إسم الكاتب : فضلية الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه الله
بَابُ إِثْمِ مَنْ كَذَبَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الإثم قال غير واحد من أهل العلم في تعريفه: "هو الذنب الذي يستحق العقوبةَ عليه"، أي يستحق فاعلُه العقوبةَ عليه، وله أسماء منها: الوِزر والحُوب والجُرم والحنث.
قال ابن فارس في مقاييس اللغة: "الْهَمْزَةُ وَالثَّاءُ وَالْمِيمُ تَدُلُّ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْبُطْءُ وَالتَّأَخُّرُ. يُقَالُ: نَاقَةٌ آثِمَةٌ، أَيْ: مُتَأَخِّرَةٌ".
وقال: "وَالْإِثْمُ مُشْتَقٌّ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَا الْإِثْمِ بَطِيءٌ عَنِ الْخَيْرِ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ". انتهى باختصار.
قال ابن حجر: "لَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِي الْبَابِ-يعني التي رواها البخاري في هذا الباب-تَصْرِيحٌ بِالْإِثْمِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَفَادٌ مِنَ الْوَعِيدِ بِالنَّارِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَازِمُهُ". انتهى
وقال في النزهة: "وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ الكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الكَبَائِرِ.
وَبَالَغَ أَبُو مُحَمَّدٍ الجُوَيْنِيُّ؛ فَكَفَّرَ مَنْ تَعَمَّدَ الكَذِبَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.
واتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ رِوَايَةِ المَوْضُوعِ إِلَّا مَقْرُوناً بِبَيَانِهِ؛ لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ؛ فَهُوَ أَحَدُالكَاذِبَيْنِ»، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ". انتهى
اتفقوا العلماء على تحريم الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم.
واتفقوا على عدم إثم من أخطأ عليه للأدلة الواردة في رفع الإثم عن المخطئ.قال ابن الملقن: "وقُيّد بالعمد في رواية؛ لبيان أنه يكون سهوًا وعمدًا، والإجماع منعقد عَلَى أن الناسي لا إثم عليه، والمطلق محمول عَلَى المقيد في الإثم". انتهى
واتفقوا على أن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم عمداً كبيرة من الكبائر، كما تقدم في كلام الحافظ وغيره.
وأن من كذب عليه مستحلًّا كفر.
واختلفوا فيمن كذب عليه متعمداً فذهب البعض إلى كفره، والجمهور على عدم كفره، ولكن قال الذهبي: قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي تَفْسِيره: وَقد ذهب طَائِفَة من الْعلمَاء إِلَى أَن الْكَذِب على الله وعَلى رَسُوله كفر ينْقل عَن الْملَّة، وَلَا ريب أَن الْكَذِب على الله وعَلى رَسُوله فِي تَحْلِيل حرَام وَتَحْرِيم حَلَال كفر مَحْض، وَإِنَّمَا الشَّأْن فِي الْكَذِب عَلَيْهِ فِيمَا سوى ذَلِك". انتهى معنى ما قالوه.
وانظروا الصارم المسلول على شاتم الرسول لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص 171- تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد) ففيه تفصيل مهم راجعوه.
ومن كذب في حديث واحد عمدًا فسق وردت رواياتُه كلُّها وإن تاب، وبه قَالَ أحمد بن حنبل وغيره.
وهو نظير ما قاله مالك في شاهد الزور إِذَا تاب، أنه لا تقبل شهادته.
وقال ابن الملقن: "من روى حديثًا علم أو ظن أنه موضوع فهو داخل في هذا الوعيد، إِذَا لم يبين حال رواتِه وضعفهم، ويدل عليه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: "مَنْ حدَّث عنِّي بحديثٍ يرى أنه كَذِب فهو أحد الكاذِبين" ومن روى حديثًا ضعيفًا، لا يذكره بصيغة الجزم بخلاف الصحيح والحسن.". انتهى
(حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الجَعْدِ) بن عبيد الجوهري. ثقة.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج أبو بسطام. إمام.
(قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْصُورٌ) بن المعتمر. ثقة.
وهؤلاء كلهم تقدموا.
(قَالَ: سَمِعْتُ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ) بن جَحْش الغطفانيُّ ثم العبسيُّ، أبو مريم الكوفي، تابعي مخضرم، قدم الشام وسمع خطبة عُمَر بالجابية.ثقة عابد.مات سنة أربع ومائة، وقيل غير ذلك. روى له الجماعة.
قال اللالكائي:" مجمع على ثقته".
وقال العجلي: "تابعي ثقة، من خيار الناس، لم يكذب كِذبة قط".
وقالوا: "كان له ابنان عاصيان على الحجاج-أي صعب عليه الإمساك بهما-، فقيل للحجاج: إن أباهما لم يكذب كِذبة قط، لو أرسلت إليه فسألته عنهما، فأرسل إليه، فقال: أين ابْناك؟ فقال: هما في البيت. قال: قد عفونا عنهما بصدقك".
(يَقُولُ: سَمِعْتُ عَلِيًّا) رضي الله عنه؛ هو أبو الحسن وأبو تراب، مَا كَانَ لِعَلِيٍّ اسْمٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ أَبِي تُرَابٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَفْرَحُ بِهِ إِذَا دُعِيَ بِهَا، علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي القرشي الهاشمي؛ ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته الصغرى فاطمة رضي الله عنها، وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف.
صحابي فقيه جليل القدر، من السابقين الأولين، فهو أول من أسلم من الصبيان، وأفضل هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم والخلفاء الثلاثة، وهو رابع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، من أفاضل الصحابة كبارهم.
من فضائله -وهي كثيرة-قول النبي صلى الله عليه وسلم فيه: "لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ رَجُلًا يَفْتَحُ اللهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ!".
قتله عبد الرحمن بن مُلْجَم المرادي وهو أحد كبار الخوارج في رمضان سنة أربعين، وهو يومئذ أفضل الأحياء من بني آدم بالأرض، بإجماع أهل السنة، وله ثلاث وستون على الأرجح.
قال ابن حبان: "وكانت خلافتُه خمسَ سنينَ وثلاثةَ أشهرٍ إلا أربعةَ عشرَ يوماً، واختلفوا في قبره، وليس عندي فيه شيءٌ صحيحٌ فاذكرُه". انتهى.
روى له الجماعة.
(يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لاَ تَكْذِبُوا عَلَيَّ")
الكذب: الإخبار بخلاف الواقع، عرفه أهل اللغة بأنهنقيضالصدق، أو خلاف الصدق، والصدق: الإخبار بما يطابق الواقع.
فيدخل في ذلك الخطأ، ولكن التقييد الوارد في بعض الأحاديث بالعمد أخرجه كما سيأتي إن شاء الله.
ومعنى لا تكذبوا علي: أي: لا تنسبوا إليَّ قولًا لم أقله، ولا فعلًا لم أفعله، ولا تقريرًا لم أُقْرِره.
قال الشراح: "قوله "لا تكذبوا عليَّ" هو عام في كل كاذب، مطلقٌ في كل نوع من الكذب.
ومعناه: لا تنسبوا الكذب إليّ.
ولا مفهوم لقوله "عليَّ"؛ لأنه لايُتَصَوَّرُ أن يُكذب له؛ لنهيه عن مطلق الكذب.
وقد اغترَّ قومٌ من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب، وقالوا: نحن لم نكذب عليه بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته.
وما دَرَواأن تَقْويلَهُ صلى الله عليه وسلم ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى؛ لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية سواء كان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه.
ولا يُعْتَدُّ بمن خالف ذلك من الكرَّامية حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة، واحتجوا بأنه كذب له لا عليه، وهو جهل باللغة العربية. وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت.
فقد روى أبو بكرٍ البَزَّارُ هذا الحديثَ من طريق عبد الله بن مسعود، وزادَ فيه: "ليُضِلَّ به"، وقد اغْتَرَّ بهذه الزيادة أُناسٌ ممن يَقْصِدُ الخيرَ ولا يعرفُه، فظَنَّ أَنَّ هذا الوعيدَ إِنما يتناولُ من قَصَدَ الإِضلال بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمَّا مَنْ قَصَدَ الترغيبَ في الأعمال الصالحة وتقويةَ مذاهب أهل السُّنَّة فوضع الأحاديث لذلك؛ فلا يتناولهُ.
وهذه جهالةٌ؛ لأن هذه الزيادةَ تُروى عن الأعمش ولا تَصِحُّ عنه، وليستْ معروفةً عند نَقَلَةِ ذلك الحديث مع شُهرته، وقد رواها الحاكم من طُرُقٍ كثيرةٍ، وقال: إِنها واهيةٌ لا يَصِحُّ منها شيء.
قالوا: ولو صَحَّتْ؛ لما كان لها دليلُ خطاب، وإنما كانت تكون تأكيدًا؛ لقوله تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيرِ عِلْمٍ}، وافتراءُ الكذبِ على الله مُحَرَّمٌ مطلقًا، قصد به الإِضلال أو لم يقصد.
وقال ابن الملقن: "لا فرق في تحريم الكذب عليه صلى الله عليه وسلم بين ما كان في الأحكام وغيره، كالترغيب والترهيب، فكله حرام من أكبر الكبائر بإجماع من يعتد به، ولا عبرة بالكرَّامية في تجويزهم الوضع في الترغيب والترهيب، وتشبثهم برواية: "مَنْ كَذَبَ عليَّ متعمدًا ليُضل به". بهذِه الزيادة، ولأنه كذب لَهُ لا عليه.
وهو من الأعاجيب، فهذِه زيادة باطلة باتفاق الحفاظ". انتهى المراد.
(فَإِنَّهُ) هذا تعليل، أي لأنه(مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ؛ فَلْيَلِجِ النَّارَ) صيغته الأمر ومراده الخبر؛ أي: الإخبار بأن من كذب عليه صلى الله عليه وسلم يدخل النار، ويؤيده رواية عند مسلم: " من يكذب علي يلج النار". ولابن ماجه: " لَا تَكْذِبُوا عَلَيَّ، فَإِنَّ الْكَذِبَ عَلَيَّ يُولِجُ النَّارَ".
ومعنى الحديث: أن هذا جزاؤه وقد يجازى به وقد يعفو الله عنه، ولا يقطع عليه بدخول النار، وهكذا سبيل كل ما جاء من الوعيد بالنار لأصحاب الكبائر غيرَ الكفر، ثم إن جُوزي وأدخل النار فلا يُخلد فيها؛ بل لا بد من خروجه منها بفضل الله تعالى ورحمته؛ إلا من استحل الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال أهل العلم: وهذا وعيد شديد يفيد أن ذلك من أكبر الكبائر سيما في الدين وعليه الإجماع، ولا التفات إلى ما شذَّ به الكرامية من حِلِّ وضع الحديث في الترغيب والترهيب، واقتدى بهم بعض جهلة المتصوفة فأباحوه في ذلك ترغيبا في الخير بزعمهم الباطل، وهذه غباوة ظاهرة وجهالة متناهية.
قال ابن جماعة وغيره: وهؤلاء أعظم الأصناف ضرراً وأكثر خطراً، إذ لسان حالهم يقول: الشريعة محتاجة لكذا فنكملها". انتهى
الحديث متفق عليه من حديث شعبة به.
(حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ)هشام بن عبد الملك الطيالسي. إمام فقيه حافظ؛ كان مقدماً في شعبة، وهذا الحديث من روايته عن شعبة. تقدم
(قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن بسطام أبو الحجاج. إمام. تقدم
(عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ) المُحاربي أَبُو صخرة الكوفي. تابعيثقة. مات سنة ثماني عشرة ومائة. وقيل غير ذلك. روى له الجماعة.
(عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوام الْقُرَشِي الأسَدي، أَبُو الْحَارِث المدني، كان عابداً فاضلاً.تابعي، قال الإمام أحمد: ثقة من أوثق الناس. مات سنة إحدى وعشرين ومائة. روى له الجماعة.
(عَنْ أَبِيهِ) الصحابي ابن الصحابي عبدُ الله بن الزبير بن العوامبن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي.
أمّه أسماء بنت أبي بكر الصديق. ولد عام الهجرة، وحفظ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو صغير، وحدّث عنه بجملة من الحديث.
صحابي فقيه فاضل، وهو أحد العبادلة، وأحد الشجعان من الصحابة، وأحد من ولى الخلافة منهم. يكنى أبا بكر. ثم قيل له أبو خُبيب بولده.
وهوأول مولود ولد للمهاجرين بعد الهجرة في المدينة،وحنكه النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وشهد الجمل مع أبيه وخالته.
ولي الخلافة تسع سنين.
بويع بالخلافة سنة أربع وستين عقب موت يزيد بن معاوية، ولم يتخلف عنه إلا بعضُ أهل الشام.
وحصره الحجاج بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة ثنتين وسبعين، ولم يزل يحاصره إلى أن أصابته رمية الحجر فمات، وصُلبت جثته وحُمل رأسه إلى خراسان. روى له الجماعة.
(قَالَ) عبد الله بن الزبير:(قُلْتُ لِلزُّبَيْرِ)بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي. يكنى أبا عبد الله.
حواريّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمته، أمه صفية بنت عبد المطلب بن هاشم عمةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمة الزبير خديجة بنت خويلد.
أسلم وهو صغير، له اثنتا عشرة سنة، وقيل ثمان سنين.
وهو زوج أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.
هاجر الهجرتين.
لم يتخلف الزبير عن غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أولَ من سلَّ سيفاً في سبيل الله عز وجل.
وهو من الستة أهلِ الشورى الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو راض عنهم، وهو أيضاً من العشرة، الذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة.
وثبت عن الزبير أنه قال: جمع لي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبويه مرتين: يومَ أحد، ويومَ قريظة، فقال: "ارم فداك أبي وأمي".
قتل سنة ست وثلاثين بعد مُنصرَفه من وقعة الجمل.
وكان قد ترك القتال وانصرف عنه،فقتله عمرو بن جُرموز بغيًا وظلماً بوادي السباع بناحية البصرة.
روى له الجماعة.
قال عبد الله بن الزبير لأبيه الزبير:(إِنِّي لاَ أَسْمَعُكَ تُحَدِّثُ) وفي رواية مسند الطيالسي: "مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُحَدِّثَ"(عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا يُحَدِّثُ فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ) وسمى منهم في مسند الطيالسي وغيره: "عبد الله بن مسعود"(قَالَ)الزبير (أَمَا)بالتخفيف. حرف استفتاح(إِنِّي لَمْ أُفَارِقْهُ)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. زاد في رواية مسند الطيالسي وغيره:"منذ أسلمت". يعني في الغالب، يريد أنه سمع منه الكثير من الحديث لكثرة ملازمته له صلى الله عليه وسلم.
قال ابن حجر: "وَالْمُرَادُ فِي الْأَغْلَبِ وَإِلَّا فَقَدْ هَاجَرَ الزُّبَيْرُ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَكَذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَالِ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذَا الْكَلَامَ عَلَى سَبِيلِ التَّوْجِيهِ لِلسُّؤَالِ ; لِأَنَّ لَازِمَ الْمُلَازَمَةِ السَّمَاعُ، وَلَازِمُهُ إعَادَةُ التَّحْدِيثِ، لَكِنْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا خَشِيَهُ مِنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ، وَلِهَذَا أَتَى بِقَوْلِهِ: لَكِنْ".
وفي رواية عند أبي داود من وجه آخر: "أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ لِي مِنْهُ وَجْهٌ وَمَنْزِلَةٌ".
(وَلَكِنْ)في رواية: "ولكني"، وفي أخرى: "ولكنني" (سَمِعْتُهُ)صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (يَقُولُ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ) وفي رواية المسند وغيره: "مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ"، وهذا يشمل كل قول لم يقله صلى الله عليه وسلم سواء كان في الأحكام أو الترغيب والترهيب، أو غير ذلك(فَلْيَتَبَوَّأْ)أي فليتخذ (مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ») أي فليتخذ لنفسه منزلاً؛ يقال: تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكناً.
قال أهل العلم: والأمر هنا معناه الخبر؛ أي: أن الله تعالى يبوِّئه مقعده من النار، أوتهديد أو دعاء على معنى بوَّأه الله.
الحديث هكذا أخرجه البخاري، ليس فيه التقييد بقوله: "متعمداً".
وأخرجه غيره بالتقييد.
وأخرج الطحاوي الحديث في "مشكل الآثار"، وفي آخره: (زَادَ وَهْبٌ) وهو وهب بن جرير راويه عن شعبة (فِي حَدِيثِهِ:" وَاللهِ مَا قَالَ: مُتَعَمِّدًا، وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ مُتَعَمِّدًا")
قال ابن الملقن: "وزاد أبو داود فيه: "متعمدًا" والمحفوظ في البخاري والنسائي حذفها". انتهى
فإذا لم يصح في هذا الحديث، فقد صح التقييد في حديث غيره، والمطلق يحمل على المقيد كما هو مقرر في الأصول.
قال ابن حجر: "وَفِي تَمَسُّكِ الزُّبَيْرِ بِهَذَا الْحَدِيثِ -عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ اخْتِيَارِ قِلَّةِ التَّحْدِيثِ- دَلِيلٌ لِلْأَصَحِّ فِي أَنَّ الْكَذِبَ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ كَانَ عَمْدًا أَمْ خَطَأً.
وَالْمُخْطِئُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْثُومٍ بِالْإِجْمَاعِ، لَكِنَّ الزُّبَيْرَ خَشِيَ مِنَ الْإِكْثَارِ أَنْ يَقَعَ فِي الْخَطَأِ وَهُوَ لَا يَشْعُر.
لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِالْخَطَأِ لَكِنْ قَدْ يَأْثَمُ بِالْإِكْثَارِ؛ إِذْ الْإِكْثَارُ مَظِنَّةُ الْخَطَأِ، وَالثِّقَةُ إِذَا حَدَّثَ بِالْخَطَأِ فَحُمِلَ عَنْهُ وَهُوَ لَا يَشْعُرُ أَنَّهُ خَطَأٌ يُعْمَلُ بِهِ عَلَى الدَّوَامِ لِلْوُثُوقِ بِنَقْلِهِ، فَيَكُونُ سَبَبًا لِلْعَمَلِ بِمَا لَمْ يَقُلْهُ الشَّارِعُ.
فَمَنْ خَشِيَ مِنْ الإِكْثَارِ الْوُقُوعِ فِي الْخَطَأِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْإِثْمُ إِذَا تَعَمَّدَ الْإِكْثَارَ، فَمِنْ ثَمَّ تَوَقَّفَ الزُّبَيْرُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الْإِكْثَارِ مِنَ التَّحْدِيثِ.
وَأَمَّا مَنْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا وَاثِقِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِالتَّثَبُّتِ، أَوْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ فَاحْتِيجَ إِلَى مَا عِنْدَهُمْ فَسُئِلُوا فَلَمْ يُمْكِنْهُمُ الْكِتْمَانُ. رضي الله عنهم". انتهى
الحديث انفرد البخاري بإخراجه عن مسلم.
(حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) عبد الله بن عمرو المنقري البصري،المشهور بالمُقعَد. ثقة، من أثبت الناس في عبد الوارث بن سعيد.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ)بن سعيد البصري. ثقة.
(عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ) بن صهيب البناني البصري. ثقة.
(قَالَ أَنَسٌ)بن مالك رضي الله عنه.
رجال الإسناد كلهم بصريون وتقدموا.
(إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي أَنْ أُحَدِّثَكُمْ)أي: ليمنعني تحديثكم (حَدِيثًا كَثِيرًا)أي أحاديث كثيرة(أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا)أي: من افترى عليَّ كَذِبًا، ونَسَبَ إِليَّ ما لمأفعله، قولًا أو فعلًا أو تقريرًا، و(كَذِبًا)نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَيَعُمُّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْكَذِبِ(فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»)
فأفاد أنس أن توقّيه من التحديث لم يكن للامتناع من أصل التحديث للأمر بالتبليغ، وإنما هو لخوف الإكثار المفضي إلى الخطأ.
قال ابن حجر: "وَإِنَّمَا خَشِيَ أَنَسٌ مِمَّا خَشِيَ مِنْهُ الزُّبَيْرُ، وَلِهَذَا صَرَّحَ بِلَفْظِ الْإِكْثَارِ؛ لِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ، وَمَنْ حَامَ حَوْلَ الْحِمَى لَا يَأْمَنُ وُقُوعَهُ فِيهِ، فَكَانَ التَّقْلِيلُ مِنْهُمْ لِلِاحْتِرَازِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَنَسٌ مِنَ الْمُكْثِرِينَ؛ لِأَنَّهُ تَأَخَّرَتْ وَفَاتُهُ فَاحْتِيجَ إِلَيْهِ -كَمَا قَدَّمْنَاهُ- وَلَمْ يُمْكِنْهُ الْكِتْمَانَ.
وَيُجْمَعُ بِأَنَّهُ لَوْ حَدَّثَ بِجَمِيعِ مَا عِنْدَهُ لَكَانَ أَضْعَافَ مَا حَدَّثَ بِهِ.
وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَتَّابٍ - بِمُهْمَلَةٍ وَمُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ - مَوْلَى هُرْمُزَ، سَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: "لَوْلَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ أُخْطِئَ لَحَدَّثْتُكَ بِأَشْيَاءَ قَالَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.. الْحَدِيثَ، أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ.
فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُحَدِّثُ إِلَّا مَا تَحَقَّقَهُ، وَيَتْرُكُ مَا يَشُكُّ فِيهِ.
وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُحَافِظُ عَلَى الرِّوَايَةِ بِاللَّفْظِ، فَأَشَارَ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: لَوْلَا أَنْ أُخْطِئَ.
وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَنَسٍ جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى كَمَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ عَنْهُ صَرِيحًا، وَقَدْ وُجِدَ فِي رِوَايَاتِهِ ذَلِكَ كَالْحَدِيثِ فِي الْبَسْمَلَةِ، وَفِي قِصَّةِ تَكْثِيرِ الْمَاءِ عِنْدَ الْوُضُوءِ، وَفِي قِصَّةِ تَكْثِيرِ الطَّعَامِ". انتهى
الحديث متفق عليه.
109 - حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
(حَدَّثَنَا مَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) بن بشير التميمي البلخي، أبو السكن. ثقة. تقدم
(قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ) أَبُو خالد الأَسلميّ، مولى سلمةَ بنِ الأكوع.تابعي، ثقة. توفي سنة بضعٍوأربعين ومائة، روى له الجماعة.
(عَنْ سَلَمَةَ)هو ابن عَمْرو بن الأكوع الأَسلميّ.واسم الأكوع سنان بن عبد اللَّه.
أول مشاهده الحديبيّة، وكان من الشّجعان، وبايع النبيّ صلى الله عليه وسلم عند الشّجرة على الموت. رواه البخاريّ من حديثه.
ونزل المدينة، ثم تحوّل إلى الرَّبذة بعد قتل عثمان، وتزوّج بها ووُلِد له، حتى كان قبل أن يموت بليالٍ نزل إلى المدينة فمات بها، رواه البخاريّ، وكان ذلك سنة أربع وسبعين على الصّحيح. وقيل: مات سنة أربع وستين.
روى له الجماعة.
هذا الإسناد أولُ ثلاثيات البخاري التي تمر معنا، وهذا أعلى ما للبخاري في صحيحه من أسانيد.
وقد جُمعت ثلاثيات البخاري في أكثر من كتاب، وعليها تعليقات وشروح.
قال الحافظ ابن حجر: "وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوَّلُ ثُلَاثِيٍّ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ، وَلَيْسَ فِيهِ أَعْلَى مِنَ الثُّلَاثِيَّاتِ، وَقَدْ أُفْرِدَتْ فَبَلَغَتْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ حَدِيثًا". انتهى
(قَالَ)سلمة(سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ)أي الذي لم أقله، وكذا لو نَقل ما قاله بلفظ يوجب تغيير الحكم، أو نسب إليه فعلاً لم يَرد عنه.
وفي هذا الحديث زيادة على ما سبق التصريح بالقول؛ لأن السابق أعمُّ من نسبة القول والفعل إليه(فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ).
قال الشراح: "لما فيه من الجرأة على الشريعة وصاحبِها صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلو نقل العالم معنى قولِه بلفظ غير لفظه، لكنه مطابق لمعنى لفظه فهو سائغ عنده المحققين".
وقال الحافظ: "وَذَكَرَ الْقَوْلَ لِأَنَّهُ الْأَكْثَرُ، وَحُكْمُ الْفِعْلِ كَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي عِلَّةِ الِامْتِنَاعِ، وَقَدْ دَخَلَ الْفِعْلُ فِي عُمُومِ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ، وَأَنَسٍ السَّابِقَيْنِ لِتَعْبِيرِهِمَا بِلَفْظِ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي ذَكَرَهُ بَعْدَ حَدِيثِ سَلَمَةَ.
فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَذَا، وَفَعَلَ كَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَالَهُ أَوْ فَعَلَهُ.
وَقَدْ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ مَنْ مَنَعَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى.
وَأَجَابَ الْمُجِيزُونَ عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ النَّهْيُ عَنِ الْإِتْيَانِ بِلَفْظٍ يُوجِبُ تَغَيُّرَ الْحُكْمِ مَعَ أَنَّ الْإِتْيَانَ بِاللَّفْظِ لَا شَكَّ فِي أَوْلَوِيَّتِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ". انتهى
تفرد به البخاري.
110 - حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي، وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي، وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
(حَدَّثَنَاموسى) هو ابن إسماعيل المِنقري،أبو سلمة التبوذكي. ثقة.
(قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ)وضاح اليَشكري، ثقة.
(عَنْ أَبِي حَصِينٍ)عثمان بن عاصمبن حُصين الأسدي الكوفي، تابعي، ثقة حفاظ صاحب سنة. وقول الحافظ فيه ربما دلس، غير مسلم، فلم أره لأحد من الأئمة الحفاظ قبله، ولعله أخذه من قول الأعمش: "كان أبو حصين يسمع مني ثم يذهب فيرويه". أي يرويه عن غيره؛ فأبو حصين لا رواية له عن الأعمش.
وهذا لا يسلم لما بين الأعمش وبينه من الخصومة، ولو كان صحيحا لبينه الحفاظ غيرَ الأعمش. والله أعلم
لا يوجد غيره في الصحيحين يُكنى بهذه الكنية. مات سنة سبع وعشرين ومائة، أو بعدها. روى له الجماعة.
قال أبو حَصين: "إِنَّ أَحَدَهُم لَيُفْتِي فِي المَسْأَلَةِ، وَلَوْ وَرَدَتْ عَلَى عُمَرَ، لَجَمَعَ لَهَا أَهْلَ بَدْرٍ". انتهى
الجُرأة على الفتوى نتيجةٌ لرقة الدين، وقلةِ الورع، وعُمقِ غَور الجهلِ، ولمّا كثر هذا في أبناء هذا الزمن، كثرت الفتوى بجهل، والكلام في دين الله من الجهال في كل صغيرة وكبيرة. وإلى الله المشتكى من هذا الحال.
(عن أبي صالح)ذكوان السمان المدني. ثقة.
(عن أبي هريرة)الدوسي رضي الله عنه.
رجاله كلهم تقدموا سوى أبي حصين وهو ثقة حافظ كما علمتم.
قال أبو هريرة:(عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تَسَمَّوْا) أمر بصيغة الجمع (باسْمِي) محمد وأحمد، وأما محمود فلا يصح اسما للنبي صلى الله عليه وسلم كما هو منتشر عند العامة، والأمر للإباحة لأنه قرن بالنهي(وَلاَ تَكْتَنُوا)وفي رواية الأربعة "ولا تَكَنَّوا"(بِكُنْيَتِي)أبي القاسم،اختلف في هذا النهي، هل هو عام أو خاص أو منسوخ؟ عَلَى أقوال:
أقواها مذهب مالك أنه يجوز التكني به مطلقًا، وجعل النهي مختصًّا بحياته؛ لأن الحديث ورد عَلَى سبب، فإن اليهود تكنوا به، وكانوا ينادون يا أبا القاسم، فيلتفت صلى الله عليه وسلم فيقولون: لم نَعْنِكَ؛ إظهارًا للإيذاء، وقد زال ذَلِكَ المعنى.
وذهب قوم إلى أن النهي منسوخ بالإباحة في حديث علي وطلحة، ونُقل عن الجمهور، وسمى جماعةٌ أبناءَهم محمدًا وكنَّوهم بأبي القاسم، وستأتي هذه المسألة إن شاء الله(وَمَنْ رَآنِي فِي المَنَامِ فَقَدْ رَآنِي)حقًّا،رؤية صادقة لا اشتباه فيها ولا تخييل (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي) أي لا يأتي في المنام في مثل صورتي الحقيقية، بنفس صفاتي في الواقع، وسيأتي التفصيل في هذه المسألة في موضعها إن شاء الله(وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ).
مقتضى هذا الحديث استواءُ تحريم الكذب عليه في كل حال سواءٌ في اليقظةِ والنومِ.
قال الحافظ: "(تَنْبِيهٌ): رَتَّبَ الْمُصَنِّفُ أَحَادِيثَ الْبَابِ تَرْتِيبًا حَسَنًا؛ لِأَنَّهُ بَدَأَ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَفِيهِ مَقْصُودُ الْبَابِ، وَثَنَّى بِحَدِيثِ الزُّبَيْرِ الدَّالِّ عَلَى تَوَقِّي الصَّحَابَةِ وَتَحَرُّزِهِمْ مِنَ الْكَذِبِ عَلَيْهِ، وَثَلَّثَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ امْتِنَاعَهُمْ إِنَّمَا كَانَ مِنَ الْإِكْثَارِ الْمُفْضِي إِلَى الْخَطَأِ لَا عَنْ أَصْلِ التَّحْدِيثِ؛ لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِالتَّبْلِيغِ، وَخَتَمَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي فِيهِ الْإِشَارَةُ إِلَى اسْتِوَاءِ تَحْرِيمِالْكَذِبِ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَتْ دَعْوَى السَّمَاعِ مِنْهُ فِي الْيَقِظَةِ أَوْ فِي الْمَنَامِ". انتهى المراد.
الحديث متفق عليه.
قال الشراح: وقد أورد المصنف حديث:" من كذب عليّ.." هاهنا عن جماعة من الصحابة علي والزبير وأنس وسلمة وأبي هريرة.
وهو حديث في غاية الصحة ونهاية القوّة، وقد أطلق القول بتواتره جماعة، وعورض بأن المتواتر شرطه استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة وليست موجودة في كلطريق بمفردها، وأجيب: بأن المراد من إطلاق تواتره رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كافٍ في إفادة العلم.
وقالوا: وهو حديث جليل حفيل متواتر مقطوع به لا يوجد لَهُ مشابه في طرقه وكثرتها.
وقال البزار: "وَقَدْ رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَلَمْ يَكُنْ إِسْنَادُهُمَا بِالْقَوِيِّ فَذَكَرْنَا عَنِ الزُّبَيْرِ إِذْ كَانَ أَجْوَدُ إِسْنَادًا. وَيروى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَرَوَى ذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ".
وقد جمع الحافظ الطبراني رحمه الله طرق هذا الحديث في رسالة مطبوعة باسم: "طرق حديث من كذب علي متعمدا" فرواه عن ستين صحابياً.
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم