شرح صحيح البخاري ح(286,287)

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى


  • بَابُ كَيْنُونَةِ الجُنُبِ فِي البَيْتِ، إِذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ

    286 - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، وَشَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ " أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْقُدُ وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ "

    (بابُ) جواز (كَيْنُونَةِ الجُنُبِ) أي: استقراره، أي جواز أن يوجد الجنب ويستقر (في البَيْتِ) وهو جنب (إذا تَوَضَّأَ، قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ) بعض النسخ ليس فيها: "إذا توضأ قبل أن يغتسل".

    قال ابن حجر: "قِيلَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى تَضْعِيفِ مَا وَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا:" إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ وَلَا جُنُبٌ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ.

    وَفِيهِ: "نُجَيٌّ" -بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْجِيمِ- الْحَضْرَمِيُّ مَا رَوَى عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَهُوَ مَجْهُولٌ، لَكِنْ وَثَّقَهُ الْعِجْلِيُّ، وَصَحَّحَ حَدِيثَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَالْحَاكِمُ". انتهى

    الحديث ضعيف، ونُجَي مجهول، لم يوثقه إلا المتساهلون في توثيق المجاهيل، المعروفون بذلك.

    أما ابن حبان فقال فيه: "لَا يُعجبنِي الِاحْتِجَاج بِخَبَرِهِ إِذا انْفَرد".

    قال البخاري: عبد الله بن نجي الحضرمي، عن أبيه، عن علي، رضي الله عنه، فيه نظر.

    وروي عن عبد الله بن نُجي عن علي.

    قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، عن إسحاق بن منصور، قال: قلت ليحيى بن مَعين: عبد الله بن نجي سمع من علي؟ قال: لا؛ بينه وبين علي أَبوه.

    وعبد الله بن نجي مختلف فيه والأقرب أنه لا يحتج به.

    ذكر له ابن عدي أحاديث، وقال: ولعبد الله بن نُجي عن علي غير ما ذكرتُ من الحديث، وأخباره فيها نظر. انتهى

    وقد صح من وجه آخر من غير ذكر الجنب فيه، وسيأتي إن شاء الله.

     

    (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دكين.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ) ابن أبي عبد الله الدستوائي. ثقة من أثبت الناس في يحيى بن أبي كثير (وَشَيْبَانُ) بن عبد الرحمن التميمي النَّحوي المؤدب، كلاهما (عَنْ يَحْيَى) ابْنِ أَبِي كَثِيرٍ، ثقة لكنه يدلس، وقد صرح بالسماع عند ابن أبي شيبة وغيره، وهو متابع أيضاً.

    (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) هو ابن عبد الرحمن بن عوف.

    (قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ) رضي الله عنها (" أَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْقُدُ) أي ينام (وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَتْ: نَعَمْ) يرقد (وَيَتَوَضَّأُ) الواو لا تقتضي الترتيب، فالمراد أنه كان يجمع بين الوضوء والنوم، فكأنها قالت: إذا أراد النوم يقوم ويتوضأ ثم يرقد، ويدل له رواية مسلم: "كان إذا أراد أن ينام وهو جنب يتوضأ وُضوءَه للصلاة".

    قال ابن حجر: "وَهَذَا السِّيَاقُ أَوْضَحُ فِي الْمُرَادِ.

    وَلِلْمُصَنِّفِ مِثْلُهُ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِزِيَادَةِ "غَسَلَ الفَرْج".

    الحديث متفق عليه.

     

     

     

    287 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ».

    قال القسطلاني: "وقدزادفيروايةكريمة هنا: (بابنومالجنب)، وهو ساقط في رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي، وهو أولى لحصول الاستغناء عنه باللاحق". انتهى

    (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) بن سعيد، أبو رجاء البغلاني (قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) بن سعد (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) رضي الله عنه (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ) رضي الله عنه (سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وفي نسخة: (أنه) أي عمر (قال) للنبي: (أَيَرْقُدُ) أينام (أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟) أي أيجوز له وهو جنب أن ينام قبل أن يغتسل (قَالَ) رسول الله صلى الله عليه وسلم نَعَمْ) يجوز له ذلك، وقال صلى الله عليه وسلم: (إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلْيَرْقُدْ وَهُوَ جُنُبٌ) أي إذا أراد النوم وهو جنب، فلينم بعد أن يتوضأ.

    قال الشراح: ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن جواز رقاد الجنب في البيت يقتضي جوازَ استقراره فيه.

    وقال ابن رجب: "ومراد البخاري بهذين الحديثين في هَذا الباب: الاستدلالُ على جواز تأخير الغُسل من الجنابة لغير الضرورة، وإن كان الجنبُ في بيته، وإن نام في بيته وَهوَ جنب، ولكنه إذا أراد النوم فإنه يستحب أن يتوضأ، وقد أفرد لذلك باباً بعد هَذا.

    ويتعلق بهذا: حكم أكل الجنب، وقد وردت فيهِ أحاديث لَم يخرجها البخاري:

    فخرج مسلم من حديث شعبة، عَن الحكم، عَن إبراهيم، عَن الأسود، عَن عائشة، قالت: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانَ جُنباً فأراد أنيأكلأوينام توضأ".

    وخرجه وكيع في كتابه، وعنه الإمام أحمد، وزاد: "أو يشرب".

    وقد تُكلِّم في لفظة: "الأكل":

    قالَ الإمام أحمد: قالَ يحيى بنِ سعيد: رجع شعبةُ عَن قولُهُ: "يأكل"، قالَ أحمد: وذلك لأنه ليسَ أحد يقوله غيره، إنما هوَ في النوم. انتهى.

    ثم ذكر أحاديث في وضوء الجنب إذا أراد أن يأكل، وكلها ضعيفة لا يصح شيء منها.

    وقال: وقد اختلف العلماء في الجنب إذا أراد الأكل:

    فقالت طائفة منهم: يتوضأ، منهُم: علي، وابن عمر، وابن سيرين، وأبو جعفر محمد بنِ علي، والنخعي ورَّخص في الشرب بغير وُضوء دونَ الأكل.

    واستحباب الوضوء للأكل قول الشَافِعي، وأحمد في رواية، وقال معَ هَذا: لا يكره تركه.

    وقال القاضي أبو يعلى من أصحابنا: يكره تركه.

    وقالت طائفة: المستحب للجنب إذا أراد الأكل أن يغسل كفيه - ومنهم من قالَ: ويُمضمض -، وروي هَذا عَن ابن المسيب، ومجاهد، والزهري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، وَهوَ رواية عَن أحمد، وزعم الخلال أن أحمد رجع إليها أخيراً.

    وأنكرت طائفةٌ الوضوءَ وغَسلَ اليد للأكل، روي عَن مالك، وقال: لا يغسل يده إلاّ أن يكون فيها قذر. انتهى

    وقال ابن المنذر: وقال النخعي؛ لا بأس أن يشرب الجنب قبل أن يتوضأ، وقال مالك: يغسل يديه إذا كان الأذى قد أصابهما، وقال أحمد، وإسحاق: يغسل يده وفاه.

    وقال أصحاب الرأي: إذا أراد أن يأكل يغسل يده ويتمضمض ثم يأكل، ولا يضره إن كانت يداه نظيفتين أن يأكل ولم يغسلهما.

    قال أبو بكر: أُحبُّ إذا أراد أن يطعم أن يتوضأ، فإن اقتصر على غسل فرجه وتمضمض طعم، وأَحبُّ إليّ أن يغسل كفيه إن كان بهما أذى. انتهى

    وقول مالك أحسن الأقوال. والله أعلم

    الحديث متفق عليه

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم