذكر أنه لا بد من المعرفة والتصديق مع الإقرار، وقال: إن من جحد المعرفة والتصديق فقد قال قولاً عظيماً؛ فإن فساد هذا القول معلوم من دين الإسلام، ولهذا لم يذهب إليه أحد قبل الكرامية، مع أن الكرامية لا تُنكر وجوبَ المعرفة والتصديق، ولكن تقول: لا يدخل في اسم الإيمان حذراً من تبعضه وتعدده؛ لأنهم رأوا أنه لا يمكن أن يذهب بعضه ويبقى بعضه".
وقال: "حتى الكرامية الذين يسمون المنافق مؤمناً، ويقولون: الإيمان هو الكلمة، يقولون: إنه لا ينفع في الآخرة إلا الإيمان الباطن.
وقد حكى بعضهم عنهم أنهم يجعلون المنافقين من أهل الجنة، وهو غلط عليهم؛ إنما نازعوا في الاسم لا في الحكم بسبب شبهة المرجئة في أن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل".
وقال: "والكرامية " توافق المرجئة والجهمية في أن إيمان الناس كلِّهم سواء، ولا يستثنون في الإيمان؛ بل يقولون: هو مؤمن حقاً، لمن أظهر الإيمان، وإذا كان منافقاً فهو مخلد في النار عندهم؛ فإنه إنما يدخل الجنة من آمن باطناً وظاهرا، ومن حكى عنهم أنهم يقولون: المنافق يدخل الجنة، فقد كذب عليهم، بل يقولون: المنافق مؤمن؛ لأن الإيمان هو القول الظاهر كما يسميه غيرهم مسلماً؛ إذ الإسلام: هو الاستسلام الظاهر، ولا ريب أن قول الجهمية أفسد من قولهم من وجوه متعددة شرعاً ولغة وعقلاً.
وإذا قيل: قول الكرامية قول خارج عن إجماع المسلمين قيل: وقول جهم في الإيمان قول خارج عن إجماع المسلمين قبله، بل السلف كفروا من يقول بقول جهم في الإيمان". انتهى
وقول جهم ذكره أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين، قال:
فالفرقة الأولى منهم -أي من المرجئة- يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفةُ بالله وبِرُسُلِه وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفةِ من الإقرار باللسان، والخضوع بالقلب، والمحبة لله ولرسوله، والتعظيم لهما والخوف منهما، والعمل بالجوارح؛ فليس بإيمان.
وزعموا أن الكفر بالله هو الجهلُ به، وهذا قول يُحكى عن جهم بن صفوان.
وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح. انتهى
وقال ابن تيمية: "وهؤلاء المعروفون مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما من فقهاء الكوفة كانوا يجعلون قول اللسان؛ واعتقاد القلب من الإيمان؛ وهو قول أبي محمد بن كلاب وأمثاله لم يختلف قولهم في ذلك ولا نقل عنهم أنهم قالوا الإيمان مجرد تصديق القلب. لكن هذا القول حكوه عن " الجهم بن صفوان "، ذكروا أنه قال: الإيمان مجرد معرفة القلب، وإن لم يقر بلسانه.
واشتد نكيرهم لذلك حتى أطلق وكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وغيرهما كفر من قال ذلك؛ فإنه من أقوال الجهمية". انتهى
بهذا نكون عرفنا قول الكرامية وقول الجهمية في الإيمان.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلاَمٍ) بتخفيف اللام روي ذلك عنه، ابن الفرج السُّلميُّ مولاهم، أَبُو عبد اللَّه البخاري البِيكندِيُّ،من كبار المحدثين، وله حديث كثير، ورِحلة، وله مصنفاتٌ في كل باب من العلم. ثقة حافظ. يروي عن أتباع التابعين، مات سنة خمس وعشرين ومائتين. روى له البخاري فقط من أصحاب الكتب الستة.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ) ابن سليمان الكِلابي، أبو محمد الكوفي يقال اسمه عبد الرحمن وعبدة لقب،قال أحمد ثقة ثقة وزيادة، وقال ابن حبان: مستقيم الحديث جداً، من أتباع التابعين، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل بعدها،روى له الجماعة.
(عَنْ هِشَامٍ) بن عروة بن الزبير، ثقة حافظ تقدم
(عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير بن العوام ثقة حافظ فقيه، تقدم
(عَنْ عَائِشَةَ) أم المؤمنين رضي الله عنها، تقدمت ترجمتها
(قَالَتْ: كَانَ) الغالب أن كان تدل على المداومة(رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَمَرَهُمْ) إذا أمر الناسبعمل من الأعمال(أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ)ما يستطيعون عليه رحمة بهم،الطاقة: هي القدرة والاستطاعة؛ قال الله عز وجل: {لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسَاً إلَّا وُسْعَها} والوسع: الاستطاعة.
(قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ)أي ليس حالنا كحالك؛فـ (إِنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)فلا تحتاج إلى كثرة العمل، فالأخذ بالرفق يناسبك؛ لأن الله تبارك وتعالى غفر ذنوبَك، بخلافنا نحن، فنحن لم تغفر ذنوبنا كما غفرت ذنوبُك،فنحتاج إلى كثرة العمل، ولا يناسبنا الأخذ بالرفق.
(فَيَغْضَبُ)أي فغضبالنبي صلى الله عليه وسلم من قولهم هذا (حَتَّى يُعْرَفَ) أي عُرف(الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ)أي ظهر أثره على وجهه ورأوه، وغضبه حصل -والله أعلم-؛لأنهم أرادوا ترك سنته واتباعِ هديه، كما جاء في الحديث الآخر، قال: " فمن رغب عن سنتي فليس مني".
ثم بين لهم أن مغفرة ذنوبه لا تجعله يقل من العمل، بل على الاجتهاد فيه شكرا لله، كما جاء في حديث المغيرة بن شعبة، قال: "قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ: «أَفَلاَ أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا»
(ثُمَّ يَقُولُ: «إِنَّ أَتْقَاكُمْ) أي أفضلَكم تقوى، ومن كان أفضل تقوى، كان أفضل عملاً؛ فمن تقوى الله الاجتهاد في العمل{وَأَعْلَمَكُمْ بِاللَّهِ أَنَا»)أي أفضلكمعلماً بعظمة الله وحقه على العباد وحدود شرعه ونحو ذلك، فمن كان أعلم بالله فهو أشد اجتهاداً في العمل.
فلا عذر لأحد في ترك سنته صلى الله عليه وسلم ومخالفة هديه صلى الله عليه وسلم.
قال ابن رجب: "فكونه أتقاهم لله؛ يتضمن شدة اجتهاده في خصال التقوى وهو العمل، وكونه أعلمَهم به يتضمن أن علمه بالله أفضل من علمهم بالله.
وإنما أراد علمه بالله لمعنيين:
أحدهما: زيادة معرفته بتفاصيل أسمائه وصفاته، وأفعاله وأحكامه، وعظمته وكبريائه، وما يستحقه من الجلال والإكرام والإعظام.
والثاني: أن علمه بالله مستند إلى عين اليقين، فإنه رآه؛ إما بعين بصره، أو بعين بصيرته، كما قال ابن مسعود وابن عباس وغيرهما:" رآه بفؤاده مرتين"، وعلمُهم به مستند إلى علم يقين، وبين المرتين تباين".
وقال: فلما زادت معرفة الرسول بربه زادت خشيته له وتقواه، فإن العلم التام يستلزم الخشية؛ كما قال تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28] فمن كان بالله وبأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه أعلم؛ كان له أخشى وأتقى، إنما تنقص الخشية والتقوى بحسب نقص المعرفة بالله.
وذكر أحاديث بمعنى هذا الحديث وفيها "إني لأخشاكم لله"، وقال: ففي هذه الأحاديث كلِّها الإنكار على مَن نسب إليه التقصير في العمل للاتكال على المغفرة؛ فإنه كان يجتهد في الشكر أعظم الاجتهاد، فإذا عُوتب على ذلك، وذُكرت له المغفرةُ، أَخبر أنه يفعل ذلك شكرا؛ كما في " الصحيحين " عن المغيرة أن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يقوم حتى تتفطَّرَ قدماه، فيُقالُ له: تفعل هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: " أفلا أكون عبدا شكورا ".
وقد كان يواصل في الصيام وينهاهم، ويقول: " إني لست كهيئتكم؛ إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني ".
فنسبة التقصير إليه في العمل لاتكاله على المغفرة؛ خطأ فاحش؛ لأنه يقتضي أن هديه ليس هو أكمل الهدى وأفضلَه، وهذا خطأ عظيم؛ ولهذا كان الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول في خطبته: " خير الهدى هدى محمد ".
ويقتضي - أيضاً - هذا الخطأ: أن الاقتداء بهديه في العمل ليس هو أفضل؛ بل الأفضل الزيادة على هديه في ذلك، وهذا خطأ عظيم جداً؛ فإن الله تعالى قد أمر بمتابعته وحث عليها، قال تعالى {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْلَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31]. فلهذا كان صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يغضب من ذلك غضباً شديداً لما في هذا الظن من القدح في هديه ومتابعته والاقتداء به".انتهى باختصار.
في هذا الحديث من الفوائد التي ذكرها أهل العلم:
الحث على الرفق وعدم المشقة على النفس في العمل، حرصاً على المداومة وعدم الانقطاع.
فقد قال عليه الصلاة والسلام: «عَلَيْكُمْ مِنَ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ، فَوَاللهِ لَا يَمَلُّ اللهُ حَتَّى تَمَلُّوا، وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ».
وفيه أن العبرة ليست بكثرة العمل، بل باتباع السنة.
فكثرة العمل مع مخالفة السنة مذمومة؛ لذلك غضب النبي صلى الله عليه وسلم من قولهم، وصاحبها غير مأجور عليه وإن صلحت نيته. كما قال في الحديث الآخر: "من رغب عن سنتي فليس مني". وقال:" من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد".
وفيه: التنبيه على شدة رغبة الصحابة في العبادة وطلبهم الازدياد من الخير.
وفيه: مشروعية الغضب عند مخالفة الأمر الشرعي.
وفيه: الإنكار على الحاذق المتأهل؛ لفهم المعنى إذا قصر في الفهم تحريضا له على التيقظ.
وفيه: جواز تحدث المرء بما فيه من فضل بحسب الحاجة لذلك عند الأمن من المباهاة والتعاظم.
وفيه: بيان أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم رتبةَ الكمال الإنساني؛ لأنه منحصر في الحكمتين العلمية والعملية، وقد أشار إلى الأولى بقوله:" أعلمكم"، وإلى الثانية: بقوله:" أتقاكم".
وفيه أن للنبي صلى الله عليه وسلم ذنوباً يغفرها الله له.
كما في قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ}
فعصمة الأنبياء من الذنوب مطلقاً قول باطل؛ مخالف للأدلة الشرعية.
والحق في هذه المسألة:
ما نقل عن السلف وأهل الحديث وأكثر علماء الإسلام:
قال ابن تيمية: "القَولُ بأنَّ الأنبياءَ معصومون من الكبائرِ دون الصَّغائِرِ هو قَولُ أكثَرِ عُلَماءِ الإسلامِ، وجميعِ الطَّوائِفِ، حتى إنَّه قَولُ أكثَرِ أهلِ الكلامِ، كما ذكر أبو الحسَنِ الآمديُّ أنَّ هذا قَولُ أكثَرِ الأشعريَّة، وهو أيضًا قولُ أكثَرِ أهلِ التفسيرِ والحديثِ والفُقَهاءِ، بل لم يُنقَلْ عن السَّلَفِ والأئمَّةِ والصَّحابةِ والتابعين وتابعيهم إلَّا ما يوافِقُ هذا القَولَ".
وقال أيضًا: "وقال أيضاً عن أهل السنة: هم متفقون على أنهم لا يقرون على خطأ في الدين أصلاً، ولا على فسوق، ولا كذب. ففي الجملة: كل ما يقدح في نبوتهم وتبليغهم عن الله، فهم متفقون على تنزيههم عنه. وعامة الجمهور الذين يُجوّزون عليهم الصغائر، يقولون إنهم معصومون من الإقرار عليها، فلا يصدر عنهم ما يضرّهم".
وقال: "إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمْ يَذْكُرْ عَنْ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ذَنْبًا إلَّا ذَكَرَ تَوْبَتَهُ مِنْهُ؛ وَلِهَذَا كَانَ النَّاسُ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ: إمَّا أَنْ يَقُولُوا بِالْعِصْمَةِ مِنْ فِعْلِهَا، وَإِمَّاأَنْ يَقُولُوا بِالْعِصْمَةِ مِنْ الْإِقْرَارِ عَلَيْهَا؛ لَا سِيَّمَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ فَإِنَّ الْأُمَّةَ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَعْصُومٌ أَنْ يُقِرَّ فِيهِ عَلَى خَطَأٍ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُنَاقِضُ مَقْصُودَ الرِّسَالَةِ وَمَدْلُولَ الْمُعْجِزَةِ". انتهى
وقال أيضاً: "واعلم أنّ المنحرفين في مسألة العصمة على طرفي نقيض، كلاهما مخالف لكتاب الله من بعض الوجوه؛ قومٌ أفرطوا في دعوى امتناع الذنوب حتى حرّفوا نصوص القرآن المخبرة بما وقع منهم من التوبة من الذنوب، ومغفرة الله لهم، ورفع درجاتهم بذلك.
وقومٌ أفرطوا في أن ذكروا عنهم ما دلّ القرآن على براءتِهم منه، وأضافوا إليهم ذنوباً وعيوباً نزههم الله عنها، وهؤلاء مخالفون للقرآن، وهؤلاء مخالفون للقرآن.
ومن اتبع القرآن على ما هو عليه من غير تحريف كان من الأمة الوسط، مهتدياً إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين والشهداء والصالحين..".
انتهى بهذا تعلمون موطن الاتفاق، وموطن الخلاف في هذه المسألة، والخلاف المعتبر، وغير المعتبر، وما عليه أهل السنة وما عليه أهل البدع. فتنبهوا
وتفصيل هذه المسألة سيأتي في موضعه إن شاء الله.
ذكرتها هنا لانحراف بعض الشراح فيها، وذكره لانحرافه في هذا الموضع.
قال ابن حجر: "وهذا الحديث من أفراد البخاري عن مسلم، وهو من غرائب الصحيح، لا أعرفه إلا من هذا الوجه، فهو مشهور عن هشام، فرد مطلق من حديثه عن أبيه عن عائشة. والله أعلم
وقد أشرت إلى ما ورد في معناه من وجه آخر عن عائشة في باب من لم يواجه- يعنيبَابُ مَنْ لَمْ يُوَاجِهِ النَّاسَ بِالعِتَابِ-من كتاب الأدب، وذكرت فيه ما يؤخذ منه تعيينُ المأمور به. ولله الحمد".
يعني حديث عائشة: "صَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا فَرَخَّصَ فِيهِ، فَتَنَزَّهَ عَنْهُ قَوْمٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَطَبَ فَحَمِدَ اللَّهَ ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتَنَزَّهُونَ عَنِ الشَّيْءِ أَصْنَعُهُ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً».
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم