إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ فَضْلِ التَّأْذِينِ
أي هذا بابُ بيان فضل الأذان وما فيه من طرد للشيطان لما فيه من الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله تبارك وتعالى.
استعمل المؤلفُ التأذينَ مراعاةً للفظ الحديث، والمراد الأذان، قال ابن حجر: "والظاهر أن التأذين هنا أطلق بمعنى الأذان؛ لقوله في الحديث: "حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ"، وفي رواية لمسلم: " حَتَّى لَا يَسْمَعَ صَوْتَهُ" فالتقييد بالسماع لا يدل على فعل ولا على هيئة، مع أن ذلك هو الأصل في المصدر". انتهى
608 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ، وَلَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لاَ يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قَضَى النِّدَاءَ أَقْبَلَ، حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاَةِ أَدْبَرَ، حَتَّى إِذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ، حَتَّى يَخْطِرَ بَيْنَ المَرْءِ وَنَفْسِهِ، يَقُولُ: اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا، لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لاَ يَدْرِي كَمْ صَلَّى "
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسيُّ الدمشقي.
(قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) بن أنس الإمام.
(عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان.
(عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هُرْمُزَ.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ) أي إذا رُفع الأذان لأجل الصلاة، يعني إذا أذن المؤذن (أَدْبَرَ) أي هرب (الشَّيْطَانُ) من سماع الأذان (وَلَهُ ضُرَاطٌ) يشغل به نفسه (حَتَّى) كي (لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ) لعظم أمره لِما اشتمل عليه من التوحيد وتعظيم الله، والدعوة إلى عبادة الله، والإقبال إلى مرضاته.
هذا أحسن ما قيل في معنى هروبه.
وقال ابن رجب: "وقد قيل في سر ذلك: إن المؤذنَ لا يسمعُه جنٌ ولا أنسٌ إلا شهدَ له يوم القيامة، كما سيأتي في الحديث بعد هذا، فيهربُ الشيطانُ مِن سماعِ الأذانِ ويَضرُط؛ حتى يمنعَه ضُراطُهُ مِن استماعِه، حتى لا يُكلَّفَ الشهادةَ به يوم القيامة.
وقيل: إن إعلانَ التكبيرِ له سرٌ في إذابة الشيطان، وقد جاء في حديث ضعيف: " إذا رأيتم الحريقَ فكبروا؛ فإنه يُطِفِئه"، والشيطانُ خُلقَ مِن النار، فهو يذوبُ مِن سماعِ التكبيرِ وإعلانِهِ.
وكذلك الإعلانُ بالتهليل: ". انتهى
(فَإِذَا قَضَى) المنادي (النِّدَاءَ) أي: فرغ المؤذِّن من الأذان (أَقْبَلَ) أي: رجع الشَّيطان، زاد مسلمٌ: «فوسوس» (حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ) هرب، والتثويب، المراد به: الإقامة؛ فإنه رجوع إلى النداء، يقال: ثاب الرجل، إذا رجع، ولـ «مسلمٍ»: «فإذا سمع الإقامة ذهب».
وليس المراد قوله في الصُّبح: "الصَّلاة خيرٌ من النَّوم"؛ لأنَّه خاصٌّ به. (حَتَّى إِذَا قَضَى) أتم الذي يقيم الصلاة (التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ) أي: رجع الشَّيطان ساعيًا في إبطال الصَّلاة على المصلِّين (حَتَّى يَخْطِرَ) أي: يوسوس (بَيْنَ المَرْءِ) أي: الإنسان (وَنَفْسِهِ) أي: قلبه، قال الشراح: ولأبي ذَرٍّ: «يخطُر» بضمِّ الطَّاء عن أكثر الرُّواة، أي: يدنو منه، فيمرُّ بين المرء وبين قلبه فيشغله، ويَحُول بينه وبين ما يريده من إقباله على صلاته وإخلاصه فيها (يَقُولُ) أي: الشَّيطان للمصلِّي: (اذْكُرْ كَذَا، اذْكُرْ كَذَا) أي يذكره بأشياء تلهيه (لِمَا) أي: لشيءٍ (لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ) قبل الصَّلاة. وزاد مسلم من طريق عبد ربه بن سعيد: «فَهَنَّاهُ وَمَنَّاهُ، وَذَكَّرَهُ مِنْ حَاجَاتِهِ مَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ» (حَتَّى) أي: كي (يَظَلَّ) أي: يصير (الرَّجُلُ) وفي نسخة: «يَضِلَّ» أي: ينسى الرَّجل (لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى) من الرَّكعات.
قال ابن رجب: "وفي الحديث: دليل على فضل الأذان، وأنه يطرد الشيطان حتى يُدبِرَ عنده وله ضراط، بحيث لا يسمع التأذين.
والأذان والإقامة في هذا سواء.
وضُراطُ الشيطان، محمول على ظاهره عند كثير من العلماء، ومنهم من تأوله، ولا حاجة إلى ذلك.
وفي " صحيح مسلم" عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الشيطان إذا سمع النداء بالصلاة ذهب حتى يكون مكان الرَّوحاء".
قال الأعمش: سألته عن الرَّوحاء، فقال: هو من المدينة ستةٌ وثلاثون ميلاً". انتهى
الروحاء تبعد عن المسجد النبوي 80 كيلو تقريبا.
الحديث متفق عليه
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم