شرح صحيح البخاري ح338

إسم الكاتب : فضيلة الشيخ أبو الحسن علي الرملي حفظه االله تعالى


  • بَابٌ: المُتَيَمِّمُ هَلْ يَنْفُخُ فِيهِمَا؟

    أي: هل ينفخ في يديه بعدما يضرب بهما الصعيد.

    قال ابن حجر: "وَزَعَمَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ النُّسَخِ: "بَابُ هَلْ يَنْفُخُ فِي يَدَيْهِ بَعْدَمَا يَضْرِبُ بِهِمَا الصَّعِيدَ لِلتَّيَمُّمِ".

    وَإِنَّمَا تَرْجَمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِيُنَبِّهَ عَلَى أَنَّ فِيهِ احْتِمَالًا كَعَادَتِهِ؛ لِأَنَّ النَّفْخَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ عَلِقَ بِيَدِهِ خَشِيَ أَنْ يُصِيبَ وَجْهَهُ الْكَرِيمَ، أَوْ عَلِقَ بِيَدِهِ مِنَ التُّرَابِ شَيْءٌ لَهُ كَثْرَةٌ فَأَرَادَ تَخْفِيفَهُ لِئَلَّا يَبْقَى لَهُ أَثَرٌ فِي وَجْهِهِ.

    وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ التَّشْرِيعِ، وَمِنْ ثَمَّ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَجَازَ التَّيَمُّمَ بِغَيْرِ التُّرَابِ زَاعِمًا أَنَّ نَفْخَهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشْتَرَطَ فِي التَّيَمُّمِ الضَّرْبُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ.

    فَلَمَّا كَانَ هَذَا الْفِعْلُ مُحْتَمِلًا لِمَا ذَكَرَ أَوْرَدَهُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِيَعْرِفَ النَّاظِرُ أَنَّ لِلْبَحْثِ فِيهِ مَجَالًا". انتهى

    قال ابن المنذر في الأوسط: واختلف أهل العلم في نفض اليدين أو النفخ فيهما إذا ضرب بهما الأرض للتيمم، فقالت طائفة: ينفضهما، كذلك قال الشعبي، وقال مالك: ينفضهما نفضًا خفيفًا.

    وقال الشافعي: إذا علقهما شيء كثير من الغبار، فلا بأس أن ينفض منه إذا بقي في يده غبار يماس الوجه.

    وقال أحمد في نفض اليدين: لا يضره فعل أو لم يفعل، وقال إسحاق نحوًا من قول الشافعي، وقال أصحاب الرأي: ينفضهما، وكان ابن عمر لا ينفض يديه.

    قال أبو بكر: كما قال أحمد أقول، غير أنالنفخفياليدين أحب إلي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفخ فيهما.

    وقال أحمد: لا يضر فَعل أو لم يفعل. وكان ابن عمر لا ينفض يده.

    قال أبو بكر: كما قال أحمد أقول، غير أن النفخ في اليدين أحب إلي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نفخ فيهما". انتهى

    ما قاله ابن المنذر هو الصواب. والله أعلم

     

    338 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ ذَرٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ، فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: أَمَا تَذْكُرُ أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا» فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ

     

    (حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس العسقلاني.

    (قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث.

    (حَدَّثَنَا الحَكَمُ) ابن عتيبة، ثقة حافظ فقيه ربما دلس؛ لكنه صرح بالسماع عند المصنف كما سيأتي، وعند مسلم وغيره.

    (عَنْ ذَرٍّ) هو ذر بن عبد الله بن زرارة المُرْهِبيّ الهَمْداني، أبو عمر الكوفي. من أتباع التابعين، ثقة عابد مرجئ. مات قبل المائة. روى له الجماعة.

    كان يقص، هجره إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير للإرجاء.

    (عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى) الخُزاعي مولاهم، الكوفي. تابعي ثقة، روى له الجماعة.

    (عَنْ أَبِيهِ) عبد الرحمن بن أَبزى الخُزاعي مولاهم، الكوفي. صحابي صغير، وكان في عهد عمر رجلاً. وكان على خراسان لعلي. روى له الجماعة.

    (قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ) قال ابن حجر: (لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ:" أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ"، وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ الْآتِيَةِ:" أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبْزَى شَهِدَ ذَلِكَ" (إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) رضي الله عنه (فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ) أي صرت جنبًا (فَلَمْ أُصِبِ المَاءَ) أي لم أجده.

    (فَقَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ) بن عامر بن مالك العنسي، أبو اليقظان حليف بني مخزوم، وأمّه سمية مولاة لهم. صحابي جليل مشهور، كان من السابقين الأولين، هو وأبوه، وكانوا ممن يعذّب في اللَّه.

    واختُلف في هجرته إلى الحبشة، وهاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد كلها، ثم شهد اليمامة فقطعت أذنه بها، ثم استعمله عمر على الكوفة، وكتب إليهم: أنه من النّجباء من أصحاب محمد.

    قال الحافظ: وتواترت الأحاديث عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنّ عمارا تقتله الفئة الباغية، وأجمعوا على أنه قتل مع علي بصفّين سنة سبع وثمانين في ربيع وله ثلاث وتسعون سنة، واتفقوا على أنه نزل فيه: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ} [النحل/ 106]. روى له الجماعة.

    قال (لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ) رضي الله عنه: (أَمَا تَذْكُرُ) يا أمير المؤمنين (أَنَّا كُنَّا فِي سَفَرٍ) ولمسلم "في سرية" وزاد: "فأجنبنا" (أَنَا وَأَنْتَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ) أي تمرّغت في الصعيد. وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بَعْدُ "فَتَمَرَّغْتُ" بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ تَقَلَّبْتُ. وفي رواية في مسلم: "فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ"، وفي أخرى: "‌فَتَمَعَّكْتُ في التراب"، قياساً على الغسل بالماء (فَصَلَّيْتُ، فَذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلم، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا») وفي رواية: "هذا" (فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ وَنَفَخَ فِيهِمَا) نفخًا (ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ).

    وفي رواية مسلم: "فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الْأَرْضَ، ثُمَّ تَنْفُخَ، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ؟ فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللهَ يَا عَمَّارُ، قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ».

    وزاد في رواية: "فَقَالَ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ".

    الحديث متفق عليه

    فوائد الحديث من كلام البسام بتصرف:

    1 - مشروعيَّةُ التيمُّم للصلاة، وغيرها من العبادات الواجب لها الطهارةُ؛ فالتيمُّم أحدُ الطهورَيْن المشروعَيْن.

    2 - بيانُ صفة التيمُّم، وهو أنْ يضرب الأرض بيديه ضربةً، فيمسح وجهه بباطن كفيه، ويمسح كلَّ ظاهر يدٍ بالأخرى، سواءٌ في الحدث الأصغر أو الأكبر، فصفته واحدة.

    3 – استحباب النفخ في اليدين بعد ضربهما في الصعيد، ثمَّ مسح الوجه والكفين بهما، ولا يتعدَّاهما إلى الذراعين.

    4 - أنَّ التيمُّم ضربةٌ واحدة تكفي للوجه واليدين.

    5 - جوازُ الاجتهاد في مسائل العلم، حتَّى في زمن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهي مسألة خلافيَّةٌ بين الأصوليين، وأرجَحُ الأقوال الثلاثة: جوازه في غَيبة النَّبي صلى الله عليه وسلم، والبُعْدِ عن سؤاله.

    6 - فيه استعمالُ أصل القياس، وإقرارُ النَّبي صلى الله عليه وسلم صاحبه، فهذا عمّارٌ قاس التطهُّر بالتراب على التطهُّر بالماء، فكما أنَّ الماء يَعُمُّ البدنَ في الغسل من الجنابة، فكذلك يقاسُ عليه الترابُ، فيعمّم به البدن.

    وحكى ابن الملقِّن عن تقي الدِّين فقال: استعمالُ القياس لابد فيه من تقدَّم العلم بمشروعيَّة التيمُّم، وكأنَّ عمَّارا لمَّا رأى الوضوءَ خاصٌّ ببعض

    الأعضاء، وكان بدله -وهو التيمم- خاصًّا، وجب أنْ يكون بَدَلُ الغُسْلِ الذي يَعُمُّ جميعَ البدن، عامًّا لجميع البدن.

    7 - النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر عمَّارًا بالإعادة؛ فدل هذا على أنَّ مَنْ عَبَدَ الله على طريق غير مشروعة جهلاً، فإنَّه يعلَّم لمستقبل أمره، ولا يُؤْمَرُ بقضاء ما فاته في أيَّام جهله ولهذه المسألة أدلَّةٌ كثيرة في الشرع، منها هذا، ومنها: قصَّة الرجل المسيء في صلاته.

    قال شيخ الإسلام: وما تركه لجهله بالواجب، مثلُ مَنْ كان يصلِّي بلا طمأنينة، فالصحيحُ: أنَّ مِثْلَ هذا لا إعادةَ عليه إذا خرَجَ وقت العبادة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمسيء في صلاته: "اذهب فصلِّ؛ فإنك لم تصلِّ" [رواه البخاري (724)، ومسلم (397)].

    8 - التعليمُ بالقول والفعل يكونُ بتمثيل المطلوب تعلُّمه، وهو ما يسمَّى الآن "وسائل الإيضاح".

    9 - سماحةُ هذه الشريعة ويُسْرُها؛ كما قال تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78].

    10 - فيه مراجعة العلماء فيما حَصَلَ به الاجتهاد؛ فإنَّ عمَّارًا راجَعَ فيما اجتهد فيه.

    قال النووي: "مَعْنَى قَوْلِعُمَرَ: ‌"اتَّقِاللَّهَيَاعَمَّارُ" أَيْ فِيمَا تَرْوِيهِ، وَتَثَبَّتْ فِيهِ، فَلَعَلَّكَ نَسِيتَ أَوِ اشْتَبَهَ عَلَيْكَ، فَإِنِّي كُنْتُ مَعَكَ وَلَا أَتَذَكَّرُ شَيْئًا مِنْ هَذَا.

    وَمَعْنَى قَوْلِ عَمَّارٍ: إِنْ رَأَيْتُ الْمَصْلَحَةَ فِي الْإِمْسَاكِ عَنِ التَّحْدِيثِ بِهِ رَاجِحَةً عَلَى التَّحْدِيثِ بِهِ وَافَقْتُكَ وَأَمْسَكْتُ؛ فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُهُ فَلَمْ يَبْقَ عَلَيَّ فِيهِ حَرَجٌ.

    فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ، أَيْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِي لَا أَتَذَكَّرُهُ أَنْ لَا يَكُونَ حَقًّا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلَيْسَ لِي مَنْعُكَ مِنَ التَّحْدِيثِ بِهِ". انتهى

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم