إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ
(باب غَسْلِ الأَعْقَابِ) جمع عَقِب، وهو مُؤخَّر القدم، وهي مؤنثة.
كثير من الناس اليوم يسمونها كعباً.
يقولون كعب القدم.
أي باب وجوب غسل العَقِب وما يُلحق بها مما في معناها من جميع الأعضاء التي قد يحصل التساهل في إتمام غسلها.
قال الشراح: لذلك ذكر موضع الخاتم؛ لأنه قد لا يصل إليه الماء إذا كان ضيقًا.
فقال: (وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ) محمد التابعي الجليل (يَغْسِلُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ إِذَا تَوَضَّأَ) خبر اين سيرين هذا وصله ابن أبي شيبة في مصنفه (427)، والبخاري في تاريخه (1/ 648- طبعة الناشر المتميز)، ولفظه عند ابن أبي شيبة: "أنه كان إذا توضأ حرك خاتمه". ولفظه عند البخاري: " كَانَ يغسل مَوضِع الْخَاتم". وهو صحيح عنه.
وأخرجه البخاري أيضاً في تاريخه (4/ 509) ومن طريقه ابن عساكر في تاريخ دمشق من طريق عاصم الأحول أنه رَأَى ابْنَ سِيرينَ تَوَضَّأَ، وحَرَّكَ خَاتَمَهُ.
وأخرجه أبو الشيخ الأصبهاني في طبقات المحدثين.
قال الحافظ ابن حجر: "قَالَ البُخَارِيّ فِي التَّارِيخ حَدَّثنا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل ثَنَا مهْدي بن مَيْمُون عَن ابْن سِيرِين: "أَنه كَانَ يغسل مَوضِع الْخَاتم".
وَقَالَ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي المُصَنّف عَن هشيم عَن خَالِد الْحذاء عَن ابْن سِيرِين:" أَنه كَانَ إِذا تَوَضَّأ حرك خَاتمه".
قلت -الكلام للحافظ-: الإسنادان إِلَيْهِ صَحِيحَانِ، فَيحمل على أَنه كَانَ فِي رِوَايَة التحريك وَاسِعًا بِحَيْثُ وصل إِلَيْهِ المَاء وصُولاً مُستمكَناً.
وَرُوِيَ عَن أبي رَافع عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه كَانَ إِذا تَوَضَّأ حرك خَاتمه. رَوَاهُ ابْن مَاجَه بِسَنَد ضَعِيف. انتهى
وذهب الشافعي والحنفية إلى أنه إن كان الخاتم واسعًا بحيث يدخل الماء تحته أجزأ من غير تحريكه، وإن كان ضيفًا فليحرك.
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد اللَّه يُسألُ عن تحريك الخاتم في الوضوء؟ فقال: إذا كان واسعًا يدخله الماء أجزأه، وإن كان ضيقًا لا يدخله الماء، حرَكه.
وقال أبو داود: سمعت أحمد قيل له: يتوضأ يحرك خاتمه؟
قال: إذا كان ضيقا فلا بد من أن يخرجه.
قال حنبل: سألت أبا عبد اللَّه عن جنب اغتسل وعليه خاتم ضيق؟
قال: يغسل موضع الخاتم.
قلت: فإن جف غُسْله؟ قال: يغسله. قلت: فإن صلى ثم ذكر؟ قال: يغسل موضعه ثم يعيد الصلاة.
وذكر هارون المستملي أن أبا عبد اللَّه أحمد بن حنبل: أنكر تحريك الخاتم إلا ثلاثة أحاديث -يعني موقوفة على أصحابها-: حديث علي بن داود العطار، وحديث ابن مهدي عن ابن سيرين والحسن، وحديث جعفر بن برقان، عن حبيب بن أبي مرزوق، لم يكن عنده غير هذِه الثلاثة أحاديث. انتهى
قال ابن المنذر: ذِكْرُ تَحْرِيكِ الْخَاتَمِ فِي الْوُضُوءِ:
اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَحْرِيكِ الْخَاتَمِ فِي الْوُضُوءِ، فَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ حَرَّكَ خَاتَمَهُ فِي الْوُضُوءِ: عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو، وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنُ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ.
وقال: وَرَخَّصَتْ فِيهِ طَائِفَةٌ، فَمِمَّنْ رَخَّصَ فِيهِ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَقَالَ خَالِدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: رَأَيْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَتَوَضَّأُ وَخَاتَمُهُ فِي يَدِهِ فَلَا يُحَرِّكُهُ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ يُحِيلُهُ بِحَرَكَةٍ إِنْ كَانَ ضَيِّقًا، وَيَدَعُهُ إِنْ كَانَ وَاسِعًا سَلِسًا.
هَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وَكَذَلِكَ نَقُولُ. انتهى
لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة رضي الله عنهم فيه شيء، وكانوا يلبسون الخاتم.
قال الإمام مالك: لا يحرك الخاتم في وضوء ولا غسل، وما هو من عمل الناس. انتهى
لو حرك الضيق كان أفضل وأكمل وخرج من الخلاف، ولكنه لو لم يفعل لا نلزمه بالإعادة، فهو من اليسير المعفو عنه إن شاء الله.
قال بعض المالكية في بيان أحد التعليلين:
" إنَّ الْخَاتَمَ لَمَّا كَانَ مَلْبُوسًا مُعْتَادًا، يُسْتَدَامُ لُبْسُهُ مِنْ غَيْرِ نَزْعٍ فِي الْغَالِبِ؛ لَمْ يَجِبْ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ بِالْوُضُوءِ كَالْخُفَّيْنِ". انتهى
وكما عفي عن غسل ما تحت الشعر الكثيف أيضاً. والله أعلم
165 - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ -وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا وَالنَّاسُ يَتَوَضَّئُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ - قَالَ: أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ».
(حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ) العسقلاني ثقة تقدم (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج، إمام تقدم (قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ) القرشي الجُمحي مولاهم، أبو الحارث المدني، نزيل البصرة. تابعي، ثقة. روى له الجماعة.
(قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا، وَالنَّاسُ يَتَوضَّؤُونَ مِنَ الْمِطْهَرَةِ) هي الإناء المعدّ للتطهير (قَالَ) وفي رواية: "فقال" أي أبو هريرة: (أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ) أي أتموه، أعطوا كل عضو حقه من الغسل (فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ")
قال البغوي رحمه الله: وَمَعْنَى قَوْلِهِ: «وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» أَيْ: لأَصْحَابِ الأَعْقَابِ الْمُقَصِّرِينَ فِي غَسْلِهَا، كَمَا قَالَ اللَّهُ سبحانه وتعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ} [يُوسُف: 82]، أَيْ: أَهْلَ الْقَرْيَةِ.
وَقِيلَ: أَرَادَ أَنَّ الْعَقِبَ يُخَصُّ بِالْعَذَابِ إِذَا قُصِّرَ فِي غَسْلِهَا، وَالْعَقِبُ: مَا أَصَابَ الأَرْضَ مِنْ مُؤَخَّرِ الرِّجْلِ إِلَى مَوْضِعِ الشِّرَاكِ.
قَالَ البغوي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ الْمَنْقُولُ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم..". انتهى المراد.
قال ابن حجر: قَوْلُهُ: (فَإِنَّ أَبَا الْقَاسِمَ) فِيهِ ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِكُنْيَتِهِ وَهُوَ حَسَنٌ، وَذِكْرُهُ بِوَصْفِ الرِّسَالَةِ أَحْسَنُ.
وَفِيهِ أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَدِلُّ عَلَى مَا يُفْتِي بِهِ؛ لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي نَفْسِ سَامِعِهِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ الْأَعْقَابِ، وَإِنَّمَا خُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِصُورَةِ السَّبَبِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، فَيَلْتَحِقُ بِهَا مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ الَّتِي قَدْ يَحْصُلُ التَّسَاهُلُ فِي إِسْبَاغِهَا.
وَفِي الْحَاكِمِ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ: "وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ وَبُطُونِ الْأَقْدَامِ مِنَ النَّارِ".
وَلِهَذَا ذَكَرَ فِي التَّرْجَمَةِ أَثَرَ ابْنِ سِيرِينَ فِي غَسْلِهِ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَصِلُ إِلَيْهِ الْمَاءُ إِذَا كَانَ ضَيِّقًا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم