إسم الكاتب : أبو الحسن علي الرملي
بَابُ فَضْلِ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ.
(بَابُ فَضْلِ صَلاَةِ الجَمَاعَةِ) على صلاة المنفرد.
وَكَانَ الأَسْوَدُ: «إِذَا فَاتَتْهُ الجَمَاعَةُ ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ»
(وَكَانَ الأَسْوَدُ) بن يزيد النخعي (إِذَا فَاتَتْهُ الجَمَاعَةُ) في مسجد قومه (ذَهَبَ إِلَى مَسْجِدٍ آخَرَ) وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح: «أنه كان إذا فاتته الصلاة في مسجد قومه ذهب إلى مسجد غيره».
ما مناسبة هذا الأثر لهذا الباب؟
قال ابن حجر: «ومناسبته للترجمة أنه لولا ثبوتُ فضيلةِ الجماعة عنده لما ترك فضيلة أولِ الوقت والمبادرة إلى خلاص الذمة وتوجه إلى مسجد آخر، كذا أشار إليه ابن المنيِّر.
والذي يظهر لي أن البخاري قصد الإشارةَ بأثر الأسود وأنس إلى أن الفضل الوارد في أحاديث الباب مقصور على من جمَّع في المسجد دون من جمَّع في بيته مثلًا كما سيأتي البحث فيه في الكلام على حديث أبي هريرة؛ لأن التجميع لو لم يكن مختصا بالمسجد لجمَّع الأسودُ في مكانه ولم ينتقل إلى مسجد آخر لطلب الجماعة، ولما جاء أنس إلى مسجد بني رفاعة كما سنبينه». انتهى
وَجَاءَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: «إِلَى مَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى جَمَاعَةً».
(وَجَاءَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ) رضي الله عنه (إِلَى مَسْجِدٍ) في رواية البيهقي: "أنه مسجد بني رفاعة"، وفي رواية أبي يعلى: "أنه مسجد بني ثعلبة" (قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ وَصَلَّى جَمَاعَةً) يعني في نفس المسجد.
أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد الرزاق والبيهقي وغيرهم، وهو صحيح عن أنس.
لفظ البيهقي: «حدثنا الجَعدُ أبو عثمانَ اليَشكُرِىُّ قال: صَلَّينا الغَداةَ في مَسجِدِ بَنِى رِفاعَةَ وجَلَسنا، فجاءَ أنَسُ بنُ مالكٍ في نَحوٍ مِن عِشرينَ مِن فِتيانِه، فقالَ: أصَلَّيتُم؟ قُلنا: نَعَم. فأَمَرَ بَعضَ فِتيانِه فأَذَّنَ وأَقامَ، ثُمَّ تَقَدَّمَ فصَلَّى بهِم».
قال ابن حجر: «وهو يؤيد ما قلناه من إرادة التجميع في المسجد». انتهى
645 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) ابن أنس (عَنْ نَافِعٍ) مولى ابن عمر (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) رضي الله عنه (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الفَذِّ) أي المنفرد. قال ابن حجر: «وقد رواه مسلم من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع وسياقه أوضح ولفظه: "صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده» (بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً) هذا اللفظ الصحيح عن ابن عمر، وفي رواية غيره من الصحابة: "بخمس وعشرين".
قال الترمذي: «وَعَامَّةُ مَنْ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِنَّمَا قَالُوا: «خَمْسٍ وَعِشْرِينَ»، إِلَّا ابْنَ عُمَرَ فَإِنَّهُ قَالَ: «بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ»". انتهى
على القول بالترجيح فرواية: "بخمس وعشرين" أرجح.
وعلى القول بصحة اللفظين كما ذهب إليه البخاري وغيره فقال النووي: «والجمع بينها من ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه لا منافاة بينها فذِكرُ القليلِ لا ينفي الكثيرَ، ومفهومُ العدد باطلٌ عند جمهور الأصوليين.
والثاني: أن يكون أَخبَر أولًا بالقليل، ثم أعلمه الله تعالى بزيادة الفضل فأخبَر بها.
الثالث: أنه يختلف باختلاف أحوال المصلين والصلاةِ، فيكون لبعضهم خمسٌ وعشرون، ولبعضهم سبعٌ وعشرون بحسب كمالِ الصلاة، ومحافظته على هيآتها وخشوعها، وكثرةِ جماعتِها وفضلِهم، وشرفِ البقعةِ، ونحو ذلك. فهذه هي الأجوبة المعتمدة". انتهى
قال ابن حجر: «ووقع الاختلاف في موضع آخر من الحديث، وهو: مميز العدد المذكور، ففي الروايات كلها التعبير بقوله:" درجة" أو حذف المميز، إلا طرق حديث أبي هريرة ففي بعضها:" ضعفا"، وفي بعضها: "جزءا"، وفي بعضها: "درجة"، وفي بعضها: "صلاة"، ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس، والظاهر أن ذلك من تصرف الرواة، ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة». انتهى
فالمعنى واحد فالدرجة هنا: بمعنى المضاعفة.
قال شراح الأحاديث: "والمعنى أن صلاة الواحد في جماعة يزيد ثوابها على ثواب صلاته وحده سبعا وعشرين ضعفا، وقيل: المعنى إن صلاة الجماعة بمثابة سبع وعشرين صلاة. وعلى الأول كأن الصلاتين انتهتا إلى مرتبة من الثواب فوقفت صلاةُ الفذ عندها وتجاوزتها صلاة الجماعة بسبع وعشرين ضعفا". انتهى.
وقال النووي: "وقد قيل إن الدرجةَ غيرُ الجزء، وهذا غفلة من قائله؛ فإن في الصحيحين:" سبعا وعشرين درجة"، و"خمسا وعشرين درجة"، فاختلف القدر مع اتحاد لفظ "الدرجة" والله أعلم.
واحتج أصحابنا والجمهور بهذه الأحاديث على أن الجماعة ليست بشرط لصحة الصلاة خلافا لداود ولا فرضا على الأعيان خلافا لجماعة من العلماء.
والمختار أنها فرض كفاية، وقيل سنة.
وبسطت دلائل كل هذا واضحة في شرح المهذب". انتهى
الحديث متفق عليه
646 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ الهَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»
(حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التنيسي (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ) ابن سعد (حَدَّثَنِي ابْنُ الهَادِ) يزيد بن عبد الله بن الهاد. ثقة. تقدم.
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَبَّابٍ) الأنصاري النَّجَّاري مولاهم المدني، تابعي ثقة. مات بعد المائة. روى له الجماعة.
وليس هو عبد الله بن خباب بن الأَرَتّ، فهذا لا رواية له في الصحيحين.
(عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ) رضي الله عنه (أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «صَلاَةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلاَةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً)
تفرد به البخاري
647 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ، خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاَةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً، إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، فَإِذَا صَلَّى، لَمْ تَزَلِ المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ "
(حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التبوذكي (قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ) بن زياد (قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) سليمان بن مهران (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) ذكوان السمّان (يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ) رضي الله عنه (يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ) أي: تُزاد (عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ) منفرداً (خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا) وفي لفظ للبخاري بخمس وعشرين جزءًا.
قال الشراح: «مقتضاه أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت وفي السوق جماعةً وفرادى.
قال ابن دقيق العيد: والذي يظهر أن المراد بمقابلِ الجماعةِ في المسجدِ الصلاةُ في غيره منفردًا، لكنه خرج مخرج الغالب في أنَّ من لم يحضر الجماعةَ في المسجد صلى منفردًا، وبهذا يرتفع الإشكال عمن استشكل تسوية الصلاة في البيت والسوق. انتهى». انتهى
(وَذَلِكَ) التضعيف المذكور سببه (أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ) من منزله (إِلَى المَسْجِدِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاَةُ) أي إلا قصد الصلاة المكتوبة في جماعة (لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً) قال الجوهري: "بالضم: ما بين القدمين، وبالفتح: المرة الواحدة" (إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا) أي: الخَطوة (دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ) أي: أَسقطَ "عنه" بذلك "خطيئةً"؛ أي: ذَنْبًا من ذنوبه (فَإِذَا صَلَّى) صلاة صحيحة (لَمْ تَزَلِ المَلاَئِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ) أي تدعو له (مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ) مدة بقائه في المسجد كما دلت عليه الروايات الأخرى، تقول في دعائها: (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ) قال الطبري: صَلَاة الله على عَبده: رَحمته إِيَّاه (اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) وفي الرواية المتقدمة: (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ) وهذا من أسباب تكفير الذنوب أيضاً (وَلاَ يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي) ثواب (صَلاَةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلاَةَ).
قد تقدم الحديث في باب الصلاة في مسجد السوق برقم 477 وهو متفق عليه.
وفي هذه الأحاديث فضل صلاة الجماعة بهذا الفضل العظيم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «اتفق العلماء على أنها من أوكد العبادات، وأجل الطاعات، وأعظم شعائر الإسلام». انتهى
وفيه إثبات أصل الفضل لصلاة المنفرد، وهذا يدل على أنها ليست محرمة، مما يدل على عدم وجوب صلاة الجماعة.
قال ابن الملقن: «فيه دلالة على سنية الجماعة، وهو قول الأكثرين؛ لأن تفضيلَ فعلٍ على آخر يشعر بتفضيلِهما، وهي هنا مقتضية لذلك، وزيادة فضل الجماعة، وفيه رد على داود حيث قال: إنها شرط للصحة، وهي رواية عن أحمد». انتهى
وقال غيره: «الجمع بين الفضل والإثم لا يستقيم، التفضيل يفيد الاشتراك في الفضل، ولازمه عدم الإثم، فلا يُعلم من أوامر الشارع ترتيب الفضل على فعل محرم؛ لأن هذه دعوة إلى فعله، فالمكروهات -فضلًا عن المحرمات- لا يذكر الشارع فضلًا في فعلها، بل يكفي مرتكب المكروه سلامته من المطالبة، لا له، ولا عليه». انتهى
جميع الحقوق متاحة بشرط العزو للموقع © 2026 موقع معهد الدين القيم