إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ الصَّلاَةِ إِلَى العَنَزَةِ
(بابُ الصلاةِ إلى) جهة (العَنَزة) فتكون العنزةُ سترةً للمصلي.
والعنزة: عصًا أقصرُ مِن الرُّمح لها سِنانٌ، أي رأسٌ كرأس الرُّمح، وهي مثل نصف الرمح، وأقصر من الحَربة. وقيل: هي الحربة القصيرة.
499 - حَدَّثَنَا آدَمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالهَاجِرَةِ، فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ، فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ وَالمَرْأَةُ وَالحِمَارُ يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا»
(حَدَّثَنَا آدَمُ) بن أبي إياس العسقلاني.
(قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ) بن الحجاج أبو بسطام.
(قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ) السُّوائي.
(قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي) وهب بن عبد الله السُّوائي رضي الله عنه (قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالهَاجِرَةِ) نصفُ النهار، وقتَ اشتداد الحر (فَأُتِيَ بِوَضُوءٍ) أي بماء (فَتَوَضَّأَ، فَصَلَّى بِنَا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ) جمع بينهما في وقت الأولى (وَبَيْنَ يَدَيْهِ) أمامَه (عَنَزَةٌ، وَالمَرْأَةُ وَالحِمَارُ) وغيرُهما (يَمُرُّونَ مِنْ وَرَائِهَا) أي مِن وراء العنزة، لا بينه وبين العنزة، كما تقدم بيانه في رقم 495.
متفق عليه. وقد تقدم شرح الحديث برقم 187و376
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ بْنِ بَزِيعٍ) أبو بكر أو أبو سعيد البصري، نزيل بغداد، يروي عن أتباع التابعين، ثقة، مات سنة تسع وأربعين ومائتين. روى له البخاريُّ ومسلمٌ وأبو داود والنسائي
(قَالَ: حَدَّثَنَا شَاذَانُ) الأسودُ بنُ عامر الشامي.
(عَنْ شُعْبَةَ) بنِ الحجاج، أبو بسطام.
(عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ) البصري، صدوق قدري، في أحاديثه بعضُ ما يُنكر، تقدم.
(قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَرَجَ لِحَاجَتِهِ) لقضاء حاجته (تَبِعْتُهُ أَنَا وَغُلاَمٌ، وَمَعَنَا عُكَّازَةٌ) عصا ذاتُ زُجٍّ، والزُّج: حديدةٌ تركب في أسفل الرمح، والبعض قال هي السِّنان (أَوْ عَصًا أَوْ عَنَزَةٌ) عصا أقصر من الرمح لها سِنانٌ.
(وَمَعَنَا إِدَاوَةٌ) إناء فيه ماء (فَإِذَا فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ نَاوَلْنَاهُ الإِدَاوَةَ) فيستنجي بالماء.
الحديث متفق عليه
والحديث تقدم شرحه برقم 150
قال ابن رجب: وظاهر تبويب البخاري يدل على التفريق بين العنزة والحربة، وأكثر العلماء فسروا العنزة بالحربة".
وقال: "وصلاته صلى الله عليه وسلم إلى العَنزةِ والحَربةِ يستفاد منه:
أن السترة يُستحب أن يكون عرضُها كعرض الرُّمحِ ونحوِه، وطولُها ذراعٌ فما فوقه".
الذراع تقريبا نصف متر.
وقال: "قال ابن المنذر: جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا وضعَ أحدُكم بين يديه مثلَ مُؤخِّرة الرحلِ فليصل، ولا يبالي مَن مر وراء ذلك".
الحديث أخرجه مسلم عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي وَالدَّوَابُّ تَمُرُّ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَذَكَرْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: "مِثْلُ مُؤْخِّرَةِ الرَّحْلِ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ".
وقال: "وقال أنس وأبو هريرة بذلك في الطول.
وقال الأوزاعي: يُجزئ السهم والسوط والسيف.
وقال عطاء: قدرُ مُؤخِّرة الرحل يكون حَالُقها -في الإشراف: خالصها، يعنون ارتفاعها- على وجه الأرض ذِراعًا.
وبه قال الثوري وأصحاب الرأي.
وقال مالك والشافعي: قدرُ عظمِ الذراع فصاعدا.
وقال قتادة: ذراعا وشبرا.
وقال الأوزاعي: يستر المصلي مثل مؤخرة الرحل، وبه قال الثوري. انتهى. وسئل أبو العالية عن السُّترة؟ فقال: طول الرحل، والعَرض ما عَرُض أحبُّ إليّ.
وقال ابن عبد البر: قال مالك: أقلُّ ما يُجزئ المصلي في السَّترةِ غِلظُ الرُّمح، وكذلك السوط إن كان قائما، وارتفاعها: قدرُ عظم الذراع، هذا أقل ما يجزئ عنده.
ولا تفسد عنده صلاةُ مَن صلى إلى غير سترة، وإن كان ذلك مكروها له.
وقول الشافعي في ذلك كقول مالك.
وقال الثوري وأبو حنيفة: أقلُّ السترة: قدرُ مؤخرة الرحل، ويكون ارتفاعُها على ظهر الأرض ذراعًا، وهو قول عطاء.
وقال قتادة: ذراع وشبر.
وقال الأوزاعي: قدر مؤخرة الرحل، ولم يَحُدّ ذراعًا، ولا عظمَ ذراع، ولا غيرَ ذلك، وقال: يُجزِئ السهم والسوط والسيف - يعني في الغِلظ. انتهى.
وفي "تهذيب المدونة" للبرادعي المالكي: ويستره قدر مؤخرة الرحل، وهو نحوٌ مِن عظم الذراع. قال مالك: وإني لأحبُّ أن يكون في جُلِّة الرُّمح -أي في غِلظِه- أو الحَربة، وليس السوط بسترة. انتهى.
وأما مذهب الشافعي وأصحابِه، فيستحب عندهم أن يكون ارتفاع السترة قدر مؤخرة الرحل، واختلفوا في تقديرها، فالمشهور عندهم: أنها نحوُ ثلثي ذراع فصاعدا. وقيل: ذراع، وأما عرضها فلا حد له عندهم، بل يكفي الغليظ والدقيق.
وأما مذهب أحمد وأصحابِه، فنص أحمد على أن السترة قدر مؤخرة الرحل، وأن مؤخرة الرحل ذراع، نقله عنه أكثر أصحابه.
ونقل ابن قاسم، عنه في قدر ما يستر المصلي، قال: قدر عظم الذراع من الأشياء، وهو كمؤخرة الرحل.
وهذا مثل قول من قدره بنحو ثلثي ذراع؛ لأن ذَلِكَ هُوَ طول عظم ذراع الإنسان.
وأما عرضها فلا حد له عند أصحابنا، إلا أنه كلما غلظ كان أولى.
وقال إسحاق: قدر مؤخرة الرحل ذراع.
قال ابن حجر: "اعتبر الفقهاء مؤخرة الرحل في مقدار أقل السترة، واختلفوا في تقديرها بفعل ذلك. فقيل ذراع، وقيل ثلثا ذراع وهو أشهر، لكن في مصنف عبد الرزاق، عن نافع أن مؤخرة رحل ابن عمر كانت قدر ذراع". انتهى
وقال ابن رجب: "وأما إذا لم يجد ما يصلي إليه، إلا ما كان دون مؤخرة الرحل في الانتصاب، مثل حجر أو عصا لا يستطيع نصبَها، فهل يضعها بين يديه ويصلي إليها، أم لا؟ فِيهِ قولان:
أحدهما: أنه يصلي إلى ذَلِكَ إذا لَمْ يجد غيرَه، وحكاه ابن المنذر عَن سَعِيد بن جبير والأوزاعي وأحمد، وَهُوَ قَوْلِ إسحاق –أيضا -.
وروى ابن أبي شيبة في "كتابه" عن الشعبي ونافع بن جبير نحوه.
وقال طائفة من الشافعية: إذا لم يجد شيئا شاخصا بسط مصلًّى.
وروي عن أبي سعيد: كنا نستتر بالسهم والحجر في الصلاة.
ذكره ابن المنذر.
والثاني: تكره الصلاة إلى ذلك.
قال ابن المنذر: كره النخعي الصلاةَ إلى عصا يعرضها.
وقال الثوري: الخط أحب إلي من هذه الحجارة التي في الطريق إذا لم يكن ذراعا.
وحكى بعض من صنف في مذهب سفيان: أن سفيان سئل: هل يجزئ الحبل الممدود المعترض؟ قال: لا يغني من السترة.
وروى حرب بإسناده، عن النخعي، أنه سئل عن الرجل يصلي يستتر بحبل معترضا؟ قال: لو كان الحبل بالطول كان أحبَّ إلي.
وهذا يدل على أن الصلاة إلى المستطيل أولى من الصلاة إلى المعترض عنده؛ لأن المستطيل أشبه بالسترة القائمة.
والأكثرون، كالأوزاعي والثوري وأحمد يرون أن المعترض أولى؛ ولهذا رجحوا في الخط أن يكون معترضا.
وقال: "وأما الخط في الأرض إذا لم يجد ما يستتر به ففيه قولان:
أحدهما: أنه يحصل به الاستتار - أيضا -، وهو قول أبي هريرة، وعطاء، وسعيد بن جبير، والأوزاعي، والثوري، والشافعي في أحد قوليه - ورجحه كثير من أصحابه أو أكثرُهم - وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور.
والثاني: أنه ليس بسترة، وهو قول مالك، والنخعي، والليث، وأبي حنيفة، والشافعي في الجديد.
وقال مالك: الخط باطل".
وذكر حديث الخط وذكر الخلاف في صحته، والصحيح ضعفه.
وقال غير ابن رجب: "وَلَا تَقَعُ السُّتْرَةُ بِالْخَطِّ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَأَجَازَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَتِهِ". انتهى
الراجح لا تجزئ السترة إلا بأن تكون مرتفعةً عن الأرض، أقلُّه قدرُ مؤخرة الرحل، وهي ثلثي ذراع تقريبا 35 سم، وأما العرض فلا حد له والمستحب ألا يقل عن غلظ الرمح والعصا والحربة، وكلما كان أعرض فهو أفضل، ولا يجزئ الخطُّ وما انبسط من غير ارتفاع إلى حد مؤخرة الرحل، هذا مفهوم حديث مسلم. والله أعلم
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم