صحيح البخاري الحديث (607)

إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي


  • بَابٌ: الإِقَامَةُ وَاحِدَةٌ، إِلَّا قَوْلَهُ قَدْ قَامَتِ الصَّلاَةُ

    هذا (بابٌ) بالتنوين (الإقامةُ) التي تقام بها الصلاة ألفاظها (واحِدَةٌ) قال ابن حجر: "وإنما لم يقل واحدة واحدة مراعاة للفظ الخبر الوارد في ذلك، وهو عند ابن حبان في حديث ابن عمر الذي أشرت إليه في الباب الماضي ولفظه: "الأذان مثنى والإقامة واحدة"، وروى الدارقطني وحسنه في حديث لأبي محذورة وأمره أن يقيم واحدة واحدة". انتهى (إلاّ قولَه: قَدْ قامَِت الصَّلاةُ) لا يقولها مرة واحدة، بل مرتين.

    قال ابن حجر في تبويب البخاري هذا: "هو لفظ معمر، عن أيوب كما تقدم، قيل: واعترضه الإسماعيلي بأن إيراد حديث سماك بن عطية في هذا الباب أولى من إيراد حديث ابن علية.

    والجواب: أن المصنف قصد رفع توهم مَن يتوهم أنه موقوف على أيوب؛ لأنه أورده في مقام الاحتجاج به، ولو كان عنده مقطوعًا لم يحتج به". انتهى

    قال ابن المنذر: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ وَإِفْرَادِهَا، فَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْحِجَازِ، وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَهْلِ الشَّامِ، وَالشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ، وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَإِسْحَاقَ، وَأَبِي ثَوْرٍ الْإِقَامَةُ فُرَادَى. وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَنَسٍ".

    يعني حديث الباب هذا.

    وأخرج حديث ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: " كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَثْنَى مَثْنَى، وَالْإِقَامَةُ فُرَادَى، أَوْ قَالَ: وَاحِدَةٌ ".

    وقال ابن المنذر: وَمِمَّنْ رَأَى الْأَذَانَ مَثْنَى مَثْنَى وَالْإِقَامَةَ وَاحِدَةً: عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، وَمَكْحُولٍ.

    وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ مَثْنَى مَثْنَى، هَذَا قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.

    وقد اختلف في الإقامة عن أبي محذورة، وقد ذكرت اختلاف الأخبار فيها في غير هذا الموضع.

    فَقَالَ قَائِلٌ: مِنْ حَيْثُ أَلْزَمْتُمُ الْكُوفِيَّ أَنَّ خَبَرَ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ خَبَرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ فِي مَعْنَى زِيَادَةِ الْأَذَانِ فَاللَّازِمُ لَكُمْ أَنْ تُلْزِمُوا أَنْفُسَكُمْ فِي الْإِقَامَةِ وَالزِّيَادَةِ فِيهَا مَا أَلْزَمْتُمْ مُخَالِفَكُمْ فِي الْأَذَانِ هَذَا قَوْلٌ مَالَ إِلَيْهِ الْمُزَنِيُّ.

    وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، فَقَالَ: أَمَّا الْأَذَانُ فَعَلَى حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَزَلْ يُؤَذَّنُ بِهِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْحَرَمَيْنِ جَمِيعًا، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ يُؤَذَّنُ بِمَكَّةَ إِلَى الْيَوْمِ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَزَلْ وَلَدُ سَعْدِ الْقَرَظِ يُؤَذِّنُونَ بِهِ وَيَذْكُرُونَ أَنَّهُ أَذَانُ بِلَالٍ وَسَعْدٍ، فَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا عَنْهُ، فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُفْرِدُ الْإِقَامَةَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرُوِيَ أَنَّ إِقَامَتَهُ كَانَتْ مَثْنَى مَثْنَى، فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ أَبُو مَحْذُورَةَ انْتَقَلَ عَنْ تَثْنِيَةِ الْإِقَامَةِ إِلَى إِفْرَادِهَا، وَإِلَّا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ، أَوْ رَأَى بِلَالًا بَعْدَ ذَلِكَ يُفْرِدُ الْإِقَامَةَ، فَعَلِمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ إِلَّا عَنْ أَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَانْتَقَلَ إِلَيْهِ ثُمَّ اتِّفَاقُ وَلَدِ أَبِي مَحْذُورَةَ وَوَلَدِ سَعْدِ الْقَرَظِ عَلَيْهِ، وَحِكَايَتُهُمْ ذَلِكَ عَنْ جَدَّيْهِمَا سَعْدِ الْقَرَظِ عَنْ بِلَالٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بَعْدَ الْإِقَامَةِ حَادِثٌ بَعْدَ التَّثْنِيَةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْتَمِعَ مِثْلُ هَؤُلَاءِ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ.

    ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَؤُلَاءِ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى إِفْرَادِ الْإِقَامَةِ فِي قَوْلِهِ: "قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ"، فَوَلَدُ أَبِي مَحْذُورَةَ وَسَائِرُ مُؤَذِّنِي مَكَّةَ يَقُولُونَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّتَيْنِ، وَوَلَدُ سَعْدٍ الْقَرَظِ يَقُولُونَ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً.

    وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ، غَيْرَ أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَذْهَبِ أَهْلِ مَكَّةَ أثْبَتُ".

    وأخرج حديث أنس: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ إِلَّا الْإِقَامَةَ» قَالَ سُلَيْمَانُ: يَعْنِي قَوْلَهُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ.

    وحديث ابْنِ عُمَرَ: " كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَثْنَى مَثْنَى وَالْإِقَامَةُ وَاحِدَةً غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، مَرَّتَيْنِ ".

    وقال: وَهَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَمَكْحُولٍ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَيَحْيَى، وَأَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ". انتهى

    قال ابن رجب: واختلف العلماء في صفة الإقامة على أقوال:

    أحدها: انها فرادى سوى التكبير فإنه مرتين في أولها وآخرها، وهذا قول مالك والليث والشافعي في القديم.

    وممن روي عنه الأمر بإفراد الإقامة: ابن عمر وسلمة بن الأكوع وعطاء والحسن وعمر بن عبد العزيز وعروة، ومكحول والزهري، وقالا: مضت السنة بذلك.

    وقال بكير بن الأشج: أدركت أهل المدينة على ذلك.

    والقول الثاني: أنه تفرد الإقامة سوى التكبير، وكلمة الإقامة، فإنها تثنى، وهو المشهور من مذهب الشافعي، وقول أحمد وإسحاق. وروي عن الحسن ومكحول والزهري والأوزاعي.

    وللشافعية وجه - ومنهم من حكاه قولاً -: أنه يفرد التكبير - أيضًا - في أول الإقامة وآخرها، مع إفراد لفظ الإقامة.

    ولهم قول آخر: انه يفرد التكبير في آخرها خاصة، مع لفظ الإقامة.

    والثالث: أن الإقامة كالأذان مثنى مثنى؛ لحديث أبي محذورة.

    وروي - أيضا - من حديث ابن أبي ليلى، عن معاذ، وعن بلال، وعن أصحاب محمد، كما سبق ذكر الاختلاف عنه.

    وهو قول الكوفيين: النخعي والثوري والحسن بن صالح وأبي حنيفة وأصحابِه وأبي بكر بن أبي شيبة، وهو قول مجاهد وابن المبارك.

    وروي عن علي، وذكره حجاج بن أرطاة، عن أبي إسحاق، عن أصحاب علي وابن مسعود.

    وروي - أيضا - عن سلمة بن الأكوع.

    وقال النخعي: لا بأس إذا بلغ " حي على الصلاة، حي على الفلاح" أن يقولها مرة مرة.

    ولو أن الأذان يؤذن فأقام، فقال النخعي والشعبي: يعيد الأذان.

    وقال الثوري: "يجعل إقامته إذا قام...". يوجد سقط هنا.

    وقال: "ومذهب مالك: أنه يعيد الأذان؛ لكنه يرى الإقامة فرادى.

    والرابع: أنه يجوز تثنية الإقامة وإفرادها، والإفراد أفضل، وهو قول أحمد وإسحاق وداود الظاهري وجماعةٍ من فقهاء أهل الحديث؛ لورود الحديث بذلك كله.

    وكذا قال ابن خزيمة؛ لكنه قال: يجوز الترجيع في الأذان مع تثنية الإقامة، وتثنية الأذان بغير ترجيع مع إفراد الإقامة.

    فأما تثنية الأذان من غير ترجيع وتثنية الإقامة، فلم يصح ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    والخامس: إن أذن وأقام أفرد الإقامة، وإن صلى وحده، وإن اقتصر على الإقامة ثنَّاها لتكون له تأذينا، روي ذلك عن أبي العالية وسليمان بن موسى، ونقله حرب عن إسحاق". انتهى

    قال ابن حجر: "وعن ابن خزيمة: إن ربّعَ الأذان ورجَّع فيه؛ ثنى الإقامة وإلا أفردها، وقيل: لم يقل بهذا التفصيل أحد قبله والله أعلم". انتهى

     

    607 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلاَبَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «أُمِرَ بِلاَلٌ أَنْ يَشْفَعَ الأَذَانَ، وَأَنْ يُوتِرَ الإِقَامَةَ» قَالَ إِسْمَاعِيلُ: فَذَكَرْتُ لِأَيُّوبَ، فَقَالَ: «إِلَّا الإِقَامَةَ»

    تقدم الحديث ورجاله.

    وقوله: (قَالَ (إِسْمَاعِيلُ) ابن علية (فَذَكَرْتُ) أي: حديث خالد الحذاء، وللأصيلي: فذكرته (لِأَيُّوبَ) السختياني (فَقَالَ: «إِلَّا الإِقَامَةَ») أي: قوله: "قد قامت الصلاة" فإنها تقال مرتين؛ لأنها المقصود من الإقامة بالذات.

    قال ابن رجب: "وقول أيوب: " إلا الإقامة"، مراده: أن الحديث فيه هذه اللفظة، ولكن لم يذكر سندها، وقد ذكر سندها عنه سماك بن عطية - على ما تقدم في الباب الذي قبله -، وأن أيوب رواها عن أبي قلابة، عن أنس.

    وقد تابعه - أيضا - معمر، عن أيوب.

    خرج حديثه الإسماعيلي في " صحيحه" من حديث عبد الرزاق: أبنا معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: كان بلال يثني الأذان ويوتر الإقامة، ويقول: " قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة" - مرتين.

    وفي رواية له - أيضا قوله: " قد قامت الصلاة".

    وفي الباب: عن ابن عمر من رواية شعبة..". فذكرها.

    قال القسطلاني: "وما ادّعاه ابن منده من أن قوله في حديث سماك في باب الأذان مثنى مثنى إلاّ الإقامة من قول أيوب غير مسند كما في رواية إسماعيل يعني هذه.

    وقول الأصيلي أنها من قول أيوب لا من قول سماك متعقب بحديث معمر عن أيوب عند عبد الرزاق، ولفظه:" كان بلال يثني الأذان ويوتر الإقامة إلاّ قوله قد قامت الصلاة".

    والأصل أنّ ما كان في الخبر فهو منه حتى يدل دليل على خلافه، ولا دليل في رواية إسماعيل هذه لأنه إنما يتحصل منها أن خالدًا كان لا يذكر الزيادة، وكان أيوب يذكرها، وكل منهما روى الحديث عن أبي قلابة عن أنس، فكان في رواية أيوب زيادةٌ مِن حافظ فتقبل. قاله في الفتح". انتهى  

     

     

    تحميل الملفات :-

جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم