شرح صحيح البخاري ح30

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله


  • (بَابٌ: المَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ)

    (المعاصي) جمع معصية، وهي في الشرع: مخالفة الشارع بترك واجب أو فعل محرم، منها كبائر وصغائر.

    (الجاهلية): ما قبل الإسلام، سميت بذلك لكثرة جهالاتهم، أيلكثرة مخالفَتِهم للشرع مع العلم بذلك، و(أمر الجاهلية): خصال الجاهلية، أو مِن أفعال أهلها.

    قال صاحب المطالع: "وقوله: "إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ"، و"نَذَرْتُ لَيْلَةً في الجَاهِلِيَّةِ"، و"كانَتْ قُرَيْشٌ تَصُومُهُ في الجَاهِلِيَّةِ"؛ كل ذلك كنايةً عما كانت عليه العرب قبل الإِسلام وبَعْثِ الرسول عليه السلام من الجهل بالله وبرسوله، وشرائع الدين، والتمسك بعبادة غير الله، والمفاخرة بالأنساب والكبرياء والجبروت إلى سائر ما أذهبه الله، وأسقطه، ونهى عنه بما شرعه من الدين، وأبانه بالعلم". انتهى

    (وَلاَ يُكَفَّرُصَاحِبُها بِارْتِكَابِهَاإلا بالشِّرْكِ)"يُكفَّر"بتشديد الفاء، أي: لا ينسب صاحبها إلى الكفر بفعلها؛ وفي رواية أبي الوقت: "يَكْفُر" أي لا يخرج من الملة بفعلها.

    أي: لا يكفر فاعل المعصية بفعلها؛ إلا لو أشرك، فمن وقع في الشرك؛ كان كافراً؛ لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}.

    والمراد أن المسلم لا يكفر بالمعصية التي دون الكفر، فلا يكفر المسلم إلا إن وقع في الشرك أو الكفر.

    هذه عقيدة أهل السنة والجماعة.

    ومراد البخاري بقوله إلا الشرك ما يشمل الكفر المخرج من الملة؛ لأنه استدل بالآية وهذا المقصود من الشرك فيها، فالشرك قد يطلق ويراد به عموم الكفر المخرج من الملة.

    كما قال تعالى {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}

    وهذا للرد على الخوارج الذين يكفرون بالكبائر، ويبين عقيدة أهل السنة في هذا.

    (لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»)

    أي أن المعاصي من خصال الجاهلية أو من فعل أهل الجاهلية، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: " "إنك امرؤ فيك جاهلية"، أي: خصلة جاهلية.

    (وَ) فاعل المعصية لا يكفر لـ(قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ} الإشراك{بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ}ما سوى {ذَلِكَ}الإشراك من الذنوب {لِمَنْ يَشَاءُ}) فإن الله لا يغفر الشرك به والكفر لمن مات عليه، ويغفر ما دون ذلك الشرك أي ما سوى الشرك والكفر من الذنوب والآثام، يغفرها لمن يشاء من أهلها.

    قال ابن حجر:"والمراد بالشرك في هذه الآية الكفر؛ لأن من جحد نبوة محمد صلى الله عليه وسلم -مثلاً- كان كافراً ولو لم يجعل مع الله إلهاً آخر، والمغفرة منتفية عنه بلا خلاف". انتهى المراد.

    قال أبو بكر الإسماعيلي: "ويقولون إن أحدًا من أهل التوحيد ومن يصلي إلى قبلة المسلمين، لو ارتكب ذنبًا، أو ‌ذنوبًا ‌كثيرة، ‌صغائرَ، أو كبائرَ، مع الإقامة على التوحيد لله والإقرار بما التزمه وقَبِله عن الله، فإنه لا يكفر به، ويرجون له المغفرة، قال تعالى: {وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48]". انتهى

    وقال ابن بطة العكبري رحمه الله تعالى:

    "وقد أجمعت العلماء - لا خلاف بينهم - أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بمعصية؛ نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء".

    وقال أبو عثمان الصابوني:

    "ويعتقد أهل السنة: أن المؤمن وإن أذنب ذنوباً كثيرةً، صغائرَ كانت، أو كبائرَ؛ فإنه لا يكفر بها.. ".

    وقالالبغوي رحمه الله تعالى: "اتّفق أهل السنّة على أن المؤمن لا يخرج عن الإيمان بارتكاب شيء من الكبائر إذا لم يعتقد إباحتها، وإذا عمل شيئًا منها فمات قبل التوبة؛ لا يخلد في النار، كما جاء به الحديث، بل هو إلى الله إن شاء عفا عنهوإن شاء عاقبه بقدر ذنوبه، ثم أدخله الجنّة برحمته". انتهى

    وقال ابن تيمية مبيناً عقيدة أهل السنة والجماعة: "وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ، لَا يُكَفِّرُونَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِمُطْلَقِ الْمَعَاصِي وَالْكَبَائِرِ، كَمَا تَفْعَلُهُ «الْخَوَارِجُ»، بَلْ الْأُخُوَّةُ الْإِيمَانِيَّةُ ثَابِتَةٌ مَعَ الْمَعَاصِي.

    كَمَا قَالَ سبحانه وتعالى فِي آيَةِ الْقِصَاصِ: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} [البقرة: 178].

    وَقَالَ سُبْحَانَه: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ • إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 9 - 10]

    وَلَا يَسْلُبُونَ الْفَاسِقَ الْمِلِّيَّ اسْمَ الْإِيمَانِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَلَا يُخَلِّدُونَهُ فِي النَّارِ، كَمَا تَقُولُهُ «الْمُعْتَزِلَةُ»، بَلِ الْفَاسِقُ يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ.

    فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [النساء: 92].

    وَقَدْ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْإِيمَانِ الْمُطْلَقِ.

    كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}.

    وَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ».

    وَيَقُولُونَ: هُوَ مُؤْمِنٌ نَاقِصُ الْإِيمَانِ، أَوْ مُؤْمِنٌ بِإِيمَانِهِ، فَاسِقٌ بِكَبِيرَتِهِ؛ فَلَا يُعْطَى الِاسْمُ الْمُطْلَقُ، وَلَا يُسْلَبُ مُطْلَقُ الِاسْمِ". انتهى

    وقال ابن أبي العز الحنفي: "أهل السنة متفقون كلُّهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج". انتهى

    وقال الشراح: "غرض البخاري الرد على من يكفر بالذنوب كالخوارج، ويقول: إن من مات على ذلك يخلد في النار، والآية ترد عليهم؛ لأن المراد بقوله {وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشاءُ} من مات على كل ذنب سوى الشرك".

    واحتج البخاري بالآية السالفة: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] وهي صريحة في الدلالة لأهل الحق؛ لأن المراد: من مات عَلَى الذنوب بلا توبة، ولو كان المراد: من تاب لما كان فرق بين الشرك وغيره، وقد تظاهرت الأدلة عَلَى ذَلِكَ، وإجماع السلف عليه". انتهى

    (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) ثقة إمام حافظ. تقدمت ترجمته

    (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج، إمام. تقدمت ترجمته

    (عَنْ وَاصِلٍ الأَحْدَبِ) هو واصل بن حَيَّان الأحدب الأسدي الكوفي، بياع السَّابَرِي (نوع من الثياب)، ثقة ثبت.من أتباع التابعين، مات سنة عشرين ومائة، وقيل غير ذلك،روى له الجماعة.

    (عَنِ المَعْرُورِ)في نسخة: "بنِ سُوَيْدٍ"الأسدي أبو أمية الكوفي، ثقة، عاش مائة وعشرين سنة.روى له الجماعة.

    (قَالَ: لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ) جندب بن جنادة،أبو ذر الغِفاري، من بني غِفار.

    صحابي فاضل جليل.

    مختلف في اسمه، قال ابن عبد البر: "المشهور المحفوظ: جندب بن جنادة".

    وأمه رملة بنت الوقيعة من بني غِفار أيضاً.

     كان إسلام أبي ذر قديماً، ولإسلامه قصة أخرجها البخاري، ستأتي إن شاء الله، من أوائل من أسلم، ثم رجع إلى بلاد قومه بعد ما أسلم، فأقام بها حتى مضت بدر وأحد والخندق، ثم قدم على النبي صلى الله عليه وسلم المدينة فصحبه إلى أن مات، ثم خرج بعد وفاة أبى بكر رضي الله عنه إلى الشام، فلم يزل بها حتى ولي عثمان رضي الله عنه. ثم استقدمه عثمان لشكوى معاوية به وأسكنه الرَبَذة، فمات بها، وصلى عليه عبد الله بن مسعود.

    وكانت وفاته سنة ثنتين وثلاثين في خلافة عثمان.

    يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَا أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ وَلَا أَقَلَّتِ الغَبْرَاءُ أَصْدَقَ مِنْ أَبِي ذَرٍّ».

    قال ابن حجر: ومناقبه كثيرة جداً.

    (بِالرَّبَذَةِ)قرية قرب المدينة(وَعَلَيْهِ) أي: لقيته وهو يلبس(حُلَّةٌ)قال ابن حجر: (هي ثياب ذات خطوط، والحلة لا تكون إلا من ثوبين، وقيل: إنما تكون حلة إذا كانت جديدة. وقال أبو عبيد: الحلل برود اليمن).

    (وَعَلَى غُلاَمِهِ حُلَّةٌ)مثل التي على أبي ذر.

    (فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ)أي: سأل المعرور بن سويد أبا ذر عن تساويه وغلامِه في لبس الحلل؛ فالعادة جارية بأن تكون ثياب الغلام دون ثياب سيده.

    فذكر السبب (فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ)بموحدتين؛ أي: شاتمت، كما جاءت في بعض الروايات.

    ولفظ البخاري في كتاب الأدب: "كان بيني وبين رجل كلام"، وعند مسلم: "كان بيني وبين رجل من إخواني كلام"

    (رَجُلًا)ورد في رواية ضعيفة، أنه بلال بن رباح رضي الله عنه، وهو خطأ؛لضعف إسناده، ولما قَاله النَّوَوِيّ، قال: "وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ ‌كَانَ ‌عَبْدًا". انتهى،هذا يدل عليه السياق، وبلال لم يكن عبداً وقتها(فَعَيَّرْتُهُ)أي: نسبته إلى العار، والعارُ: السُّبّة وَالْعَيْبُ، وَقِيلَ: هُوَ كُلُّ شَيْءٍ يَلْزَمُ بِهِ سُبّة أَو عَيْبٌ(بِأُمِّهِ)وفي رواية عند البخاري ستأتي:"وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَنِلْتُ مِنْهَا".

    (فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟)هذا سؤال إنكار.

    (إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ)أي: إنك في تعييره بأمه على خلق من أخلاق الجاهلية، وقد بقي فيك من أخلاق القوم شيء؛لأنهم كانوا يتفاخرون بالأنساب، ويعيِّرون بالآباء والأمهات، وذلك شيء أذهبه الإسلام بقوله تعالى: {إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم}.

    قال ابن حجر: "ويظهر لي أن ذلك كان من أبي ذر قبل أن يعرف تحريمه، فكانت تلك الخصلة من خصال الجاهلية باقية عنده؛ فلهذا قال كما عند المؤلف في الأدب:"قلت على ساعتي هذه من كبر السن، قال: نعم" كأنه تعجب من خفاء ذلك عليه، ومع كبر سنه، فبين له كون هذه الخصلة مذمومة شرعاً، وكان بعد ذلك يساوي غلامه في الملبوس وغيرِه أخذاً بالأحوط، وإن كان لفظ الحديث يقتضي اشتراط المواساة لا المساواة".

    وقال: "وإنما وبخه بذلك على عظيم منزلته عنده؛ تحذيراً له عن معاودة مثل ذلك؛ لأنه وإن كان معذوراً بوجه من وجوه العذر، لكن وقوع ذلك من مثله يُستعظم أكثر ممن هو دونه". انتهى

    (إِخْوَانُكُمْ):أي الْمَمَالِيكِ إخوانكم في الإسلام(خَوَلُكُمْ)أي خَدمُكم، الخَوَلُ:قَالَ أهل اللغة: الخول: الخدم. سموا بذلك؛ لأنهم يتخولون الأمور أي: يصلحونها، ويقومون بها.

    (جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ)يعني ملكَكم وخدماًلكم.

    (فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ)

    قال البغوي: "هذا خطابٌ مع العرب الذين لَبُوسُ عامتِهم وأطعمَتُهم متقاربةٌ، يأكلون الجَشِبَ -يعني الطعام الغليظ- ويَلبَسون الخَشِنَ، فأمرَهم أن يُطعموا ويُلبِسوا رقيقَهم ما يَلبَسون ويأكلون؛ فأمَّا مَن خالَفَ معاشَ السلف والعرب، فأكلَ رقيق الطعام، ولبسَ جيد الثياب، فلو واسَى رقيقَه كان أحسنَ، فإن لم يَفعلْ، فليس عليه لرقيقه إلا ما هو المعروف من نفقة رقيق بلده وكسوتهم". انتهى

    وقال النووي: "وَالْأَمْرُ بِإِطْعَامِهِمْ مِمَّا يَأْكُلُ السَّيِّدُ وَإِلْبَاسُهُمْ مِمَّا يَلْبَسُ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لَا عَلَى الْإِيجَابِ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.

    وَأَمَّا فِعْلُ أَبِي ذَرٍّ فِي كِسْوَةِ غُلَامِهِ مِثْلَ كِسْوَتِهِ فَعَمَلٌ بِالْمُسْتَحَبِّ.

    وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ نَفَقَةُ الْمَمْلُوكِ وَكِسْوَتُهُ بِالْمَعْرُوفِ بِحَسَبِ الْبُلْدَانِ وَالْأَشْخَاصِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ نَفَقَةِ السَّيِّدِ وَلِبَاسِهِ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ.

    حَتَّى لَوْ قَتَّرَ السَّيِّدُ عَلَى نَفْسِهِ تَقْتِيرًا خَارِجًا عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ- إِمَّا زُهْدًا وَإِمَّا شُحًّا- لَا يَحِلُّ لَهُ التَّقْتِيرُ عَلَى الْمَمْلُوكِ، وَإِلْزَامُهُ وَمُوَافَقَتُهُ إِلَّا بِرِضَاهُ. انتهى

    (وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْمَا يَغْلِبُهُمْ)أي: لا تحملوهم من العمل ما تعجزُ قدرتُهم عنه لعظمه، أو صعوبته، والنهي فيه للتحريم، قال العيني: بِلَا خلاف(فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ)ما يغلِبُهم(فَأَعِينُوهُمْ»)من الإعانة وهي المساعدة.

    قال النووي: "وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُكَلِّفَهُ من العمل مالا يُطِيقُهُ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَزِمَهُ إِعَانَتُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ". انتهى

    قال الشراح: وفي الحديث: النهيُ عن سبِّ العبيد، ومَن في معناهم، وتعييرِهم بأصولهم، والحثُّ على الإحسان إليهم، والرِّفقِ بهم، وبمَن في معناهم: من أجير، وخادم، ودابة. وجوازُ إطلاقِ الأخ على الرقيق، والمحافظةُ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    وأن التفاضل الحقيقي بين المسلمين إنما هو في التقوى، فلا يفيد النسبُ الشريف صاحبه إذا لم يكن من أهل التقوى، وتفيدُالتقوى وضيعَ النسبِ. قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُم} [الحجرات: 13]

    ويفيد الحديث ما استدل به البخاري، وهو أن المعاصيَ كلَّها من خصال الجاهلية.

    وقال بعض الشراح يريد البخاري به: أن فاعل المعاصي لا يكفر؛ لأنه لو كان يكفر لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر، ولم يكتف بقوله له:" إنك امرئ فيك جاهلية".

    وسيأتي الحديث برقم 2545 من طريق آدم بن أبي إياس عن شعبة حدثنا واصل الأحدب قال: سمعت المعرور بن سويد؛ به.

    وبرقم 6050 من روايةعمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد؛ به.

    الحديث متفق عليه من حديث شعبة عن واصل الأحدب عن المعرور.

    ومن حديث الأعمش عن المعرور.

    وأخرجه البزار من طريق مورق العجلي عن أبي ذر، وقال: رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَذَكَرْنَا كُلَّ حَدِيثٍ بِإِسْنَادِهِ وَبِلَفْظِهِ فِي مَوْضِعِهِ. انتهى

    فالحديث صحيح لا إشكال فيه بحمد الله.

    والرواية التي فيها ذكر بلال، قال ابن بطال: وقد روى سمرة بن جندب: أن بلالاً كان الذى عيره أبو ذر بأمه. روى الوليد بن مسلم، عن أبى بكر، عن ضمرة بن حبيب، قال: كان بين أبى ذر وبين بلال محاورة، فعيره أبو ذر بسواد أمه، فانطلق بلال إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ، فشكى إليه تعييره بذلك، فأمره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يدعوه، فلما جاءه أبو ذر، قال له رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "شتمت بلالاً وعيَّرته بسواد أمه؟ قال: نعم، قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : "ما كنت أحسب أنه بقي في صدرك من كبر الجاهلية شيء"، فألقى أبوذر نفسه بالأرض، ثم وضع خده على التراب، وقال: والله لا أرفع خدي من التراب حتى يطأ بلال خدي بقدمه، فوطأ خده بقدمه. انتهى

    وقد ذكره ابن الملقن في التوضيح من قول الوليد بن مسلم، ليس فيه أبو بكر وضمرة.

    أشار الحافظ إلى ضعفها، فقال: "وَقِيلَ إِنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ هُوَ بِلَالٌ الْمُؤَذِّنُ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وَرَوَى ذَلِكَ ‌الْوَلِيدُ ‌بْنُ ‌مُسْلِمٍ ‌مُنْقَطِعًا". انتهى

    وأخرج البيهقي في الشعب حديثاً آخر في أن أبا ذر عير بلالا بأمه، وأخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق بإسناد ضعيف عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: عَيَّرَ أَبُو ذَرٍّ بِلَالًا بِأُمِّهِ، فَقَالَ: يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ، وَإِنَّ بِلَالًا أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرَهُ فَغَضِبَ، فَجَاءَ أَبُو ذَرٍّ وَلَمْ يَشْعُرْ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا أَعْرَضَكَ عَنِّي إِلَّا شَيْءٌ بَلَغَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: " أَنْتَ الَّذِي تُعَيِّرُ بِلَالًا بِأُمِّهِ؟ " قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَالَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ عَلَى مُحَمَّدٍ - أَوْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَحْلِفَ - مَا لِأَحَدٍ عَلَيَّ فَضْلٌ إِلَّا بِعَمَلٍ، إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا كَطَفِّ الصَّاعِ ".

    هذا ما وقفت عليه وكله ضعيف لا يثبت.

    والشراح يعتمدون على روايات ضعيفة كثيراً، بعضهم ينبه على ضعفها أو ضعف بعضها، وبعضهم لا ينبه، فتنبهوا لهذا.

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم